النار أوصافها وأوصاف أهلها وطعامهم وشرابهم
سعد بن عبد الله العجمة الغامدي
الخطبة الأولى:
أما بعد:
فقد سبق الحديث عن بعض أحوال أهل النار، وفي هذه الخطبة إن شاء الله - تعالى - أذكر ما أمكن من بعض أوصافها وأوصاف أهلها وطعامهم وشرابهم. نسأل الله - تعالى - أن يجيرنا منها ويجير جميع المؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات.
إن حر نار جهنم لشدته يصهر كل ما يلقى فيه، وإن الاستعار والتأجج في جهنم يزداد باستمرار، قال الله - تعالى -: {مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا} [الإسراء: 97]. وقال - تعالى -: {فَالَّذِينَ كَفَرُواْ قُطّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مّن نَّارِ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءوسِهِمُ الْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ} [الحج: 19-20]. وقال - تعالى -: {تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَـالِحُونَ} [المؤمنون: 104]. وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((ناركم هذه التي يوقد بنو آدم جزءٌ من سبعين جزءاً من حر جهنم، قالوا: والله إن كانت لكافيةً يا رسول الله قال: إنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءاً كلهن مثل حرها)).
وأما لونها فهو أشد سواداً من القار. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((أترونها نار جهنم حمراء كناركم هذه؟ لهي أسود من القار)). وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((أوقد على النار ألف سنة حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت فهي سوداء مظلمة)).
وفي صحيح مسلم - رحمه الله - من رواية أبي هريرة - رضي الله عنه - عن عمقها وبعد قعرها أنه قال: كنا مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - إذ سمعنا وجبة فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((أتدرون ما هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: هذا حجر رمي به في النار منذ سبعين خريفاً فهو يهوى في النار، الآن حين انتهى إلى قعرها)). والويل في قوله - تعالى -: {وَيْلٌ لّلْمُطَفّفِينَ} [المطففين: 1]. {وَوَيْلٌ لّلْكَـافِرِينَ} [إبراهيم: 2]. ورد تفسيره بأنه وادٍ في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفاً قبل أن يبلغ قعره.
ولقد جاء بيان السلاسل والأغلال والكبول والأنكال جاء بيان ذلك في عدة سور من القرآن الكريم، قال - تعالى -: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَـافِرِينَ سَلَـاسِلَ وَأَغْلَـالاً وَسَعِيراً} [الإنسان: 4]. {إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالاً وَجَحِيماً وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً} [المزمل: 12-13]. وقال - تعالى -: {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إِذِ الأغْلَـالُ فِي أَعْنَـاقِهِمْ والسَّلَـاسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ} [غافر: 70-72]. وقوله - تعالى -: {خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاْسْلُكُوهُ إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَـاهُنَا حَمِيمٌ وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخَـاطِئُونَ} [الحاقة: 30-37]. ولقد فسر زيادة العذاب في قوله - تعالى -: {الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَـاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ} [النحل: 88]. فسرت زيادة العذاب بأنها عقارب تلسعهم، العقرب كالبغلة الموكفة، وورد عن النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - قوله: ((إن في النار حيات كأمثال أعناق البخت تلسع إحداهن اللسعة فيجد حرها سبعين خريفاً، وإن في النار عقارب كأمثال البغال الموكفة تلسع إحداهن اللسعة فيجد حموتها أربعين سنة)).
إن لأهل النار مطاعم كثيرة ومشارب. إذ الطعام والشراب من لوازم الحياة، وأهل النار أحياء فيها لا يموتون إذ لو ماتوا لاستراحوا من العناء والعذاب، ولكنهم لا يموتون. كما قال - تعالى -: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَـاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ} [النساء: 56]. ويسألون الموت ويطلبونه ولكن لا يستجاب لهم، جاء طلبهم في القرآن في قوله - تعالى -: {وَنَادَوْاْ يا مَـالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَّـاكِثُونَ} [الزخرف: 77]. وقد أخبر - تعالى - عن عدم موتهم بقوله: {لاَ يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مّنْ عَذَابِهَا} [فاطر: 36]. ومن طعام أهل النار الزقوم وهو ثمر يخرج من شجرة تنبت في أصل الجحيم، مذاقه مر شديد المرارة، يغص به في الحلق فلا يسوغ ولا ينزل إلا بالماء الحميم، ومن خواصه أنه يغلي في البطن غليان الماء، والمهل الذي هو أشد حرارة ومرارة وحنظلاً لها من الماء.
قال - تعالى -: {أَذلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ إِنَّا جَعَلْنَـاهَا فِتْنَةً لّلظَّـالِمِينَ إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءوسُ الشَّيَـاطِينِ فَإِنَّهُمْ لاَكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ} [الصافات62-67].
وقال - تعالى -: {إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الأثِيمِ كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ كَغَلْي الْحَمِيمِ} [الدخان: 43-46]. ومن طعامهم أيضاً الغسلين وهو ما تجمع من عصارة أهل النار من قيح وصديد وعرق، وما يخرج من فروج الزناة وما يسيل من لعاب شاربي الخمر في الدنيا والمغتابين والكذابين وقائلي الباطل وشاهدي الزور. ورد ذكر الغسلين في قوله - تعالى -: {فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَـاهُنَا حَمِيمٌ وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخَـاطِئُونَ} [الحاقة: 35-37]. ومن طعامهم أيضاً الضريع وهو شوك مرٍّ متناهٍ في المرارة ينشب في الحلق يسيغه الآكل بالحميم، فهو لا يسمّن آكله ولا يغنيه من جوع، قال - تعالى -: {لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ لاَّ يُسْمِنُ وَلاَ يُغْنِى مِن جُوعٍ} [الغاشية: 6-7].
ومن بعض مشارب أهل النار الحميم وهو ماء حار يجري من عين آنية أي أن درجة حرارة الماء فيها قد انتهت إلى ما لا مزيد عليها أبداً، ومن خواص الحميم أنه يصهر به ما في بطونهم والجلود ويقطع أمعاءهم. قال - تعالى -: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَـاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ ءانِيَةٍ} [الغاشية: 2-5]. وقال - تعالى -: {وَسُقُواْ مَاء حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ} [محمد: 15]. {يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءوسِهِمُ الْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ} [الحج: 19-20]. ومن شرابهم كذلك ماء الصديد وهو ماء كدر يحوي كميات من الصديد يغص به شاربه حتى لا يكاد يسيغه ويعاني منه آلاماً لا يعلم مداها إلا الله - تعالى -، قال - عز وجل -: {وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ مِّن وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِن مَّاء صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيّتٍ وَمِن وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ} [إبراهيم: 15-17]. ومن الشراب أيضاً ماء شبيه بالمهل إذا أدناه أحدهم من فمه ليشربه، شوت حرارته جلدة وجهه قال - تعالى -: {وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِى الْوجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا} [الكهف: 29]. ومن الآيات التي تجمع بين الطعام والأكل من شجر الزقوم حتى تمتلئ بطونهم والشراب من الماء البالغ نهاية الحرارة الذي يشربون منه ولا يروون بل يزيدهم عطشاً كالنياق العطاش التي لا ترتوي أبداً لإصابتها بذلك المرض ولذلك سميت بالهيم، قال - تعالى -: {قُلْ إِنَّ الأوَّلِينَ وَالآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَـاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذّبُونَ لاَكِلُونَ مِن شَجَرٍ مّن زَقُّومٍ فَمَالِـئَونَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشَـارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ فَشَـارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ هَـذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدّينِ} [الواقعة: 49-56]. ومن شرابهم أيضاً ماء من نهر الغوطة وهو ماء متجمع مما يسيل من فروج الزواني من النساء، فقد روى الإمام أحمد - رحمه الله - بسند صحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن خمر، وقاطع الرحم، وعاق والديه)). ((ومن مات مدمن الخمر سقاه الله - جل وعلا - من نهر الغوطة، قيل وما نهر الغوطة؟ قال: نهر يجري من فروج المومسات يؤذي أهل النار ريح فروجهن)). وفي الحديث الآخر: ((كان حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخبال، قيل يا رسول الله: وما طينة الخبال؟ قال: عصارة أهل النار القيح والدم)). وإن تفاوت العذاب بين أهل النار في دار البوار ثابت مقطوع به، وهو تابع لتفاوت أعمالهم وما كسبوا من خير وشر في هذه الحياة الدنيا. روى الإمام مسـلم - رحمه الله - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((أهون أهل النار عذاباً أبو طالب وهو منتعل بنعلين يغلي منهما دماغه)). وخفف عذاب أبي طالب إلى هذه الدرجة من أجل ما قدمه من خدمات للإسلام ممثلة في شخص الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وروى البخـاري - رحمه الله - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إن أهون أهل النار عذاباً رجل على أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل بالقمقم)). روى كذلك الإمام مسلم - رحمه الله - قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((منهم أي من أهل النار من تأخذه النار إلى كعبيه، ومنهم تأخذه النار إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه النار إلى حجزته، ومنهم من تأخذه النار إلى عنقه، ومنهم من تأخذه النار إلى ترقوته)).
أيها المسلمون: من منا يستطيع أن يتحمل اللهب المتصاعد من عود الثقاب من الكبريت، بل من منا يستطيع أكثر من ذلك يعرض يده أو رجله أو أي جزء من جسمه لأفران البتوجاز أو المخابز أو أي نار أخرى أو يستطيع أن يسكب على جسمه ماءً حاراً من السخان أو ماء مغلياً على النار فإذا كنا لا نستطيع ذلك ولن نستطيع لأن أجسامنا لن تقوى على النار، فعلينا أن نعمل على إبعاد أنفسنا وأهلينا ومن ولينا أمره عن نار الآخرة كما قال - تعالى -: {يأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَـئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6].
الخطبة الثانية:
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه.
أما بعد:
فالعويل والبكاء من لوازم معاناة المخاوف والآلام ومقاساة الشدائد والأهوال، ودار البوار وسكانها لا يبرحون يتجرعون الغصص ويتذوقون مر العذاب، حزنهم دائم، وعذابهم لا ينقطع ولا يخف، ومن هنا لا يستغرب منهم البكاء والعويل، ولا يستنكر عليهم الصياح والنواح فهم يتضاغون فيها ويصطرخون، يدعون بالويل والحسرة والثبور.
قال الله - تعالى -: {وَإَذَا أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيّقاً مُّقَرَّنِينَ دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً} [الفرقان: 13]. أي هلاكاً حيث يدعون على أنفسهم بالهلاك فيقال لهم: {لاَّ تَدْعُواْ الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُواْ ثُبُوراً كَثِيراً} [الفرقان: 14]. وقال - تعالى -: {وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَـالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَّـالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ} [فاطر: 37]. وقال - تعالى -: {لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ} [الأنبياء: 100]. {فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَـالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَـاواتُ وَالاْرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لّمَا يُرِيدُ} [هود: 106-107]. وقال - تعالى -: {وَاتَّبِعُـواْ أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مّن رَّبّكُـمْ مّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُـمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ أَن تَقُولَ نَفْسٌ ياحَسْرَتَي عَلَى مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّـاخِرِينَ} [الزمر: 55-56]. {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّـالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً ياوَيْلَتَا لَيْتَنِى لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَـانُ لِلإِنْسَـانِ خَذُولاً} [الفرقان: 27-29]. عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((يا أيها الناس أبكوا فإن لم تبكوا فتباكوا، فإن أهل النار يبكون في النار حتى تسيل دموعهم في خدودهم كأنها جداول حتى تنقطع الدموع، فيسيل يعني الدم فيقرح العيون)). وعن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: إن أهل النار يدعون مالكاً أي خازن جهنم فلا يجيبهم أربعين عاماً ثم يقول إنكم ماكثون، ثم يدعون ربهم فيقولون: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَـالِمُونَ}. [المؤمنون: 107]. فلا يجيبهم مثل الدنيا ثم يقول: {قَالَ اخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ} [المؤمنون: 108]. ثم ييأس القوم فما هو إلا الزفير والشهيق، تشبه أصواتهم أصوات الحمير، أولها شهيق وآخرها زفير.
قال - تعالى -: {وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فأُوْلَـئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَـالِدُونَ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَـالِحُونَ أَلَمْ تَكُنْ ءايَـاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذّبُونَ قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالّينَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَـالِمُونَ قَالَ اخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا ءامَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرحِمِينَ فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِى وَكُنْتُمْ مّنْهُمْ تَضْحَكُونَ إِنِي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُواْ أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ} [المؤمنون: 103-111].
وقال - عز وجل -: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَـالِدُونَ لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ وَمَا ظَلَمْنَـاهُمْ وَلَـاكِن كَانُواْ هُمُ الظَّـالِمِينَ وَنَادَوْاْ يا مَـالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَّـاكِثُونَ لَقَدْ جِئْنَـاكُم بِالْحَقّ وَلَـاكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقّ كَـارِهُونَ أَمْ أَبْرَمُواْ أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} [الزخرف: 74-80]. وقال - تعالى -: {فَالَّذِينَ كَفَرُواْ قُطّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مّن نَّارِ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءوسِهِمُ الْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ كُلَّمَا أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمّ أُعِيدُواْ فِيهَا وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ} [الحج: 19-22].
فيا أيها المسلمون: لنتذكر هذه الأيام بمناسبة الامتحانات الدنيوية للأولاد ذكوراً وإناثاً لنتذكر كيف الإعداد والاهتمام من أجل امتحانات دنيوية ومن أجل الحصول على النجاح والفوز كيف يكون الاستعداد من قبل الآباء والأمهات والأولاد ذكوراً وإناثاً؟ فما بالنا لا نعد العدة في فترة الامتحان والاختبار الطويلة في زمن المهلة وهي عمر كل إنسان منا في هذه الحياة الدنيا سواء طال عمره أو قصر، وهي مدة كافية لأداء الامتحان من أجل الفوز بالجنة والنجاة من النار. فعلينا أن نغتنم الفرصة والمهلة التي أعطانا الله إياها في هذه الحياة الدنيا وعلينا أن ننتبه ونفيق من غفلتنا ونتذكر ونمعن النظر ونتأمل ونحن نتلو كتاب الله أو تتلى علينا آياته، ولنتذكر الموت ويوم الجزاء والحساب ولنتذكر الجنة والنار، نقرأ الآيات المشتملة على النعيم الدائم في الجنة وأوصاف ذلك جملة وتفصيلاً فيما ورد في القرآن الكريم وفي أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - وكذلك ما ورد عن النار في القرآن الكريم والسنة النبوية.
علينا أن نتأمل ونتفكر ونتعظ ونفرق بين النعيم الدائم في الجنة واللذة العاجلة في الحياة الدنيا، اللذة المحرمة التي يرى صاحبها أنه استمتع بها لدقائق ولحظات لا تطول وتعقبها ساعات الحسرة والندامة في الدنيا قبل الآخرة، وإلى أي مدى تستمر معه تلك النشوة والفرح بارتكاب ذلك المحرم، لو تدبر وتأمل حاله ذلك المسكين وأفاق من غفلته لأدرك الفرق الشاسع الذي لا مقارنة ولا تقارب معه بين هذا النتن والعفن وبين النعيم الأبدي السرمدي، ولو علم عواقب اتباعه للشهوات وارتكاب المحرمات في الدنيا لو علم مصيره في الآخرة إن مات على ذلك ما هو العقاب الذي سيجره على نفسه لابتعد وانزجر وكف نفسه عن إعطائها شهواتها وما تميل إليه وألجمها بزمام التقوى وحبسها عما يوردها المهالك وسجنها خاصة عندما يزين لها الشهوة شياطين الإنس والجن في سجن لا أغلال فيه ولا آصار، بل هو تقرب إلى الحي القيوم بكف النفس عن المعاصي والآثام لنيل الرضا والفوز بالجنات والبعد عن النيران، يتذكر دائماً أن الحياة الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ويفعل الأسباب المنجية له من الهلاك والخسران ويطمع في رحمة الله ويخاف عقابه ويرجو رحمته ويدعو الله - تعالى -بحسن الخاتمة والفوز بالجنة والنجاة من النار. وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع. {وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَـاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران: 185].
أكتفي بما ذكر عن النار وإن كان لها أسباب لابد منها من ذكرها في خطب لاحقة إن شاء الله - تعالى -.