أبناء أصحاب السبت

عبد الرازق السيد عيد

 

الحمد لله أنزل كتبه وأرسل رسله مبشرين ومنذرين وختمهم بمحمد - صلى الله عليه وسلم - فلا نبي بعده ولا كتاب بعد كتابه، ولا طريق إلى الجنة إلا عن طريقه. أما بعد:

فنحن اليوم مع جيل آخر من أجيال بني إسرائيل ذكرهم اللَّه - سبحانه - عقيب قصة أصحاب السبت لذا أطلقت عليهم اسم (أبناء أصحاب السبت)، ولا أقصد البنوّة المباشرة، ولكني أقصد الأجيال التي تلت، وهل كان التالي مثل السابق في السوء أم أسوأ؟ نترك الإجابة للسياق القرآني الذي سنعيش معه فيما يلي:

 

«فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لاَ يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ» [الأعراف].

والخَلْف: بسكون اللام يطلق على الطالح من الأجيال، والخلَف بالفتح يطلق على الصالح منهم.

ويؤكد ذلك ما جاء في قوله - تعالى -: «فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاَةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا» [مريم: 59].

أي جاء من بعدهم عُقبُ سوءٍ من أممهم يتسمون بالإيمان والاتباع للأنبياء ولكنهم مقصرون ومخالفون أضاعوا دينهم وانقسموا في دنياهم، فإذا كنا فيما سبق وقفنا على مساوئ أصحاب السبت فإن الذين جاءوا من بعدهم كانوا الأسوأ، والدليل على ذلك فيما يأتي:

1- «وَرِثُوا الْكِتَابَ» أي: التوراة ورثوها من أسلافهم يقرأونها ولا يعملون بها، بل نصبوا أنفسهم حماة التوراة وهم الأولى بها وفسروها بأهوائهم غيَّروا وبدلوا وحرَّفوا فيها وقد ضرب اللَّه مثلا لهم ولأمثالهم في كتابه الكريم فقال - سبحانه - «مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» [الجمعة: 5]. وليس أبلغ من وصف اللَّه وصفٌ.

2- «يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى» هو الدنيا يتعجلون مصالحها بالرِّشا والسحت في مقابلة تحريفهم لكلمات اللَّه وتهوينهم للعمل بأحكام التوراة، وسكوتهم على مخالفتها وكتمهم لما يكتمونه منها.

3- «وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا».

وهذا قول منهم يدل على الغرور والكبر؛ فهم لم يتوبوا ولم يستغفروا، ويقولون سيغفر لنا وكأنهم أخذوا على اللَّه العهد والميثاق أن يغفر لهم مهما فعلوا، ولو كان قولهم هذا من باب التوبة والاستغفار لأقلعوا عن معاصيهم وندموا على فعلهم، ولكنهم كما وصفتهم الآية بعد ذلك «وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ» فهم مستمرون على ما هم عليه.

 

قال ابن كثير - رحمه الله - عند تفسير هذه الآيات: «كانت بنو إسرائيل لا يستقضون قاضيًا إلا ارتشى في الحكم، وإن خيارهم اجتمعوا فأخذ بعضهم على بعض العهود ألا يفعلوا ولا يرتشوا، فجعل الرجل منهم إذا استقضى ارتشى، فيقال له ما شأنك؟ ترشي في الحكم؟ فيقول: سيغفر لي فتطعنُ عليه البقية الأخرى من بني إسرائيل فيما صنع فإذا مات أو نزع، وجُعل مكانه رجل ممن كان يطعنُ عليه فإنه يرتشي» أهـ. كان أحدهم يعيب على من يرتشي فإذا تولى هو القضاء ارتشى! وهنا لابد لنا من وقفة سريعة، فإذا كان هذا حال خيارهم وقضاتهم كما سبق فما بالك بحال غيرهم. هذه واحدة والثانية إذا فسد القضاةُ في أمة فماذا بقي لها من الخير؟

 

4- «أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لاَ يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ» يستنكر اللَّه عليهم أفعالهم ويذكِّرهم بالعهود والمواثيق التي أخذها عليهم في التوراة وهي عدم تحريفهم الحق أو تغييره اتباعًا لأهوائهم ولكنهم مع معرفتهم بما نزل عليهم في الكتاب تركوا العمل به، وهذا ما يحتمله قوله - تعالى -: «وَدَرَسُوا مَا فِيهِ»، وقد درسوا ما في الكتاب وعلموه، فكان الترك منهم عن علم وعمد لا عن جهل ونسيان، وهذا الذي يستوجب غضب اللَّه - سبحانه - نعوذ بالله من غضبه وعقابه وشرِّ عباده.

5- ما الميثاق الذي أخذه اللَّه على بني إسرائيل سلفهم وخلفهم؟

أخذ اللَّه عليهم مواثيق كثيرة في العقيدة والأخلاق والمعاملات وتبليغ الحق للناس وعدم كتمانه بعد تطبيقه على أنفسهم وقد اجتمعت كل هذه في الإيمان بالكتاب الحق وعدم تحريفه.

لكن ماذا فعلوا؟ نستمع إلى ما أخبر اللَّه - تعالى -عنهم حين قال: «وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ» [آل عمران: 187] حرّفوا وبدلوا وكتموا ما لم يستطيعوا تحريفه أو تبديله وما بقي عندهم من حق تركوا العمل به واشتروا به متاع الحياة الدنيا.

وأخذ اللَّه عليهم ميثاق الإيمان بالرسل واتباعهم ونصرتهم وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، قال - تعالى -: «وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُم» [المائدة: 12]، لكن ماذا فعلوا؟

قال اللَّه - تعالى -عنهم: «لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ» [المائدة: 7]. لم يكتفوا بتكذيب الرسل وكفى به جرمًا، بل قتلوا من استطاعوا قتله منهم.

وقد أخذ اللَّه الميثاق وشهد اللَّه عليهم، وقد أبلغوا أقوامهم وبشروا بمحمد وقد بشر موسى - عليه السلام - بنبوة محمد وكذلك بشر عيسى - عليه السلام - ومكتوب في التوراة والإنجيل: «الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» [الأعراف: 157].

وللحديث بقية، فإلى ذلك استودعكم اللَّه، والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته.

 

http://www.altawhed.com                      المصدر: