يا حي يا قيوم .. برحمتك أستغيث

د. أمير الحداد

 

الذين يبيحون لأنفسهم الكذب لأجل المصلحة.. والذين يبيحون لأنفسهم السكوت عن الحق لأجل الوصول.. والذين يبيحون لأنفسهم التملق من أجل الارتقاء.. كثيرون في زماننا هذا..

لم يخف صاحبي همه.. وضيقه.. وضجره.. بدأ بهذه العبارات حوارنا بعد أن تحدثنا عن أحوالنا وأخبارنا، حيث إننا لم نلتق منذ أكثر من شهر..

- وما الغريب في ذلك.. إن >الوصول< أمر مغر.. وعوائده المادية والاجتماعية كثيرة.. فإنك إذا وصلت.. ظهرت صورتك في الصحف.. وتسابق الناس لنيل رضاك.. ونلت من المادة ما يغنيك عن التأكد من حسابك قبل أن تذهب إلى البنك لسحب بعض النقود..

- وأين المبادئ؟ أين الصواب والخطأ؟ أين القيم؟ وبعد الوصول والموت.. ما الذي ينتفع به هذا الوصولي؟ حساب.. عذاب..

- إنك لا تستطيع أن تغير معظم الناس.. بل أخبر الله رسوله.. وأفضل خلقه.. وأشرف عباده.. - وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله- >الأنعام: 196<.. -إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء- >القصص: 56<..

ولذلك عانى الرسول - صلى الله عليه وسلم - من أجل إصلاح الناس.. - فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً- >الكهف: 6<.. وعلمه الله - عز وجل - من الدعاء ما يستعين به على >هم< الدعوة.. وإعراض الناس عنه.. فكان من دعائه - صلى الله عليه وسلم -.. >يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث<..

كلمات قليلة فيها كل ما يحتاج إليه العبد..

ردد صاحبي دون شعور..

- يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث.. وكررها مرة ثانية!!

- في هذا الدعاء العظيم اسمان من أسماء الله الحسنى -الحي- و-القيوم- و-الحي- في حق الله يقتضي الحياة الكاملة له - عز وجل - كما يليق بجلاله.. -فالحياة- معلومة.. ولكن حياة الله ليست كحياة المخلوقين.. فالجميع تحتاج حياته لأسباب.. أولها.. الماء.. -وجعلنا من الماء كل شيء حي-.. ومنها الهواء.. ومنها الغذاء.. ثم الأسباب الأخرى التي تجعل الحياة مريحة.. أما -حياة- الله.. فلا تحتاج لشيء وهي دائمة لا تنتهي.. تليق بالرب- عز وجل-.. وهو - سبحانه -حي- حياة تليق به.. وفرق بين حياة المخلوق وحياة الخالق.. كما الفرق بين الخالق والمخلوق.. ثم هو -القيوم-.. -القائم- بذاته.. ودون حاجة لشيء.. المقيم لغيره.. فلا شيء يقوم إلا أن يقيمه الله - عز وجل -.. فهو -قيوم- السماوات والأرض ومن فيهن.. وهما اسمان متلازمان.. وردا في أعظم آية من كتاب الله - آية الكرسي-  ثم يستغيث العبد برحمته.. - سبحانه وتعالى -.. و-رحمة الله-.. صفة من صفاته - عز وجل -.. فالعبد يستغيث.. إما بالله أو بأسمائه أو بصفاته.. فناسب هنا أن يستغيث برحمته.. الواسعة.. التي لا حدود لها -وسعت كل شيء-.. وإذا استغاث العبد في لحظات ضعفه برحمته - عز وجل -.. تداركته الرحمة.. ومن نال رحمة الله هانت عليه كل الأمور.. وكانت رحمة الله أوسع له من كل ضيق الدينا.. ونال من الخير ما لا يشترى بكنوز الدنيا جميعها.. ولكن على المؤمن أن يتذكر دائماً أن يلجأ إلى الله..وأن يستعين بالله..ويستغيث بالله.. ويتوكل على الله.. ويعلم يقيناً دون شك.. أن الله كاف عبده.. وأن من يتوكل على الله فهو حسبه.. وأن نكد الدنيا كله يزول باللجوء إلى الله.. والشعور أنك في ذمة الله وحفظه.. وهذا اليقين يضعف أحياناً.. فيحتاج المؤمن إلى من يقويه.. ويذكره به..

 

http://www.al-forqan.net            المصدر: