الأسرة والتفريط
عبد الرحمن صالح العشماوي*
ما تزال مظاهر بعض الشباب ذكوراً وإناثاً تدلّ على أن هنالك تفريطاً كبيراً من أسرٍ مسلمةٍ كثيرة في احتضان أبنائها تربوياً، واحتوائهم نفسياً، وتوجيههم ثقافياً، فالأسرة - كما نعلم - هي المحضن الأول للأولاد، وهي المدرسة الأولى التي تعلّمهم المبادئ والقيم، وتكسبهم الأخلاق، وتضع في عقولهم اللَّبِنة الأولى للفكر والثقافة، وتغرس في قلوبهم الشّتلات الأُوَل للمشاعر المستقرة الصادقة.
هؤلاء الأبناء الذين يسيحون على أرصفة الشوارع وفي الأسواق المفتوحة والمغلقة بأشكالهم العجيبة التي يقلّدون بها جَوْقَةً منحرفة تعرضها الفضائيات من المطربين (المائعين) والممثلين المتجاوزين لحدود الأعراف والتقاليد الحسنة في المجتمعات العربية المسلمة، وهؤلاء البنات اللاّتي يسرحن ويمرحن في الأسواق مجاهرات بصورٍ متعدّدة من التبرّج (المزعج) الذي تتحوَّل به الفتاة إلى وسيلةٍ من وسائل إغراء أولئك الشباب الذين أشرنا إليهم قبل قليل.
هؤلاء جميعاً من أين خرجوا؟ وفي أي مدرسة تلقّوا هذا النَّهج المنحرف في طريقة حياتهم، وأسلوب كلامهم، وهيئة لباسهم؟ في أي مَحْضِنٍ نشأوا؟، وبأي ثقافة تغذّوا، وبأي قدواتٍ اقتدوا؟
الحقيقة تؤكد أنّ الأسرة التي سمحت لهذا النَّمط من الشباب أن ينشأ بهذه الصورة هي المسؤولة الأولى أمام الله - سبحانه وتعالى - أوّلاً، ثم أمام المجتمع المسلم المتماسك ثانياً.
وما كنت أظنّ أن أباً عاقلاً أو أماً عاقلة يمكن أن يرضيا بهذه الأنماط المستغربة من الأولاد، ذكوراً وإناثاً حتى اصطدمت بنماذج من الآباء والأمّهات مقتنعين بهذه المظاهر، متهاونين بآثارها السلبية، متوهّجين أنها مظاهر حريّة شخصية لا بدّ من تحقيقها للأولاد، وهذا الأنموذج من الآباء والأمّهات ينقسم إلى قسمين :
أحدهما يجاهر بقناعته، ولا يتوارى منها،
والآخر: يكتمها، ويحاول التنصّل منها، بل وينتقدها إذا نوقش فيها انتقاداً ظاهراً، ويدّعي أنه مغلوب على أمره، ولا شك أن القسم الأول الظاهر أهون من الآخر المستتر، مع أن الخطأ التربوي الخطير الذي حصل خطأ مشترك بينهما يتساويان في تحمّل مسؤوليته في الدنيا والآخرة.
ولكن القسم الذي يظهر قناعته يتيح لنا أن نناقشه ونوضّح له الحق وربما استيقظ ضميره فأدرك خطأه، أم القسم المتواري فهو أكثر خطورة في مجال التربية، وهذا هو شأن (النِّفاق) بكلّ صوره السيئة يظل هو الأخطر في حياة البشر.
الأسرة المسلمة بحاجةٍ إلى إعادة نظر في أساليب تربيتها لأولادها في هذه المرحلة التي يختلط فيها الحابل بالنابل.
إشارة (كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته).
------------------------------
* الأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود بالمملكة سابقاً