حقيقة الشورى بين الاتباع والادعاء ( 2- 2 )

محمد بن شاكر الشريف

 

تحدث الكاتب في الحلقة الأولى عن الشورى في الأمم السابقة، كما تحدث عن الشورى في القرآن، وذكر أهل الشورى وبين صفاتهم، كما تحدث عن مجالات الشورى وفوائدها، خاصة في الأمر الذي يعني جماعة المسلمين، وابتدأ الحديث عن حكم الشورى، وذكر أنها أنواع ثلاثة: شورى واجبة ونتيجتها ملزمة، وشورى واجبة ونتيجتها غير ملزمة، وشورى مستحبة ونتيجتها غير ملزمة، ويواصل الكاتب في هذه الحلقة تفصيل ذلك:

 

الأولى: شورى واجبة ونتيجتها ملزمة: فمن ذلك

1- اختيار الحاكم:

فإن الحاكم لا يجوز له تولي الأمر استبدادا، أو بالقوة والغلبة والقهر، بل يجب أن تكون هناك شورى بين المسلمين في ذلك، وإذا تشاور المسلمون فأجمعوا على اختيار شخص للولاية فإن نتيجة اختيارهم ملزمة، وكذلك إذا اختارته غالبيتهم أو أكثرهم، والشورى التي تحدث في ذلك هي في حقيقتها بين أهل العقد والحل، وبقية المسلمين تبع لهم في الاختيار، ويدخل ذلك تحت قوله - تعالى -: "وأمرهم شورى بينهم"، فإن هذا الأمر مما يصدق عليه أنه أمرهم، فهو لا يخص فردا أو طائفة، بل يخصهم جميعا، ومن ثم ينبغي أن يكون هذا الأمر شورى بينهم كما بينت الآية ذلك، وقد دل عليه قول وتصرف الخليفة الراشد عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه -، وهو من الخلفاء الذين أمرنا باتباع سنتهم في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة "، فقد عدَّ عمر - رضي الله تعالى عنه - تفرد فرد أو طائفة من المسلمين بعقد البيعة من غير مشورة، غصبا لأمور المسلمين، وقال بعدما بلغه قول من يقول: لو قد مات عمر لقد بايعت فلانا، قال: "إني إن شاء الله لقائم العشية في الناس، فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم"، وقال أيضا - رضي الله تعالى عنه - في أول خطبة له بالمدينة، بعدما رجع من الحج في السنة التي قتل فيها: "من بايع رجلاً من غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي تابعه؛ تغرة أن يقتلا"، وقد قال عمر - رضي الله تعالى عنه - ذلك بمحضر من الصحابة من أهل الفقه وأشراف الناس، ولم يعارضه في ذلك أحد مما يدل على إجماع الحاضرين على وجوب الشورى في نصب الوالي، وقد أجمع أهل العلم على أن نصب الخليفة فرض كفاية على الأمة، فكيف يفرض عليها القيام بشيء في الوقت الذي لا يؤخذ رأيها فيه، أو لا يعتد به بعد أخذه، هذا كلام متدافع متناقض، فدل ذلك كله على أن الشورى في هذا الأمر واجبة، كما أن الالتزام بما انتهت إليه واجب أيضا.

 

2- أمور ليست داخلة في صلاحية الحاكم، أو ليست داخلة في عقد البيعة:

