حددي بوصلتك الذاتية

 

كفاح شاق... ولكن....

هذه القصة لإحدى الفتيات الغربيات، هي حقاً قصة كفاح، ولكن يا ترى هل وصلت إلى ما كانت تبحث عنه؟؟؟

هذه القصة تحكيها الفتاة بنفسها، فهيا معي نسمعها سوياً، ولسان حالها يقول:...

نشأت في أسرة فقيرة، وكان أبي موظف صغير وأمي لا تعمل، كنت أعاني أنا وأخوتي عندما نجد أصدقاءنا مع ذويهم بالخروج إلى المتنزهات وما هم فيه من الترف، ونحن لا نستطيع أن نأكل الكثير من الحلوى؛ لأن المال لا يكفي.

من وقتها قررت أن أجعل حياتي عندما أكبر مختلفة تماماً عن الذي عشت فيه، فأحصل على كل وسائل السعادة والتمتع بالرضا عن النفس، وبدأت أول خطوة في تحقيق حلمي يوم التحقت بالمدرسة، فلقد كنت متفوقة جداً وبخاصة في المدرسة العليا، فكان تقديري لا يقل عن جيد جداً، وكانت حالات نادرة، فالأصل هو ممتاز، وكان الجميع حولي يتوقعون لي مستقبل باهر.

ولعبت كرة السلة، تفوقت فيها أيضاً حتى أني صعدت إلى الفريق القومي، وبعد انتهاء دراستي التحقت مباشرة بعمل مرموق ذو أجر كبير فلقد كان تقديري في المدرسة يؤهلني لذلك، وارتقيت بسهولة في عملي حتى أصبحت بعد سنوات قليلة نائب مدير، وتزوجت وأنجبت، ولدي من الأولاد اثنان، وكما رأيتم أصبح عندي المال، المنصب، الشهرة، الزوج، الأولاد،... ولكن... ها أنا أصبحت في الخمسين من عمري ولم أحصل على ما فعلت كل هذا من أجله.. فأنا لست سعيدة، وأطلب المساعدة من كل من يسمع قصتي، قولي لي كيف أكون سعيدة وأشعر بالرضا والتوافق مع نفسي ؟؟؟

بالطبع سوف نساعدك فتابعي معنا...

 

يقول كارل جوستاف يونج:

[سوف تصبح رؤيتك واضحة فقط؛ عندما تمعن النظر في أعماق ذاتك، فمن ينظر خارج حدود ذاتهم يحلمون، أما من ينظرون داخلها؛ فيستيقظون لتحقيق الحلم].

نعم أخيتي.

فكما هو معروف؛ أن لكل فعل دافع أدى إلى حدوث ذلك الفعل، فإن جميع تصرفاتنا لابد لها من دافع وهدف يحركها.

لذلك: فلابد أولاً أن تعرفي بوصلتك الذاتية، فلكل منا مركز اهتمام في هذه الحياة تدور حوله جميع أفعاله وتحركاته، وتبنى عليه آماله، فعليك أن تكتشفي هذا المركز أولاً، ومن ثم تعملي على تقويمه لتنظري هل هذا المركز يستحق فعلاً أن يكون محور حياتك، وأن يكون مصدر تصبح منه رسالتكِ في الحياة؟!

من أجل هذا؛ دعيني أخيتي أصحبك في جولة سريعة؛ نتعرف بها على تلك المراكز الرئيسية التي يضعها أكثر الناس في بؤر اهتماماتهم.

واطلب منك أن تمعني النظر في ذاتك خلال تلك الجولة، وأن تصَّدقي مع نفسكِ لتري أي مركز من تلك المراكز يحوز على اهتمامك ويشكل بوصلتك الداخلية.

 

1- المال:

يضع الكثير من الناس جمع المال كهدف أكبر لهم في الحياة، ولاشك أن المال عصب الحياة، وأنه ضروري جداً؛ لتحقيق الكثير من أهداف الإنسان، وتكوين الأسرة، وإقامة المشروعات، وغير ذلك، ولكن ينبغي أن نفهم أن المال وسيلة وليس غاية، ولنر ماذا يحدث للإنسان إذا جعل من جمع المال الهدف الأكبر له في الدنيا؟

فكما تقول المقولة الشهيرة: إذا كنت أنا من أمتلك، فإذا فقدته فمن أكون؟

فإن الإنسان الذي يسيطر عليه هم جمع المال؛ يستمد إحساسه بالأمان وبقيمته الذاتية من مقدار ما يملك من ثروة، وحيث أن المال عرض زائل يجيء ويذهب، فقد يؤدي تردي حالته الاقتصادية إلى فقدانه لهذا الإحساس بالأمان أو الثقة بالنفس.

لذا يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: [[تعس عبد الدينار وعبد الدرهم]] رواه البخاري.

والذي يضع همه هو جمع المال، غالباً تجديه يهمل في أسرته وأبناؤه، وبعد الحصول على المال تحدث المفاجأة، وهي تمزق الأسرة ودمار الأبناء.

يحكي ستيفن كوفي أن أحد زملائه أعلن في أحد السنوات أن هدفه هذا العام هو جمع مليون دولار، عمل هذا الرجل على تطوير وتسجيل منتج مبتكر له علاقة بالرياضة البدنية، ودار في كل المناطق يبيعه، أحياناً كان يأخذ أحد أولاده معه، واشتكت الزوجة من ذلك لأنه سبب في إهمال الأولاد لدروسهم وواجباتهم المدرسية وفي نهاية العام أعلن هذا الشخص أنه حقق هدفه وكسب المليون دولار، ولكن بعد ذلك بقليل طلق زوجته، وأدمن اثنان من أبنائه المخدرات بينما خرج الثالث ولم يعد.

وحينما يجعل الإنسان هدفه المال، فإنه قد يسبب له التكبر والغرور، والذي يدمر الدنيا والآخرة.

وهذا هو ما حدث مع قارون، لم تعرف الدنيا له مثيلا في غناه، وفحش ثرائه، كما أخبرنا الله - عز وجل -: [وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ.... ] [القصص: 76]

لكن ماذا كانت عاقبته عندما قصر همومه على جمع المال وأعرض عن نصح قومه له؟

[وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ][القصص: 77]

فكان رده مليئاً عجباً وتيهاً وجحوداً لنعمة المنعم وفضله:

[قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي.... ][القصص: 78]. وبغي على قومه وأفسد في الأرض، وخرج عليهم في استعراض عظيم لكنوزه وأمواله كبراً وأشراً، فماذا كانت النتيجة؟

[فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ... ][القصص: 81].

وهذه قصة أغنى امرأة في العالم، كرستينا أوناسيس ابنته الملياردير اليوناني: أوناسيس، مات والدها وترك لها المليارات، شركات ومؤسسات، قصوراً، وناطحات سحاب، تزوجت هذه الفتاة عدة مرات، في كل مرة يحدث طلاق، وعندما سُئلت، قالت: أبحث عن السعادة حتى إنها تزوجت في آخر المطاف برجل شيوعي من الإتحاد السوفيتي السابق، وذهبت لتعيش معه في بلده، تسكن في غرفتين تعيش على ما تصرفه لهم الدولة الشيوعية من مؤن ويذهب إليها الصحفيون ويسألونها: كيف تلتقي قمة الرأسمالية مع الشيوعية فتقول: أبحث عن السعادة، ثم انفصلت عن زوجها هذا، وانتهى أمرها بأن وجدوها ميتة في إحدى شاليهاتها بالأرجنيتن.

أخيتي: مما سبق يتأكد لنا أن المال وإن كان ضرورياً لتحقيق الأهداف، إلا أنه لا يصلح أبداً أن يكون على رأس اهتماماتنا في هذه الحياة.

 

2- العمل:

وبعض الناس يهتمون بأعمالهم أكثر مما يهتمون بأولادهم وأسرتهم وأنفسهم، وهذا ما يسمى[إدمان العمل] ويستمد هؤلاء إحساسهم بقيمتهم الذاتية من عملهم، وفي هذا خطورة شديدة؛ لأن مثل هؤلاء إذا قعدوا عن عملهم، أصيبوا بعاهة أو مرض، وشعروا أنه لم يبق شيء يعيشون من أجله بعد ذلك.

وقد يدفع أحدهم الانشغال الزائد بالعمل إلى تفريط في حقوق الله تبارك وتعالى، كما هو حال كثير من المسلمين، فتجد الواحد منهم ينهمك في عمله حتى إذا حان وقت الصلاة بخل على نفسه ببضع دقائق يؤدي فيها حق الله - تعالى - بحجة أن العمل عبادة، وينسى أن الله - تعالى - الذي يقول في كتابه الكريم[فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ][الملك: 15]، وهو أيضاً الذي يقول: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ][المنافقون: 9]

فالذي أمر بالسعي في العمل وتعمير الأرض، هو نفسه - سبحانه - الذي أمر ألا يلهينا ذلك عن ذكر الله وعن الصلاة.

3- المتعة واللهو والترفيه:

وهناك فريق آخر يضع المتعة كهدف رئيسي في حياته، فيقضون أوقاتهم في مشاهدة البرامج الترفيهية في التلفزيون، أو المسارح والملاهي، أو ألعاب الكمبيوتر، أو الذهاب إلى السينما، وغير ذلك من أنواع اللهو سواء أكان حلالاً أم حراماً.

ولاشك أيضاً أن وجود بعض الترفيه المباح الذي لا يتعدى حد الاعتدال، هو أمر مهم لتحقيق الصحة النفسية والتوازن في حياة الإنسان، لاسيما بعد العمل المرهق، أو الانشغال بمشاكل الحياة المعقدة.

ولنا في مشهد حنظله وأبي بكر معيناً على فهم القاعدة في التعامل مع اللهو والترفيه، حيث يحكي حنظله الأسدي فيقول: [لقيني أبو بكر فقال: كيف أنت يا حنظله؟ قلت نافق حنظله، قال: سبحان الله، ما تقول؟! قال: قلت نكون عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يذكرنا بالجنة والنار، حتى كأنها رأي العين، فإذا خرجنا من عنده انشغلنا بالأزواج والأولاد والضيعات، فنسينا. فقال أبو بكر: وإني ألقى مثل الذي تقول، هيا بنا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فشكيا إليه ما يجدان، فهدأ من روعهما، وقال لهما: [... يا حنظله ساعة، وساعة]. رواه مسلم.

ولكن اللهو في حد ذاته لا يحقق أية سعادة دائمة باقية في حياة الإنسان، فالشخص الذي يمضي أغلب وقته في المتعة واللهو سيمل منه ويسأمه فيطلب مستوى أعلى من المتعة واللهو، وهكذا حتى يمل من كل شيء فلا يجد في النهاية ما يمتعه أو يسليه ويفقد إحساسه بقيمة الحياة.

وقد تأخذه فنون اللهو من الأفلام والمسلسلات إلى التعلق بعالم من الأوهام والخيالات، لا يوجد إلا في شاشات السينما، فيقد إحساسه تدريجياً بالواقع الذي يعيش فيه، وبالطبع فإن هذا سوف يؤثر على إنتاجيته وإحساسه بالمسؤولية تجاه عمله وبيته وأسرته وأصدقائه.

وهكذا يضيع حياته ذاتها هباءً دون أن يدري، وقد يجره سأمه من أنواع اللهو البريء المباح إلى أن يطلب اللذة في لهو محرم.

ومن ثم يصدق فيه قوله - تعالى -: [أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً] [الفرقان: 43]

وإذا وصل إلى ذلك فقد حاز الشقاء في الدنيا والآخرة والعياذ بالله.

هذا ليس كل شيء فهناك محاور أخرى يدور حولها بعض الناس ويجعلونها مركز اهتمامهم.

هل هي المحاور الصحية؟ أم هي مثل تلك المحاور هالكة؟ أم.. أم.. ؟

إذا أردت أن تعرفي فتابعينا في المقال القادم إن شاء الله

 

http://www.islammemo.cc                      المصدر: