الدعوة السلفية أصولها … مقاصدها … أسباب النهوض بها …
العلامة المجدد محمد ناصر الدين الألباني
أصول الدعوة السلفية قائمة كما يعلم الجميع على ثلاث دعائم:
الدعامة الأولى: القرآن الكريم.
والدعامة الثانية: السنة الصحيحة، ويركز السلفيون في كل بلاد الدنيا على السنة الصحيحة؛ذلك لأن السنة بإجماع أهل العلم قد دخل فيها ما ليس منها منذ أكثر من عشرة قرون، هذا أمر لا خلاف فيه؛ ولذلك فالسلفيون يتبنون أن هذا الأصل الثاني السنة لا ينبغي أن يؤخذ على واقعه؛ لأن فيه الضعيف والموضوع مما لا يجوز الأخذ به حتى ولا في فضائل الأعمال هذا هو الأصل الثاني وهذا متفق عليه تقريبا بين المسلمين سلفا وخلفا.
أما الدعامة الثالثة: وهو مما تتميز به الدعوة السلفية على كل الدعوات القائمة اليوم على وجه الأرض ما كان منها من الإسلام المقبول وما كان منها ليس من الإسلام إلا أسماء، فالدعوة السلفية تتميز بهذه الدعامة الثالثة ألا وهي أن القرآن والسنة يجب أن يفهما على منهج السلف الصالح من الصحابة والتابعين واتباعهم أي: القرون الثلاثة المشهود لهم بالخيرية بنصوص الأحاديث الكثيرة المعروفة، وهذا عليه الأدلة الكافية التي تجعلنا نقطع بأن كل من يريد أن يفهم الإسلام من الكتاب والسنة بدون هذه الدعامة الثالثة فسيأتي بإسلام جديد، وأكبر دليل على ذلك الفرق الإسلامية التي تزداد في كل يوم؛ والسبب في ذلك هو عدم التزامهم هذا المنهج الذي هو كتاب وسنة رسوله وفهم السلف الصالح، لذلك نجد الآن في العالم الإسلامي طائفة نبغت من جديد طلعت علينا من مصر ثم بثت أفكارها وسمومها في كثير من العالم الإسلامي يدعون أنهم على الكتاب والسنة وما أشبه دعواهم بدعوى الخوارج تماما؛ لأنهم أيضا كانوا يدعون التمسك بالكتاب والسنة، ولكنهم كانوا يفسرون الكتاب والسنة على أهوائهم لا يلتفتون إطلاقا إلى فهم السلف الصالح خاصة الصحابة وأنا لقيت ممن هؤلاء أفرادا كثيرين وقد جادلت رئيسا من رؤوسهم فهو يصرح بأنه لا يعتد بتفسير الآية ولو جاء عشرات من الصحابة فهو لا يقبل هذا التفسير إذا كان هو لا يراه والذي يقول هذا القول لا يستطيع أن يقرا آية بدون لحن وغلط وخطأ فيها هذا هو سبب انحراف الخوارج القدامى الذين كانوا عربا أقحاحا فماذا نقول عن الخوارج المحدثين اليوم الذين هم أن لم يكونوا أعاجم فعلا فهم عرب استعجموا وليسوا عجما استعربوا؟ هذا واقعهم فهؤلاء يصرحون بأنهم لا يقبلون تفسير النص إطلاقا إلا إذا اجمع عليه السلف هكذا يقول قائلهم تمويها وتضليلا؛ فقلت له: وهل تعتقد إمكان إجماع السلف على تفسير لنص من القرآن؟ قال: لا هذا مستحيل قلت: إذا أنت تريد أن تتمسك بالمستحيل أم أنت تتستر؛ فخنس، وسكت.الشاهد: أن سبب ضلال الفرق كلها قديما وحديثا هو عدم التمسك بهذه الدعامة الثالثة: أن نفهم الكتاب والسنة على منهج السلف الصالح، المعتزلة، المرجئة، القدرية، والأشعرية، والماتريدية وما في هذه الطوائف كلها من انحرافات سببها أنهم لم يتمسكوا بما كان عليه السلف الصالح لذلك قال العلماء المحققون: وكل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف هذا ليس شعر هذا كلام مأخوذ من الكتاب والسنة " ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا " لماذا قال: " ويتبع غير سبيل المؤمنين؟ " وكان يستطيع ربنا أن يقول: ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا فلما قال ويتبع غير سبيل المؤمنين؟ حتى لا يركب رأسه أحدا ويقول: أنا فهمت القرآن هكذا وفهمت السنة هكذا يقال له يجب أن تفهم القرآن والسنة على طريقة السلف المؤمنين الأولين السابقين، وأيد هذا النص من القرآن نصوص من أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام كحديث الفرق" قال كلها في النار إلا واحدة قالوا من هي يا رسول الله؟ قال: الجماعة وفي أخرى: " ما أنا عليه وأصحابي "، لما وصف الفرقة الناجية بأن تكون ما كانت علية الجماعة؟! وهي جماعة الرسول عليه الصلاة والسلام لكي يسد الطريق على المؤولين والمتلاعبين بالنصوص.ومثال ذلك: "وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة " نص صريح في القرآن: أن الله - عز وجل - يمتن على عباده المؤمنين يوم القيامة فيرون وجهه الكريم كما قال الفقيه الشاعر السلفي:
يراه المؤمنين بغير كيف *** وتشبيه وضرب للمثال
قال المعتزلة: لا يمكن للعبد أن يرى ربة لا في الدنيا ولا في الآخرة. لكن أين تذهب الآية؟ قال: الآية معناه وجوه يومئذ ناظرة إلى نعيم ربها، فقيل: تأويل إلى نعيم ربها، وربنا قال إلى ربها من أين جئت بهذا؟ قال: هذا مجاز، لأجل ذلك أنكر ابن تيمية المجاز في القرآن، لأنه كان معولا من أعظم المعاول وأقواها هدما للعقيدة الإسلامية، هذا النص يثبت لله - عز وجل - نعمة منه على عباده أن يروه يوم القيامة فيقول هؤلاء لا يمكن. وكذلك قولة - تعالى -: "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير " لا ليس سميعا بصيرا، قيل: لم؟ قالوا لأننا إذا قلنا سميع بصير شبهناه بأنفسنا، قيل: إذا ما معنا سميع بصير؟ يعني عليم سميع لفظتان عربيتان سميع بصير يساوي عندهم عليم، لكن هل انتهيت من المشكلة؟ وفلان عليم في اللغة العربية لا بأس فيه، ويجوز أن نقول عن الإنسان عليم يعني مبالغة في الوصف هل يجوز أن نقول فلان عليم؟ نعم إذا ما نقول الله عليم، لأنه صار فيه تشبيه لله بعبد الله، وهكذا عطلوا صفات الله - عز وجل - ووصل بهم الأمر أن أنكرو وجود الله سواء أن اعترفوا أم لم يعترفوا فذلك يلزمهم، ورحم الله ابن القيم حين يقول: " المجسم يعبد صنما، والمعطل- يعني المؤول- يعبد عدما "، ولذلك يقول هؤلاء المؤولة الذين لم يلتزموا منهج السلف الصالح في آيات والصفات وأحاديث الصفات ويقولون الله لا فوق هل تجدون في القرآن الله لا فوق؟ نجد في القرآن يصف عباده: " يخافون ربهم من فوقهم "، " الرحمن على العرش استوى " "تعرج الملائكة " "إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه " وإلى آخر ذلك، الله لا فوق! إذن تحت؟ لا تحت إذا يمين؟ لا، لا يمين لا يسار لا إمام لا خلف لا داخل العالم لا خارجة إذن ماذا بقي من وجود الله؟ العدم هذا هو العلم الذي تورط فيه كل علماء الكلام بدون استثناء إلا من كان على منهج السلف الصالح كل علماء الكلام لا استثني لا أشاعرة ولا ماتريدية، إلا أفراد منهم آمنوا بما كان عليه السلف الصالح كما قال بعضهم:
ورب العرش فوق العرش لكن *** بلا وصف التمكن واتصال
يعني ليس كمثله شيء؟ الله وصف نفسه بأنه على العرش استوى ورب العرش فوق العرش لكن بلا وصف التمكن واتصال، انظروا يا إخواننا الشباب في صورة خاصة إلا نزعم بأننا نريد أن نحقق المجتمع الإسلامي وأن نقف جبهة أمام الإلحاد والشيوعية ونحوها من الأحزاب فبم نقف أماهم؟ أبعلم كتاب الله وحديث رسول الله وعلى منهج السلف الصالح أم بعلم الكلام؟ لكن أقول من الخير لكم أو لبعضكم أنه لم يقرأ علم الكلام هذه حقيقة، ولا يعرف أنه قد يسمع هذا الكلام، فيستغرب أن يوجد في المسلمين من يعتقد هذه العقيدة؟ نعم اقرأوا كتب الغزالي (إحياء علوم الدين) وبعض الرسائل الجديدة المطبوعة المنشورة اليوم باسم العقائد، فستجدون بها الجحد مطبوع اليوم طبعة جديدة عصريه وأن الله لا فوق ولا تحت ولا يمين ولا يسار إلى آخر ذلك. ولذلك رحم الله أحد أمراء دمشق حضر مناقشة جرت بين شيخ الإسلام ابن تيمية وأمثال هؤلاء المعطلة لما سمع كلامهم وسمع كلام ابن تيميه مستند على الكتاب والسنة وكلام السلف الصالح اقتنع أن هذا هو العقيدة الصحيحة، والتفت إلى شيخ الإسلام بن تيمية وقال: ((هؤلاء يشير إلى المشايخ- قوم أضاعوا ربهم "، كلام صحيح هؤلاء قوم أضاعوا ربهم، لماذا لا فوق لا تحت لا يمين لا يسار إلى آخره. الشاهد في هذا المجال ما الذي أودى بعلماء المسلمين فضلا عن طلاب العلم فضلا عن عوام المسلمين إلى هذا الحضيض وهذا الضلال المبين؟ نحن ننصح كل المسلمين في عالم الدنيا كلها أن يضموا إلى ضرورة التمسك بالكتاب والسنة هذه الركيزة الثالثة على منهج السلف الصالح، وإلا فكل طائفة في الدنيا تقول نحن على الكتاب والسنة، أضل فرقة اليوم تنتمي للإسلام تصلي الصلوات الخمسة، وتحج إلى بيت الله الحرام القاديانية مع ذلك هم ينكرون حقائق من الإسلام باسم التأويل وعدم التمسك بما كان علية لمسلمين حتى الخلف؛ لأن المسلمين جميعا اتفقوا على أنه لا نبي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف جاء هؤلاء يدعون الإسلام يقولون جاء نبي اسمه ميرزا غلام أحمد القادياني وسيأتي من بعده أنبياء كثر، وجاء أحد تلاميذته، وحاول بث هذه الفكرة تارة بالسياط، وتارة بالصياح، وتارة بالكلام، والحمد لله كفينا رهم وكان لي مشاركة في المجادلة معهم كثيرة. الشاهد كيف ضل هؤلاء؟ قال - عليه السلام -: " لا نبي بعدي " تعرفوا ما معنى لا نبي بعدي؟ زعموا: معي ما في نبي؛ لكن إذا مت يوجد نبي؛ فأولوا النص، وقالوا: ولكن رسول الله خاتم النبيين، ما معنى خاتم النبيين؟ زينة النبيين؛ فمعنى الخاتم زينة الأصبع فالرسول زينة الأنبياء وليس معناها ما يجىء بعد منه نبي لا، إذا هل المسلمين كلهم كانوا على خطأ في فهمهم هذه النصوص. والبحث كثير وطويل جدا فحسبنا الآن أصول الدعوة السلفيه ثلاثة: الكتاب، والسنة الصحيحة، وعلى منهج السلف الصالح.
أما مقاصدها فلا شك أن من مقاصدها هو أن يحققوا المجتمع الإسلامي الذي به يمكن تحقيق الحكم بالإسلام لا بسواه، حكم للإسلام في غير مجتمع إسلامي ضدان لا يجتمعان.
والخلاصة:
فمذهب السلف يجب التمسك به، وهو الضمان في أن يكون المسلم من الفرقة الناجية، وإلا يكون من الفرق الضالة ذلك هو العصمة، ولا بد من لفت النظر أخيرا إلى أننا حينما ندعوا المسلمين جميعا إلى التمسك بالكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح لما ذكرناه من البيانات والأدلة الصحيحة فنحن لا نكون متباعدين من أصل الإيمان بالكتاب والسنة ولكننا نحسن دعوتهم إلى الكتاب والسنة لأننا نعتقد أنهم مرضى في عقائدهم التي انحرفوا فيها عن الكتاب والسنة؛ فندعوهم كما هو واجب الدعوة وهي قاعدة أساسية في كل من يريد أن يدعوا إلى الإسلام إلا وهو قوله- تبارك وتعالى - (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنه وجادلهم بالتي هي أحسن). فيجب ألا نتهاون مع هؤلاء الناس الذين انحرفوا عن منهج السلف الصالح ليس فقط في كثير من الأحكام بل وفي كثير من العقائد كما ذكرنا أنفا فيما يتعلق بالصفات ونحو ذلك، فنحن ندعوهم بالتي هي أحسن، ولا نباينهم ولا نفارقهم لقوله - عليه الصلاة والسلام -" لأن يهدي الله على يديك رجلا أحب إليك من حمر النعم ". انتهى كلامه - يرحمه الله -.
والحمد الله رب العالمين.
نقلا عن مجلة الأصالة السلفية العدد (27)