دور التعلم من خلال اللعب في عملية التنشئة
محمد عوض الترتوري
يعتبر القرن العشرين هو القرن الذي حازت فيه أنشطة اللعب على اهتمام خاص، وكذلك بالنسبة إلى أهميتها في تربية وتعليم الأطفال (UNESCO، 1985، p.64). إذ كاد علماء النفس أن يجمعوا على أن اللعب هو المنطلق الأساسي لتربية الأطفال وتعليمهم في رياض الأطفال (خير الدين، 1990، ص2).
إن اللعب وسيلة تعليمية للحصول على المعرفة، كما أنه وسيلة لتنمية القدرات العقلية والجسمية والانفعالية والاجتماعية، وهو كذلك وسيلة للوصول
إلى تكوين المهارات العملية. فالطفل بدون اللعب لا يمكنه أن يمارس طفولته كما ينبغي، بل إن الألعاب أصبحت الآن هي الوسيلة الأساسية لتفجير الطاقات الكافية في الطفل، وشحذ مواهبه الطبيعية..وتتضح أهمية الألعاب في العصر الحديث بالذات لأن اللعبة أصبحت فيه جزءاً من التطور الحضاري السريع (خير الدين، 1990، ص3).
مع أننا نجد جذور هذا الاهتمام ضارب في عمق التاريخ بدءاً من المجتمعات البدائية القديمة، وفي الحضارة اليونانية والرومانية القديمة، وكذلك في العصور الوسطى، إلا أن الإنسان قد مارس اللعب في تلك الفترة دون أن يتوفر لديه الإدراك الاجتماعي Social Perception الكافي، وكذلك الوعي الكافي بوظائف اللعب، ولذلك فإنه لم يقم يتأمله ودراسته دراسة علمية، بل إن آراء وأفكار الفلاسفة والمفكرين القدماء عن اللعب لم تخرج عن كونها محاولات لوصفه وصفاً سطحياً نمطياً.
وعندما شاع الانتباه إلى أهمية اللعب كظاهرة ازداد اقتناع المعلمين والتربويين بدور ووظيفة لعب الأطفال... ففي منتصف القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر نجد أن روسو وفروبل وغيرهما من المفكرين التربويين قد نادوا بفائدة اللعب، وذلك عندما اكتشفوا أثره على زيادة اهتمام الأطفال أثناء تعلمهم، ثم تبين لهم دوره في تطوير تصورات وتخيلات الأطفال، خصوصاً في المراحل الأولى من التعليم، ومن ثم فقد نادوا بضرورة إعطاء الفرصة للطفل للتعبير الحر عن ذاته (السيد، 2003، ص14).
وتعد مرحلة رياض الأطفال مهمة وحاسمة في حياة الإنسان، فهي المرحلة الأساسية في بناء الشخصية ورسم أبعاد النمو، وبناء أساسيات المفاهيم والمعارف والخبرات والميول والاتجاهات والنزعات، وخلال هذه المرحلة تتفتح وتتبرعم معظم قوى الطفل وقدراته واستعداداته.
وقد دعا التربويون وعلماء النفس إلى الاهتمام بهذه المرحلة وأكدوا دورها الفعال في تنمية جوانب النمو كافة، ومن أجل ذلك عنيت بلدان العالم بمؤسسات التربية ما قبل المدرسية، وأجريت دراسات كثيرة لمعرفة خصائص طفل الروضة، وماهية المعارف المناسبة له، والواجب تكوينها لديه، وكيفية تقديم تلك المعارف لتحقيق الأهداف في تلك المرحلة، كما تحاول مناهج رياض الأطفال صوغ أهدافها صياغة سلوكية قابلة للملاحظة والقياس، وتطبيق تلك الأهداف من خلال الأنشطة التربوية، واعتبرت الأنشطة ركنا أساسيا من المناهج، إذ لا يمكن تطبيق أي منهاج دون أن يكون النشاط وسيلة من وسائل تنفيذه، وذلك لأن النشاطات تناسب طفل الروضة من جهة، ومن جهة أخرى تساعد بمرونتها على إيصال المعارف والمهارات والقيم إلي الأطفال بسهولة (صاصيلا، 1999، ص3).
يتضح مما سبق مدى أهمية اللعب في مرحلة رياض الأطفال، ولذلك ترى الباحثة بأن اللعبة هي أداة محايدة تثير حماس الطفل إلى مزاولة نشاط ما، ولكن طريقة استخدامها هي التي تحدد مدى فاعليتها كأداة لتعليم الأطفال. ومن هنا تأتي أهمية هذه الدراسة التي اعتبرت نتائج تأثير أنشطة اللعب على أطفال الخمس سنوات مرتبطة ببرنامج تدريبي مكثف مبني على أسس تربوية ونفسية علمية وموضوعية، لأن اللعبة على حد تعبير ايسنبرج Isenberg قد تعوق نمو الطفل إذا قدمت له بطريقة خاطئة (Isenberg and Jacobs، 1982، p.139).
إن نمو العمليات النفسية وخصائص الشخصية لا يحدث تلقائياً لدى الطفل بمجرد أنه يلعب فحسب، فغرس الميول المختلفة وتوجيه نموه يعتمد - إلى حد كبير- على توجيه الطفل أثناء اللعب.
مفهوم اللعب من الناحية التربوية:
تقدم اليزابيث هارلوك E.Harlock عام 1934 تعريفاً للعب مؤداه أن اللعب هو النشاط دون اعتبار للنتائج التي تتحقق في النهاية، ويتميز هذا النشاط بالتلقائية بعيداً عن الضغط والقوة والإكراه الخارجي. أما عالم النفس المعرفي جان بياجيه J.Piaget فقد عرف اللعب عام 1950 في كتابه " اللعب والأحلام والمحاكاة" تعريفاً يشير إلى أن اللعب هو سيادة لعملية التمثل على عملية المواءمة، فاللعب عبارة عن تمثل خالص يغير المعلومات القادمة لكي تلائم متطلبات الفرد، وكل من اللعب والمحاكاة لهما دور تكاملي في تطور الذكاء (السيد، 2003، ص 20-21).
ومن التعريفات السلوكية تعريف برونر (Bruner، 1972، p.23). ويعرف اللعب على أنه هو السلوك الذي يتيح للكائن أن يكون قادراً على الاكتشاف والتدريب على استراتيجيات سلوكية جديدة.
ومن التعريفات الحديثة للعب تعريف شيل جوسي (Jowsey، 1992، p.1) والذي يعرف اللعب على أنه البنية الطبيعية لنمو وتطور مختلف المهارات ولتعلم التفاعل مع الآخرين.
بعد استعراض تلك التعريفات يمكن تعريف اللعبة التربوية على أنها: "الوسيلة المحسوسة المجسمة واضحة الرؤية التي تثير شوق واهتمام الطفل للاندماج والتفاعل معها، وقد تكون جاهزة أو مصنعة يدوياً من قبل الكبار أو الصغار أو كليهما بغرض تنمية أو اكتساب مهارات معينة من خلال ممارسة نشاط من نوع معين، ومن أجل تحقيق أهداف تعليمية محددة".
أهمية اللعب من الناحية التربوية:
1. يساعد اللعب الأطفال على التطور والنمو الاجتماعي، وهناك من يؤكد على أن إعداد الأطفال ليكونوا قادرين على اللعب يتضمن خروج الطفل من تمركزه حول ذاته، وهو نمو للاتجاهات الاجتماعية الإيجابية (Vegotsky، 1983).
2. تؤكد نظريات التعلم على أن اللعب يعتبر وسيلة جيدة من وسائل التعلم، وأنه يمكن أن يعتبر نشاطاً تعليمياً أكثر منه نشاطاً تلقائياً، بل ووسيطاً تربوياً إذا ما خضع لأهداف محددة، وفي إطار خبرات منظمة تعمل على توسيع آفاق المعرفة لدى الطفل، وتساعد على تنمية حواسه.
3. تتضمن أنشطة اللعب تدريباً للمهارات الحركية.
4. أجمع علماء النمو على أهمية اللعب وعلاقته بالنمو، فاللعب يحتوي على كل جوانب النمو في صيغة مكثفة، وهو حاجة نمائية تتيح إمكانية النمو الجسمي والحسحركي والمعرفي والاجتماعي والانفعالي وذلك بصورة تلقائية ومحببة للطفل (Vegotsky، 1983).
5. يساهم مفهوم اللعب في إكساب الأطفال المعاني والمفاهيم وذلك من خلال اللعب بالأشياء والأدوات، وهو من وجهة النظر المعرفية يساعد على الانتقال من اللعب بالأشياء (اللعب الحسحركي) إلى التفكير بالأشياء (التفكير الرمزي). فالطفل أثناء اللعب يقوم بتكرار الأفعال واستدعاء صور ذهنية، كما يتصور ويتذكر ويفكر، فضلاً عن قيامه بالمهارات اللغوية والحركية والاجتماعية أثناء اللعب، وهو ما أكد عليه كل من بياجيه J،. Piaget، وفلافل J، Flavell (السيد، 2003، ص24).
6. إن اللعب يساعد الأطفال على فهم قدراتهم للسيطرة على البيئة، والتأثير في عالمهم. كما أنه يكوّن لدى الأطفال فرصة لعب الأدوار، فيلعبون أدوار الأب أو الأم أو أي أدوار أخرى، وهو ما يجعلهم يعبرون عن انفعالاتهم بحرية تامة (السيد، 2003، ص26).
7. إن التخيلات المتضمنة في محتوى اللعب تتيح للطفل أن يفرّغ من خلالها كثيراً من الضغوط الغريزية والمطالب اللاشعورية، وهنا يتعامل الطفل مع نزعاته ورغباته على أنها آتية من الخارج وليس من داخله (السيد، 2003، ص27).
8. إن اللعب في حد ذاته هو وسيلة علاجية، فسواء كان اللعب بالعرائس أو لعباً تمثيلياً بالكلام أو بالإيماءات أو حتى بالصمت أو بأي أشكال أخرى فإنه يعتبر وسيلة علاجية لها قيمتها، فاللعب الحر يعالج كثيراً من الاضطرابات الانفعالية (السيد، 2003، ص27).
-------------------------------------------------
المراجع العربية:
* خير الدين، هيام محمد (1990). تقويم استخدام بعض اللعب التعليمية في رياض الأطفال بالقاهرة. رسالة ماجستير، جامعة عين شمس.
* السيد، خالد عبد الرازق (2003)، سيكولوجيا اللعب لدى الأطفال العاديين والمعاقين، دار الفكر، عمان.
* صاصيلا، رانية رياض (1999)، فاعلية طريقة لعب الأدوار في إكساب خبرات اجتماعية في رياض الأطفال، رسالة ماجستير، جامعة دمشق.
المراجع الأجنبية:
* UNESCO، (1980).The child and play:Theoretical Approaches and Teaching Applications:Educational Studies and Documents، No.34، Paris.
* Isenberg، J.P.and Jacobs، J.E.(1982)، Playing as Learning Tools.A parents Guide.New York.
* Jowsey، S.(1992).Can I Play Through the Use of Barbie Dolls in A developmentally Appropriate Learning، Report Nova University.
* Forst، J.L & Barry.K.(1989) Children Play and Play Ground، Allyn and Brcon Press، Bosten.
* Jacoby، Ruth (1993)، Improving Early Childhood Educators:understanding The Value of Indoor Play through Teacher Training Program.
*Vegotsky، L.(1983).School instruction and mental development.(Eds).Early childhood development and education.Oxford:lack Well.