يجب على المسلمين طاعة أولي الأمر الشرعيين، فإن مضمون البيعة أن يقوم الولاة بتنفيذ الشريعة بمعناها الشامل لا المحدود في مقابل السمع والطاعة من المسلمين، لكن ليست كل الأمور في ذلك على وزان واحد، فهناك أمور ليس من صلاحية الحاكم الأمر بها أو النهي عنها، أو أنها ليست داخلة في عقد البيعة الذي يجب الوفاء به، فهذه يجب على الحاكم مشاورة أهلها، ولا يجوز له أن يتجاوز ما انتهت إليه شوراهم، وقد حدثت لذلك أمثلة في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - فمن ذلك: ففي غزوة بدر الكبرى لما أراد الرسول - صلى الله عليه وسلم - ملاقاة المشركين ـ بعد نجاة قافلة مشركي مكة ـ استشار من معه في القتال، فوافقه على ذلك المهاجرون، لكن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يكتف بذلك وقال: «أشيروا عليَّ أيها الناس! »، وهو يريد بذلك الأنصار، وذلك أن البيعة التي أخذها عليهم في مكة لم تكن تلزمهم بالقتال خارج المدينة، وإنما كانت قاصرة على أن يمنعوه وهو في ديارهم مما يمنعون منه أنفسهم، ولم يُفرض الجهاد في ذلك الوقت فرضاً عاماً، فكان خروج الأنصار إلى القتال في غزوة بدر خارجاً عن حد البيعة، كما لم يكن هناك إلزام من الشرع بذلك؛ لذلك أصرَّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - على معرفة رأي الأنصار ومــوافقتهــم على القتال، فقال له ســعد بـن معاذ - رضي الله تعالى عنه - لما فطن أن رسول - صلى الله عليه وسلم - يقصدهم بذلك: «لعلك تخشى أن تكون الأنصار ترى حقاً عليها أن لا تنصرك إلا في ديارهم! وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم؛ فاظعن حيث شئت، وصل حبل من شئت، واقطع حبل من شئت..»، إلى أن قال: «والله! لئن استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك»، فسُرَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقول سعد ونشَّطه ذلك، ثم قال: « سيروا وأبشروا، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم»، ورواه مسلم بلفظ: " عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان، قال: فتكلم أبو بكر فأعرض عنه، ثم تكلم عمر فأعرض عنه، فقام سعد بن عبادة فقال: إيانا تريد يا رسول الله، والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا، قال فندب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس فانطلقوا حتى نزلوا بدرا... " الحديث فلم يقدم الرسول - صلى الله عليه وسلم - على إشراكهم في القتال حتى استشارهم، وعلم موافقتهم بذلك، ولم يعتد بقول المهاجرين لأن المقصود بالشورى هنا الأنصار للعلة التي ذكرناها، وقد أجاب عنهم سعد بن معاذ - رضي الله تعالى عنهم- ، وكان سيد الأوس فهو يمثل أهل العقد والحل بالنسبة لهم، ولذلك قال: " وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم"، وفي رواية مسلم أن المتكلم سعد بن عبادة - رضي الله تعالى عنه -، وكان سيد الخزرج، وهو أيضا يمثل أهل العقد والحل بالنسبة لهم، ومن المحتمل أن يكون الاثنان قد تكلما بذلك فهما سيدا الأنصار، وأيا ما كان الأمر فإن أحدا من الأنصار لم يعترض على ذلك، ولذلك عمل الرسول - صلى الله عليه وسلم - على قولهما.

وفي غزوة حنين، عندما قسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المسلمين غنائمهم التي أفاءها الله عليهم؛ جاء وفد هوازن مسلماً تائباً وسألوه أن يمن عليهم بما غنمه المسلمون منهم من السبايا والأموال، ولما كانت قسمة الغنيمة قد وقعت ووصلت أصحابها بمقتضى القسمة الشرعية، ووضع أصحابها يدهم عليها، وصارت ملكاً لهم بذلك؛ لم يكن لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يأخذ منهم ما استحقوه بحكم الشرع، ويخرجه من ملكهم إلا بموافقتهم؛ لذلك عرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك عليهم وندبهم إليه، وبيَّن لهم أن من طابت نفسه برد ذلك عليهم فليرده، ومن لم تطب نفسه فإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يعوِّضه عن ذلك من أول ما يفيء الله على المسلمين، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مخاطبا المسلمين بعدما أثنى على الله بما هو أهله ": أما بعد فإن إخوانكم هؤلاء قد جاءونا تائبين، وإني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم، فمن أحب منكم أن يطيب بذلك فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل، فقال الناس: قد طيبنا ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إنا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفعوا إلينا عرفاؤكم أمركم، فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم، ثم رجعوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبروه أنهم قد طيبوا وأذنوا"، فهنا أيضاً شاور رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصحاب الشأن وعمل على رأيهم؛ لأنهم هم أملك بذلك، ولم يقبل الإجابة الجماعية لأنها قد لا تمثل رأي الجميع، ولأن من وافق قد يكون وافق حياء من غير إرادة حقيقية، لذلك طلب الرسول - صلى الله عليه وسلم - من العرفاء أن يرفعوا حقيقة الأمر.

وفي غزوة الأحزاب أراد الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يفرق صف المشركين، بأن يستميل بعضهم ويعطيهم عطاء حتى يرجعوا، ولما كان العطاء الذي يريد هو جزء من تمر المدينة، وكان هذا التمر مملوكا لأصحابه، ولم يكن هو من ممتلكات بيت المال، فإنه لم يفعل ذلك قبل أن يستشير أصحاب المال، فاستشار في ذلك السعدان سيدا الأنصار سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، يقول الذهبي: "إن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث بن عوف فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما، فجرى بينه وبينهما الصلح حتى كتبوا الكتاب، ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح، إلا المراوضة في ذلك، فلما أن أراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يفعل بعث إلى السعدين فاستشارهما، فقالا: يا رسول الله أمرا تحبه فنصنعه، أم شيئا أمرك الله به لا بد لنا منه، أن شيئا تصنعه لنا، قال: بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم، فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك، ولا يطعمون أن يأكلوا منا تمرة إلا قرى أو بيعا، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وأعزنا بك، نعطيهم أموالنا، ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم، قال: فأنت وذاك، فأخذ سعد الصحيفة فمحاها ثم قال: ليجهدوا علينا"، فالشورى هنا واجبة ونتيجتها ملزمة.

 

الثانية: شورى واجبة ونتيجتها غير ملزمة:

المسلم مطالب بأن يقدم على ما يقدم عليه على علم وبصيرة، ولا يجوز له الإقدام على جهل، ويعظم ذلك بأمرين أحدهما: أن يكون صاحب الإقدام كبيرا معظما يتبعه على ما أقدم عليه الكثيرون، والثاني: أن يكون الأمر المقدَم عليه أمرا ذا شأن، وهذان متحققان بأوضح صورة في حالة الأمير أو الوالي، إذ ما يقدم عليه ترتبط به مصالح الأمة، ويتبعه على ذلك الناس جميعهم، فإذا كان هو يجهل ولا يدري ما التصرف الصواب إزاء هذا الأمر، لم يحل له أن يقدم على جهل، بل يجب عليه والحالة هذه أن يستشير من يثق بعلمه في هذا الأمر، ودينه وأمانته التي تحجزه عن أن يشير بهواه أو بالباطل، ويدخل في ذلك مسائل الاجتهاد، وكذلك مسائل الدنيا، وقد يكون المستشار في ذلك فردا واحدا، أو عدة أفراد كلا على حدة، أو مجموعة من الناس سواء سمو مجلس الشورى أو لم يسم، وإذا استشارهم وتبين له من الكلام معهم ومن المداولات والمراجعات وجه الصواب الذي ينبغي العمل عليه، فلا يجب عليه والحالة هذه أن يلتزم بما انتهت إليه الشورى، سواء اتفقوا على رأي واحد أو اختلفوا فيما بينهم، ما دام ولي الأمر عدلا، وجاء باختيار حقيقي من المسلمين، بل يجب عليه أن يعمل بما ظهر له صوابه، وليس في يد أحد نص شرعي يبين أن الإنسان يترك ما تبين صوابه من القول أو العمل، من أجل أن كثيرين من نظرائه أو ممن هم أكثر منه علما قد خالفوه في رأيه، قال ابن أبي العز الحنفي صاحب شرح الطحاوية: "وقد دلَّت نصوص الكتاب والسنَّة وإجماع سلف الأمة أن ولي الأمر، وإمام الصلاة، والحاكم، وأمير الحرب، وعامل الصدقة؛ يُطاع في مواضع الاجتهاد، وليس عليه أن يطيع أتباعه في موارد الاجتهاد، بل عليهم طاعته في ذلك وترك رأيهم لرأيه"، وقال ابن عاشور: "وقوله: "فإذا عزمت فتوكل على الله"، العزم: هو تصميم الرأي على الفعل، وحذف متعلق عزمت لأنه دل عليه التفريع عن قوله: "وشاورهم في الأمر"، فالتقدير فإذا عزمت على الأمر، وقد ظهر من التفريع أن المراد: فإذا عزمت بعد الشورى، أي تبين لك وجه السداد فيما يجب أن تسلكه، فعزمت على تنفيذه، سواء كان على وفق بعض آراء أهل الشورى، أم كان رأيا آخر للرسول [ظهر] سداده، فقد يخرج من آراء أهل الشورى رأي، وفي المثل: ما بين الرأي والرأي رأي".

فإن "الشورى مبنية على اختلاف الآراء، والمستشير ينظر في ذلك الخلاف وينظر أقربها قولا إلى الكتاب إن أمكنه، فإذا أرشده الله - تعالى - إلى ما شاء منه، عزم عليه، وأنفذه متوكلا عليه، إذ هذه غاية الاجتهاد المطلوب، وبهذا أمر الله - تعالى - نبيه في هذه الآية [يعني قوله - تعالى -: وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله]" وقال ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: "لا غنى لولي الأمر عن المشاورة، فإن الله - تعالى -أمر بها نبيه - صلى الله عليه وسلم - فقال - تعالى -: "فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت فتوكل على الله، إن الله يحب المتوكلين"، وقد روى عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: "لم يكن أحد أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقد قيل: إن الله أمر بها نبيه لتأليف قلوب أصحابه، وليقتدي به من بعده ليستخرج منهم الرأي فيما لم ينزل فيه وحي: من أمر الحروب والأمور الجزئية، وغير ذلك، فغيره - صلى الله عليه وسلم - أولى بالمشورة.

وقد أثنى الله على المؤمنين بذلك في قوله: "وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون * والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون * والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون"، وإذا استشارهم فإن بين له بعضهم ما يجب اتباعه من كتاب الله أو سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - أو إجماع المسلمين، فعليه اتباع ذلك، ولا طاعة لأحد في خلاف ذلك، وإن كان عظيما في الدين والدنيا، قال الله - تعالى -: "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم".

وقد تبين من قصة ملكة سبأ أن رأيها وحدها كان هو الصواب، ولو أخذت بما عرَّض به الملأ من قومها وهو الحرب لكان فيه الهلاك لهم جميعا، وهو ما يبين أن الإنسان الفرد ربما أدرك من الصواب ما لم يدركه الكثيرون من أهل النظر والاستشارة.

لكن ها هنا حالة، وهي ما إذا لم يتمكن الحاكم من معرفة الأصوب من الأقوال والآراء والخطط، فيما عرض عليه في الحادثة موضوع الشورى، بحيث لم يكن عنده ما يرجح به قول على آخر، فقد اختلف أهل العلم في ذلك، والأرجح والله - تعالى - أعلم أن يلتزم قول الغالبية أو الأكثرية في هذه الحالة، فتكون هذه المسألة من مسائل الحالة الأولى "شورى واجبة ونتيجتها ملزمة"، أما إذا اختلفوا على عدة آراء، ولم يكن هناك ما يمكن أن يقال عنه أغلبية أو أكثرية، فله أن يتبع في ذلك من كان عنده أرضى علما ودينا سواء كان فردا أو مجموعة، قال ابن تيمية بصدد هذه الحالة: "وإن كان أمرا قد تنازع فيه المسلمون، فينبغي أن يستخرج من كل منهم رأيه ووجه رأيه، فأي الآراء كان أشبه بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - عمل به، كما قال - تعالى -: "فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا"، وأولو الأمر صنفان: الأمراء والعلماء، وهم الذين إذا صلحوا صلح الناس، فعلى كل منهما أن يتحرى ما يقوله ويفعله، طاعة الله ورسوله واتباع كتاب الله، ومتى أمكن في الحوادث المشكلة معرفة ما دل عليه الكتاب والسنة كان هو الواجب، وإن لم يمكن ذلك لضيق الوقت، أو عجز الطالب، أو تكافؤ الأدلة عنده، أو غير ذلك فله أن يقلد من يرتضي علمه ودينه، هذا أقوى الأقوال، وقد قيل: ليس له التقليد بكل حال، والأقوال الثلاثة في مذهب أحمد وغيره".

 

الثالثة: شورى مستحبة ونتيجتها غير ملزمة:

وهو كل ما يراد اتخاذ قرار فيه، مما يحتمل عدة أوجه، وهو داخل في صلاحيات ولي الأمر، ووجه الصواب واضح فيه، فإنه يجوز لولي الأمر المشاورة فيه، بل تستحب- إذا لم يكن من الأمور التي لا تحتمل التأخير - تشوّفاً لمزيد من العلم والاطلاع حول الموضوع؛ وحذرا من الوقوع في الخطأ غير المقصود، تمشياً مع قول القائل: "رَأْيُنا صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب"، و"من جاءنا بأحسن مما قدرنا عليه أخذنا به"، ويدخل في ذلك تسيير ولي الأمر لأمور الدولة، وإصداره للتعليمات التي تنظِّم العمل، وعمل اللوائح والنُّظُم التي يضبط بها أمره، واختياره لمعاونيه، وتوليته للولاة على الأقاليم أو غيرها، وتحديد صلاحياتهم ومحاسبتهم وعزلهم إذا اقتضى الأمر، ونحو ذلك من الأمور التي تدخل في صلاحياته، فإنه يعمل ذلك انطلاقاً من صلاحياته، ولا تجب عليه الاستشارة في ذلك، وإن كانت السنة النبوية تبين أن الاستشارة في هذه الأمور وما جرى مجراها فيها خير كبير، ولن يعدم المستشير أن يستفيد خيراً إذا أحسن اختيار من يستشيره، قال النووي - رحمه الله تعالى -: "واعلم أنه يُستحبّ لمن همّ بأمر أن يُشاور فيه مَن يَثقُ بدينه، وخبرته وحذقه، ونصيحته ووَرَعه وشفقته، ويُستحبّ أن يُشاور جماعة بالصفة المذكورة، ويستكثر منهم ويعرّفهم مقصودَه من ذلك الأمر، ويُبيِّن لهم ما فيه من مصلحة ومفسدة إن علم شيئاً من ذلك، ويتأكّدُ الأمرُ بالمشاورة في حقّ ولاة الأمور العامة: كالسلطان والقاضي ونحوهما" وعندما يستشير الحاكم فهو الذي يحدد كيف يشاور؟ أيكون ذلك فردياً؛ بمعنى أن يستشير كل فرد على حدة، أم جماعياً بمعنى أن يجمعهم معاً ويعرض عليهم ما يريد، أم يستخدم هذا حيناً، وذاك حيناً آخر، وهذا في مسائل، وذاك في مسائل أخرى؟ وهل لذلك عدد ثابت، أو يستشير فرداً في حالة وأفراداً في حالات أخرى؟ وهل يلزم لذلك تكوين مجلس يُعرف بمجلس الشورى أو لا؟ وهل لهذا المجلس اجتماعات دورية أو أنه ينعقد عند الاستدعاء؟ وإذا كانت له اجتماعات دورية؛ فكم مرة يجتمع في السنة مثلاً، وأين، ومتى؟ والطريقة التي يتم تبادل الرأي فيها بين المجتمعين، وإلى أي مدى يؤثر غياب بعض أهل الشورى في قرارهم؟ وهل لذلك نصاب محدد؟ ونحو ذلك من الأمور، وذلك أن التكييف الفقهي لوضع أهل شورى الحاكم، أنها جماعة مساندة أو معاونة للحاكم، وليست جماعة رقابة أو حسبة، فكما يختار الحاكم الوزراء والولاة ونحوهم، فإنه يختار أيضا مستشاريه، انطلاقا من مسئوليته، ولا يمكن أن يكون الحاكم محاسبا أمام الأمة ومسئولا عنها، في الوقت الذي يمنع من تسيير الأمور بطريقته التي يراها، فيما هو داخل في صلاحياته، ويبقى بعد ذلك للأمة حق الاحتساب عليه في ذلك إذا أساء التصرف أو لم يحسن التدبير.

 

ما لا يحل المشاورة فيه:

وتحرم المشاورة فيما تبيَّن فيه حكم الشرع: بإيجاب، أو تحريم، أو إباحة، فلا يمكن المشاورة فيه، لقضاء الله ورسوله في ذلك، قال الله - تعالى -: "وَمَا كَانَ لِـمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْـخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ" [الأحزاب: 36]، ولا تكون الشورى فيه إلا في فهم المقصود منه، أو في كيفية التنفيذ، إذا كان هناك أكثر من طريقة لتنفيذه.

 

الشورى آلية ضمن نظام متكامل:

والشورى تعمل ضمن نظام متكامل، ومن ثم فإنه من غير المقبول أن يأخذ بعض الناس هذه الجزئية من النظام السياسي الإسلامي ثم يتركون باقيه، لأن النظام السياسي في الإسلام كالجسد يشد بعضه بعضا، فإذا غاب بعضه اختل توازنه، فالنظام السياسي وهو يبين هذه الأحكام المتعلقة بالشورى، فإنه قبل ذلك اشترط شروطا معينة فيمن يصلح أن يكون وليا لأمر المسلمين، من والعلم والعدالة والشجاعة، والخبرة بسياسة الدنيا، على ما هو مذكور في كتب الأحكام السلطانية، كما بَيَّن الطريقة التي يمكن أن يتولى بها هذا الأمر، والتي هي في لُبِّها أن يكون ذلك بشورى المسلمين الحقيقية، ثم بعد ذلك جعل للمسلمين الحق في محاسبة الولاة عند مخالفتهم لأحكام الشريعة، أو عند عدم قدرتهم على تحقيق المقاصد الدينية والدنيوية من نصبهم، أو عند تجاوزهم للصلاحيات المشروعة لهم، بل أوجب عليهم ذلك.

 

http://www.political-sa.com                    المصدر: