إنفاقات العرب على التعليم

مصطفى عياط

 

الأسرة العربية تجد نفسها بين "شِقَّي الرَّحَى"؛ فهي من جهة مطالبة بشراء مستلزماتها المعيشية في ظل الارتفاع الجنوني لأسعار السلع الغذائية، ومن جهة أخرى فهي مطالبة أيضًا بتوفير القسط التعليمي لأبنائها والذي لا يمكن فصله عن ظاهرة الدروس الخصوصية والتي استشرت في معظم الدول العربية خلال السنوات الأخيرة، والتي باتت تشكل بندًا ثابتًا ورئيسيًا في ميزانية الأسرة العربية، بل ربما التهم هذا البند الميزانية بأكملها، فتسابق الآباء والأمهات وراء الدفع بأبنائهم إلى ما يسمى بـ "كليات القمة" يجعلهم يقدمون الغالي والرخيص في سبيل ذلك، بخاصة وأن الجميع يتفقون على أن التعليم الحكومي العربي بمختلف مستوياته أصبح عاجزًا عن توفير بيئة للتعليم والتلقي في ظل تكدُّس الأعداد وضعف مستوى القائمين على العملية التعليمية بمختلف مستوياتهم.

كما أن طبيعة مناهج التعليم العربية واعتمادها على الحفظ والاسترجاع كمعيار للتفوق، تجعل من الدروس الخصوصية حلاًّ سحريًّا لجَنْي التفوق في ظل ما بات يعرف بـ "التعليم بالملعقة"، وهو تعليم خالٍ من أي إشباع لقدرات الابتكار والتجريب لدى الطلاب؛ حيث يُستعاض عن ذلك بتلخيص المعلومة وإعادتها مرارًا وتكرارًا حتى تحفظها الذاكرة.

 

البداية مصرية

وتعد مصر من أول الدول العربية التي عرفت ظاهرة الدروس الخصوصية، لكن الأمر اقتصر في البداية على أبناء العائلات الثرية، واستمر الحال كذلك حتى مطلع الثمانينات من القرن الماضي إذ تحوَّل الأمر إلى "وباء" طال الفقراء والأغنياء على حد سواء، وتشير دراسة لمركز المعلومات واتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء المصري، صدرت في سبتمبر 2005، إلى أن ما بين 61- 77 في المائة من طلاب المدارس في السنوات الدراسية المختلفة يحصلون على دروس خصوصية، ما يكلِّف الأسر المصرية قرابة 15 مليار جنية (3. 3 مليار دولار) سنويًّا.

ولفتت الدراسة إلى أن متوسط إنفاق الأسرة على الدروس الخصوصية يعادل حوالي 90 دولارًا شهريًّا (500 جنيه)، وهذا الرقم يلتهم إجمالي الدخل الشهري لشريحة كبيرة من الأسر، وتزيد نسبة من يأخذون دروسًا خصوصية أو تقل وفقًا لمستوى دخل الأسرة، ففي حين تقل النسبة إلى حوالي 61 في المائة في الأسر صاحبة الدخل المنخفض تزيد إلى 77 في المائة في الأسر ذات الدخل المرتفع، كما أن الإقبال على الدروس لم يعد معبرًا عن ضعف مستوى الطالب ولكن لضمان المزيد من الشرح والحصول على درجات وتقييم أفضل.

وهذا الإنفاق المتضخم على الدروس الخصوصية كانت له تداعيات اقتصادية سلبية على خطط النمو المستهدفة؛ حيث أكد تقرير أعدته لجنة الشئون المالية والاقتصادية بمجلس الشورى في سبتمبر 2003، أن الإنفاق العائلي على الدروس الخصوصية ساهم في تخفيض معدل النمو المتوقع وتسبب في انكماش الدخل المتاح للتصرف لدى المواطنين مما اضطرهم إلي تخفيض الميزانية المخصصة لشراء باقي مستلزمات الأسرة المعيشية، ما ساهم ضمن عناصر أخرى متعددة- في تخفيض معدل النمو المتوقع.

 

صداع سعودي

وفي السعودية لا تختلف الصورة كثيرًا؛ حيث أخذت ظاهرة الدروس الخصوصية في الاتساع بشدة خلال السنوات الأخيرة، وتشير التقديرات إلى أنه من بين 5 ملايين طالب وطالبة بمراحل التعليم المختلفة يتلقى ما بين 20 إلى 30 في المائة منهم دروسًا خصوصية، وتبلغ فاتورة ذلك أكثر من 30 مليون ريال سنويًّا، ويتراوح متوسط الإنفاق الشهري من قبل الأسر السعودية على الدروس الخصوصية ما بين 500 - 1500 ريال.

وتضع معظم الأسر السعودية الدروس الخصوصية على رأس قائمة مصروفاتها الشهرية، خاصة مع الارتفاع المتزايد في تكلفة الحصة الواحدة، كما بات القائمون على هذه الدروس يتفننون في الدعاية لبضاعتهم عبر حملات إعلانية هائلة، منها ما يعلق على جدران المحلات التجارية أو الأسواق وأخرى تكون إعلاناتها في المرافق العامة، وعلى غرار ما حدث في مصر فقد غزت الدروس الخصوصية التعليم الجامعي بعدما اقتصر الأمر في البداية على مراحل التعليم ما قبل الجامعي.

 

إنفاق متواضع

وإن كانت الدروس الخصوصية تعد نتيجة حتمية لحالة الضعف التي يعاني منها التعليم الرسمي في الدول العربية بشكل عام- وإن كان الأمر تختلف حدته من دولة إلى أخرى، فالدول الخليجية على سبيل المثال تنفق بشدة من أجل تطور منظومتها التعليمية إلا أن المشكلة تبدو أعمق من ذلك بكثير، فمعظم الدول العربية مازالت تخصص ميزانيات متواضعة للتعليم، كما أن معظم هذه الميزانية يذهب لتغطية الأجور والنفقات الجارية الأمر الذي يعوق من ضخ استثمارات جديدة لتطوير البنية التحتية والبحثية القائمة أو إضافة منشآت جديدة.

وبشكل عام فإن معدل الإنفاق العربي على التعليم يعدُّ متواضعًا للغاية، حيث لا يشكل سوى 0. 14% فقط من الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بـ 1. 26% لكوريا الجنوبية و2. 9% بالنسبة لليابان. أما عن متوسط نصيب الفرد من الإنفاق على التعليم فتشير التقديرات الرسمية المحلية إلى أنه دون المستويات المطلوبة، حيث بلغ معدل الإنفاق في مصر نحو 196 دولارًا والمغرب 1441 دولارًا، وتونس 2192 دولارًا، والأردن 2179 دولارًا، والسعودية (12) ألف ريال في التعليم العام مقابل (30) ألف ريال للطالب الجامعي، بينما يبلغ 9 آلاف دولار في النرويج، و8171 في الولايات المتحدة، و7345 دولارًا في سويسرا، ثم النمسا 7. 284 دولارًا واليابان 7000 دولار، بينما تنفق إسرائيل على الطالب نحو 3500 دولار.

 

خصخصة التعليم

وبالتوازي مع تواضع الإنفاق على التعليم الرسمي في العالم العربي يلاحظ المراقبون ميلاً متزايدًا نحو خصخصة التعليم، وإفساح المجال للقطاع الخاص، ليس فقط لإنشاء وإدارة منشآت تعليمية خاصة، ولكن كذلك لإنشاء مدارس حكومية ثم إعادة تأجيرها للحكومة، كما شهدت السنوات الخمس الأخيرة إقبالاً كبيرًا على الترخيص لمؤسسات تعليمية دولية وأجنبية بافتتاح فروع لها في العديد من الدول العربية، سواء عبر اتفاقات مع الحكومات أو عبر الدخول في شراكة مع القطاع الخاص، كما كان لافتًا للنظر تزايد الاستثمارات الخاصة الموجهة للقطاع التعليمي بمختلف مستوياته.

ومع أن المؤشرات السابقة للتوسع في سياسة خصخصة التعليم تعد إيجابية في مجملها، إلا أن الأمر لا يخلو من بعض الظواهر السلبية مثل تراجع مكانة اللغة العربية لصالح اللغات الأجنبية التي تعتمدها المدارس الخاصة سواء المحلية أو الأجنبية، إضافة إلى ضعف آليات الإشراف والمراقبة الحكومية للعملية التعليمية أو المناهج الدراسية داخل هذه المدارس، فضلاً عن إمكانية بثّها لرسائل قيمية وفكرية قد تتعارض مع قيم ومبادئ المجتمع، كما أن التوسع في خصخصة التعليم يفاقم الفجوة ما بين الأغنياء والفقراء، فالفريق الأول يستطيع أن يوفر لأبنائه تعليمًا راقيًا ومتميزًا من خلال المدارس الخاصة، بينما يضطر الفريق الثاني إلى إرسال أبنائه للمدارس الحكومية رغم ما بها من قصور وفوضى، وأخيرًا فإن كثيرين ينتقدون تكالب أصحاب المنشآت التعليمية الخاصة على تحقيق أرباح سريعة وطائلة على حساب جودة المنتج التعليمي الذي تقدمه، كما أن معظم هذه المؤسسات تتجاهل دورها الاجتماعي المتمثل في إتاحة مجموعة من الفرص المجانية للطلاب المتفوقين غير القادرين ماليًّا على غرار ما تفعله نظيراتها في الغرب.

 

جوانب مضيئة

وعلى الرغم من قتامة الصورة التي ترسمها الأرقام والبيانات السابقة إلا أن الصورة لا تخلو من جوانب مضيئة، لعل أبرزها ذلك الاهتمام المتزايد بتحسين المنظومة التعليمية وتطبيق معايير الجودة في معظم الدول الخليجية، والتي شهدت ارتفاعًا كبيرًا في إيراداتها خلال السنوات الخمس الماضية بسبب ارتفاع أسعار النفط عالميًّا، حيث تشير دراسة أعدَّها مركز دراسات الاقتصاد الرقمي (مدار) إلى أن حجم الإنفاق على قطاع التعليم في دول الخليج العربي وصل إلى 26 مليار دولار خلال عام 2005. وتصدرت الإمارات وفقًا للدراسة- الدول العربية في هذا المجال، حيث زادت نسبة إنفاقها على قطاع التعليم بالنسبة لإجمالي الناتج المحلي من 17. 08% عام 2004 إلى 17. 20% عام 2005.

ولفتت الدراسة إلى استمرار حكومات الخليج في دفع عجلة النمو في قطاع التعليم عبر دعم الاستثمارات في هذا القطاع وتدريب الطاقات البشرية لديها، وبلغت نسبة الزيادة في حجم الإنفاق في العام 2004 وحده 22% أي ما يعادل 23 مليار دولار، كما ساهمت الزيادة المضطردة في أعداد الطلاب الذين يلتحقون بالمدارس الحكومية إلى جانب انخفاض نسبة الطلاب الذين أوقفوا تحصيلهم العلمي في زيادة حجم الإنفاق على قطاع التعليم العالي.

 

07/12/1428هـ

 

 

http://www.almokhtsar.comالمصدر: