معركة الحجاب بين الشمال والجنوب

مهاجمة الحجاب

د. محمد يحيى

 

نقلت وكالات الأنباء عن كبير أساقفة كانتبري ورأس الكنيسة الإنجيلية في إنجلترا قوله إنه من حق النساء المسلمات ارتداء الحجاب في بريطانيا. وكان الأسقف يدلي بدلوه في معركة احتدمت مع تصريحات لوزير الخارجية البريطاني الأسبق هاجم فيها ارتداء النقاب وأيده فيها رئيس الوزراء توني بلير بحجة أن ارتداء النقاب يكرّس للفصل العنصري. كذلك تواكبت تصريحات كبير الأساقفة مع حملة موجهة في بريطانيا ليس فقط ضد الحجاب والزي الشرعي الإسلامي للمرأة ولكن ضد نشاطات إسلامية عامة وصلت فيها الآراء إلى طلب وجوب الرقابة أو حتى التجسس على الطلاب المسلمين في الجامعات البريطانية بحجة الوقاية من أخطار التطرف والإرهاب.

وقد يقال إن الهدف من تصريحات كبير الأساقفة حول الحق في ارتداء الحجاب هو هدف غير نزيه تماماً وإن الرجل ربما كان يرمي إلى معارضة مواقف بابا الفاتيكان الأخيرة المسيئة للإسلام في محاولة منه لإظهار أن الكنيسة الإنجيلية (البروتستانتية) تختلف في موقفها من الإسلام عن الكنيسة الكاثوليكية، وذلك في إطار التنافس بين الكنيستين لاسيما في مجال التنصير في مناطق من العالم تسودها أغلبيات سكانية إسلامية من المؤكد أنها نفرت من مواقف بابا الفاتيكان ومن المؤكد أيضاً أنها ستسرّ بتصريحات كبير الأساقفة.

كذلك فإن الأسقف لا ريب يضع عينيه في تصريحاته هذه على المجتمع الإسلامي الكبير والنشط في بريطانيا على إيجاد علاقات طيبة معه ويضع عينيه كذلك على علاقات كوّنها في بقاع من العالم الإسلامي (لاسيما مصر والسودان)، ويرى أنها سوف تنتفع من تصريحاته هذه. لكن أياً كان الحال فمما لا شك فيه أن معركة الحجاب في بريطانيا لم تنته إلى ما آلت إليه نفس المعركة في فرنسا مثلاً وما قد تؤول إليه في بلدان أوروبية أخرى مثل ألمانيا وهولندا وإيطاليا أو بلدان الشمال الأوروبي. فلا يزال يوجد رأي مناصر أو على الأقل متعاطف مع الإسلام مع قضية الحجاب في وجه الرأي المعارض لاعتبارات عقائدية وعنصرية. وإذا كان السبب في هذا يعود للطابع المتحرر وغير المتعصب دينيا والذي يميز الثقافة والمجتمع الإنجليزي إلا أن السبب الأكبر في رأيي يعود إلى نشاط ووعي المجتمع المسلم في بريطاني وذكاء قياداته ونشطائه في طرح القضايا الإسلامية المختلفة مما أكسبها تعاطف قطاعات قد تكون محدودة لكنها لا بأس بها بالنظر إلى شراسة الحملات على الإسلام وتعدد مصادرها وأدواتها وسطوتها.

لكن الحال يختلف إذا نظرنا إلى واقعة حدثت في استراليا مؤخراً وكان التليفزيون الإسرائيلي من أكبر المهتمين بها وهو ما لا يستغرب بالنظر إلى ما حدث. فمنذ أيام نسبت وسائل الإعلام إلى إمام أحد المساجد في استراليا ويلقب لسبب غير واضح باسم مفتي استراليا تصريحات يقول فيها إن النساء عاريات اللحم يغرين بوقوع حوادث الاغتصاب. وفي الحال ثارت الدنيا على المفتي وخرج رئيس الوزراء الأسترالي وبعض كبار المسئولين هناك ليدلوا بتصريحات حول إهانة المرأة ويتهمون المفتي هذا بأنه يمنح الرجال المسلمين رخصة شرعية ومبرراً للقيام بالاغتصاب ضد أي امرأة غير محتشمة الزي. ووصلت الحملة بعداً اضطر معه العديد من الشخصيات الإسلامية الكبيرة في استراليا إلى إصدار تصريحات تتبرأ مما قاله المفتي وترى فيه خطئاً كبيرا أو تذهب إلى أنه لا يمثل موقف الإسلام.

وكانت ذروة الحملة عندما اضطر هذا الإمام إلى إصدار تصريح مهين يعتذر فيه عما قاله. وضاع وسط هذه الحملة العارمة الرأي الإسلامي بوجوب الحجاب أو الزي الشرعي للمرأة المسلمة وتحولت القضية إلى منحنى آخر وهو أن الإسلام يهين المرأة عندما لا يرى فيها سوى كتلة من اللحم يجب أن تغطى أو أنه يوجد للرجل المبرر والحجة لاغتصاب أية امرأة من أي دين لا ترتدي الزي الشرعي.

وهكذا تحول ما يفترض أن الإمام الملقب بالمفتي كان يقصده من تحبيذ للحجاب أو دفاع عنه إلى العكس تماما وانتهت القضية إلى ضربة موجهة ليس فقط لفكرة الحجاب بل للإسلام ككل وصلت إلى حد تراجع واعتذار المفتي المزعوم. وبصرف النظر عن خلفيات الرجل وقصده إلا أن ما تسلطت عليه الأضواء هنا كان المسلك الخاطئ للبعض ممن يتصدرون للوعظ والخطابة ولا أقول للدعوة والفكر. والخطأ هنا يكمن في انعدام للمسؤولية واستسهال وذهول وغفلة، تامة عما يدور في المجتمع حول هذا الواعظ (لأننا هنا نتحدث عن واعظ أشبه ببعض من يتداولون الخطابة والدروس في مساجد القرى النائية لسنا نتحدث عن مفتي بما يتضمنه هذا اللفظ من معان كبيرة) إن هذا الإمام وهو يعيش في استراليا كان لابد يدرك أنه يعيش في مجتمع غير إسلامي وهو فوق هذا وكما هو واضح لأي شخص يعيش فيه يقع تحت تأثير حملات تحريض كبرى ضد الإسلام والمسلمين وسط دعاوى عن التطرف والإرهاب كان لأستراليا اشتباك في بعضها من خلال أحداث في إندونيسيا ثم تدخلات عسكرية في هذا البلد وفي أفغانستان ووسط هذا الجو المشحون بالضغينة والتربص كان يجب أن يكون الخطاب بمستوى المفكر والعالم لا بمستوى الواعظ الذي يلقي الكلام بلا مسئولية ولا تدبر ولا حرص.

ومع افتراض أن السامعين هم حفنة من القرويين شبه الأميين الذين يتفقون مع الواعظ فيما يقول ويغفرون له أي جلافة أو غلظة في التعبير، وهو ما لن يحدث بالطبع في حال مجتمع غربي التوجه مثل استراليا. وفي هذه الحالة نجد على العكس مما حدث في إنجلترا أن شخصاً من الوسط الإسلامي هو الذي أدى إلى نتائج سيئة على الدعوة وعلى فكرة وفرض الحجاب بينما كان نشاط المسلمين ودعاتهم في إنجلترا سبباً لدعم قضية الحجاب.والمشكلة في حادثة الإمام الأسترالي هي مشكلة الاستسهال في الخطاب واعتماد أساليب تتسم بالترخص في التعبير دون مراعاة المقام والحال ظناً بأن ذلك يعد دليلا على الغيرة على الدين وتصوراً أن ما كان يمر في الماضي في بيئة محدودة ونائية يمكن أن يمر في أي مكان أو أن الدعوة للحجاب والزي الشرعي يمكن أن تنجح بأساليب وعظية خطابية عفا عليها الدهر.

 

http://www.islammemo.cc                      المصدر: