الحجاب الشرعي للمرأة المسلمة ( 3 )

الشيخ محمد صفوت نور الدين

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه..وبعد:

نواصل- بعون الله تعالى- معكم ما بدأناه في الحلقات الماضية عن الحجاب الشرعي، فنقول ـ وبالله - تعالى -التوفيق ـ:

ردّ حديث أسماء: جاء عند أبى داود في سننه من طريق الوليد بن مسلم عن سعيد بن بشير، عن قتادة عن خالد بن دريك، عن عائشة رضى الله عنها: أن أسماء بنت أبى بكر - رضي الله عنها - دخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها وقال: "يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يُرى منها إلا هذا وهذا" وأشار إلى وجهه وكفيّه.فقد قال فيه أبو داود بعد إيراده: إنه مرسل، خالد لم يدرك عائشة..

ومعلوم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يدخل بعائشة إلا بعد الهجرة إلى المدينة، وأن أسماء لمّا هاجرت كان ابنها عبد الله بن الزبير رضي الله عنه في بطنها، وهو أول مولود ولد في دار الهجرة؟.. فمتى كان دخولها على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟. وآية الحجاب لم تنزل إلا بعد الهجرة في المدينة.

كما كانت أسماء رضي الله عنها من أكثر نساء الصحابة تمسكًا بالحجاب وستر الوجه خاصة.. فقد ذكر سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز: أن أسماء كانت تستر وجهها مطلقًا في الإحرام وغيره، وأورد قول ابن قدامة في المغني وابن رشد في البداية: بأن المرأة إحرامها في وجهها إجماعًا. ولها أن تغطي رأسها وتستر شعرها، ولها أن تسدل ثوبها على وجهها من فوق رأسها سدلا خفيفًا، تستتر به عن نظر الرجل، إلا ما روي عن أسماء أنها كانت تغطى وجهها وهى محرمة.

فلو صح ذلك الحديث لكانت أسماء أول من يبادر إلى تطبيقه، وهي المخاطبة به..

 

ولذا نرى الشيخ عبد العزيز بن باز يضعّفه بثلاث علل:

الأولى: لأنه من رواية خالد بن دريك عن عائشة، وخالد لم يسمع منها فهو منقطع. وقد حكم عليه راويه أبو داود بهذه العلة وقال بعد ذلك هو مرسل.. كما مرّ بنا.

الثانية: في إسناده سعيد بن بشير وهو ضعيف لا يحتجّ بروايته.

الثالثة: عنعنة قتادة عن خالد بن دريك وهو مدلّس.

ثم تتبعت طرق حديث أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها -، الذي هو حديث أسماء مثار البحث، فقد روى أبو داود في سننه(2)، والبيهقيُّ في الكبرى، وابن عديِّ في الكامل، والبيهقيُّ في المعرفة.

كلهم رووا من طريق الوليد بن مسلم، عن سعيد بن بشير، عن قتادة عن خالد بن دريك عن عائشة - رضي الله عنها - أن أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنها -، دخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض، لم يصلح لها أن يُرى منها إلا هذا، وهذا.. وأشار إلى وجهه وكفيه".. وقد ظهر لى من ذلك.. أن هذا الحديث مسلسل بالعلّل، التى اهتم بها علماء الجرح والتعديل:

أحدها: أن خالدًا لم يسمع من عائشة، قال أبو داود في سننه: هذا مرسل، خالد بن دريك لم يسمع عائشة. وقال في سؤالات الآجريِّ: لم يدرك عائشة.

وقال المنذريُّ في الترغيب والترهيب: لم يدرك عائشة.

وقد تبعهما في هذا من بعدهما، ممن كتب في الجرح والتعديل، وفى تتبع رجال السند.

الثانى: أن خالدًا تفرّد به دون باقي الرواة عن عائشة - رضي الله عنها -، وفي هذا بُعْد.

الثالث: أن قتادة بن دعامة السدوسي، مدلّس مشهور بذلك، عند أهل الحديث، ولم أر له تصريحًا بالسماع.

الرابع: أن الراوي عن قتادة هو سعيد بن بشير، وقد تفرّد به دون باقى أصحاب قتادة بهذا الإسناد وهو بعيد..

قال أبو أحمد بن عديِّ: ولا أعلم رواه عن قتادة بهذا الإسناد غير سعيد بن بشير. فَتَفَرُّد سعيد بن بشير بهذا الأثر دون جميع أصحاب قتادة، وفيهم الأئمة يدل على غرابة هذا الإسناد.

الخامس: أن سعيد بن بشير هذا ضعيف على الصحيح من أقوال أهل العلم.

السادس: أنه اختُلِفَ على سعيد بن بشير فيه، فقال مرّة فيه: عن خالد بن دريك، عن أم سلمة بدل عائشة.

السابع: أنه رواه عن سعيد بن بشير، الوليد بن مسلم، وهو مشهور بالتّدليس عند علماء الحديث. ولم أر له تصريحًا بالسّماع.

الثامن: أن قتادة قد اختُلِفَ عليه فيه، فرواه عنه سعيد بن بشير كما سبق.

ورواه عنه هشام الدّستوائى مقطوعًا: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال، وذكره. وإسناده منقطع، ومراسيل قتادة ضعيفة جدًا.

التاسع: أنه قد اختلف في متنها، ففى رواية سعيد بن بشير: وكفَّاها، وفى رواية هشام قال: ويداها إلى المفصل.

العاشر: أن فيه نكارة أشدّ مما سبق، وهي مخالفته للقرآن الكريم، والله - عز وجل - يقول: وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ... الآية، وقد توسّع في هذا الألبانى في حديثه عن جلباب المرأة المسلمة، والرسول صلى الله عليه وسلم بالنسبة لأسماء - رضي الله عنها -، ليس من أولئك المذكورين في الآية الكريمة.. فكيف تدخل عليه أسماء بثياب رقاق؟.

الحادى عشر: أنه مخالف لما روته عائشة رضى الله عنها في أحاديث منها:

1- في قصة الإفك وأنها غطّتْ وجهها.

2- في حديث عمر حينما قال: عرفناك يا سودة.. فقالت: عائشة: فنزلت آية الحجاب. وغير ذلك، وبهذا يصبح حديث أسماء منكرًا جدًا.

الثانى عشر: أنه مخالف لما عرف عن حياء أسماء رضى الله عنها.. وغيرة زوجها الزبير بن العوام - رضي الله عنه -. ولا أدلّ على ذلك مما رواه البخارى.

الثالث عشر: أن خالدًا هذا: ابن دريك قال فيه ابن القطّان: مجهول الحال، كما جاء في نصب الراية.

فإن قيل: فإن له طريقًا آخر يشهد، وهو ما جاء في الطبراني في الأوسط، وفى الكبير، وعند البيهقى في السنن الكبرى، عن طريق محمد بن رمح، عن ابن لهيعة عن عياض بن عبد الله، أنه سمِع إبراهيم بن عبيد بن رفاعة الأنصاريِّ، يخبر عن أبيه، أظنه عن أسماء بنت عميس، أنها قالت: دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

على عائشة بنت أبى بكر، وعندها أختها أسماء بنت أبى بكر، وعليها ثياب شامية، واسعة الأكمام. فلما نظر إليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قام فخرج. فقالت لها عائشة رضى الله عنها: تَنَحَّيْ فقد رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرًا كرهة فتنحّت فدخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسألته عائشة رضي الله

عنها: لم قام؟. قال: أو لم تَرَي إلى هيئتها، إنه ليس للمرأة المسلمة أن يبدو منها إلا هذا، وهذا.. وأخذ بكفّيه فغطّى بهما ظهر كفيه، حتى لم يبد من كفّه إلا أصابعه، ثم نصب كفيه على صدغيه، حتى لم يبد إلا وجهه.. قال البيهقيّ إسناده ضعيف. قلت: وهذا الحديث فيه ابن لهيعة، وهو عبد الله أبو عبد الرحمن المصريّ، وهو ضعيف، وخصوصًا إذا انفرد كما هنا.. فقد انفرد بهذا الإسناد.. بل وشيخه عياض بن عبد الله القرشي الفهريِّ المدني ثم المصري، قال عنه البخاريِّ: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: ليس بالقويِّ، وقال العقيلي: حديثه غير محفوظ وذكره ابن حبان في الثقات.

كما يلاحظ عليه الشكّ في الحديث، هل هي أسماء بنت عميس أم لا؟ بقوله "أظنّ". ردّ ما يستندون إليه: وللداعين إلى التساهل في حجاب المرأة بعض الطرق، التي يتلمسّون بها ما يقوي رغبتهم في تأصيل ما يدعون إليه، ومن ذلك:

1- قصة المرأة الخثعميّة، التي كانت تسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحج، ووصفت بأنها وضيئة أعجبت الفضل مما يدل على أنها كانت كاشفة وجهها.

2- حكاية المرأة التي وهبت نفسها للنبيّ - صلى الله عليه وسلم -، وجاء فيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صعّد فيها النظر، ولم يأمرها بالتّستر مما يدل على أنها كانت كاشفة وجهها.

3- ما جاء في حديث جابر - رضي الله عنه -، الذي أخبر فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد صلاة العيد، مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكّرهن فقال "تصدقن فإن أكثركن حطب جهنّم" فقامت امرأة من سطة النساء سفعاء الخدين، فقالت: ولم يا رسول الله؟. فلو لم تكن كاشفة لم توصف بذلك.

 

وقد ناقش العلماء هذا الأمر قديمًا وحديثًا، وممن بحثه حديثًا: الشيخ محمد الأمين الشنقيطى، في تفسيره أضواء البيان في الجزء السادس، عند مروره بسورة النور، وسورة الأحزاب، والشيخ عبد العزيز بن باز، واعتبر العلماء الفيصل في هذا آيات الحجاب التي أنزلها الله في كتابه الكريم، فهو - سبحانه - له الحكمة البالغة، ويعلم طبائع خلقه، وما يتمثل في النفوس البشرية، منذ خلق آدم، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وما يطرأ على النفوس من تغييرات، وما تصلح به المجتمعات وتستقيم به أحوال أهلها، وما يفسدها بحسب ما أودع الله - سبحانه - في طبائع البشر من شهوات ورغبات، خاصة عندما يضعف الحارس الإيمانى والحاجز اليقينى، بمراقبة الله في السّرّ والعلن..

خاصة وأن الدعوة إلى عدم حجاب المرأة المسلمة، بما يمكّن الحياء، ويحجب محاسنها عن الأجانب، يدعوها إلى ترك الحجاب، الذي فهمته نساء الصحابة، وطبقته ساعة نزول آية الحجاب، وحثّ عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. بأمره من ليس لها جلباب، أن تلبسها أختها من جلبابها، ويدعوها ذلك لمخالفة أمر الله، وما تفسير الصحابة رضوان الله عليهم لآية الحجاب، والنبيّ - صلى الله عليه وسلم - موجود بينهم ينزل عليه الوحي، الا دليل بأن المراد: بإدناء الجلباب، وبضرب الخُمُرِ على الجيوب:

إنما يدخل فيه ستر الوجه، وتغطيته مع الشعر عن الرجال، وأن ستر المرأة وجهها عمل بالنصّ القرآنى الكريم، كما قالته وعملته عائشة - رضي الله عنها -، ونساء الرعيل الأول من هذه الأمة، وعنهم أخذ بذلك التابعون، ومن جاء بعدهم، وليس ما يقوله بعض الناس في حججهم، بأن هذا الحجاب، لم يعرف إلا في العصور المتأخرة، عندما فرضه العثمانيون وهو من موروثات العادات القديمة عندهم.

ذلك أن احتجاب النساء عن الرجال، وسترهن وجوههن، التي هي موضع الفتنة، ومجامع الحسن، ما هو إلا تصديق بكتاب الله - سبحانه -، وإيمان بأنه منزل من عند الله، وواجبهن الامتثال، وحسن الاتباع: سمعًا وطاعة، وعملا.. خاصة وأنهن عرفن مثل هذا الحديث عنه - صلى الله عليه وسلم -: "إن المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان، وأقرب ما تكون من رحمة ربّها وهي في قعر بيتها" [رواه الترمذى عن بندار]

وللحديث بقية إن شاء الله - تعالى -.

 

http://www.altawhed.com                      المصدر: