غابت الخبرة وحضرت الغيرة .. فكان الفشل
د.عمرو أبو خليل
المشكلة*:
السلام عليكم..
أنا بنت عندي 22 سنة، متخرجة من سنة، وكنت مخطوبة لمدة سنة، وانفسخت الخطوبة من 7 شهور، وأنا السبب علشان كنت ساعات بتردد زي ما أي بنت ساعات بيجيلها تردد، بس أنا من غبائي كنت ببين له التردد ده، ففي الآخر زهق وفسخ الخطوبة، وحاولت أصالحه كتير جداً، والله لمدة 5 شهور بحاول أكلمه بيقفل السكة في وشي، وبعت له رسايل كتير جداً على الموبايل ومامته كانت قابلتني في مناسبة، وإديتنى صوري اللي كانت معاه بطريقة مهينة، وعيطت قدامها، وقلت لها: يا "طنط مش هزعله تاني ونتصالح"، قالت لي: "لا مش هينفع".
وكلمت أخته وعيطت وقلت لها: "صلحي الموضوع أنا بحبه وهاتيه عندك، وأنا هاجي أصالحه"، وما نفعش بردو أنا خلاص ما بقيتش أحاول معاه تاني.
أنا عارفة إني غلطت، وتعبانة جداً على طول بعيط، ووزني نزل 10 كيلو من كتر الحزن، وشكلي اتغير، وفي ناس بتتقدم في الفترة اللي فاتت بس أنا ما كنتش برتاح لحد خالص، وغير كده مش زيه.
ومن 15 يوم كده جالي واحد أعجب بيا، وجه اتقدم، وجاب أهله، وأنا كان شكلي خاسس مع إنه كان شايفني كده قبل ما ييجى، وبعدين ما اتصلوش تاني مع إنه كان فرحان جداً، وعمال يتكلم ويهزر، ومش عارفة إيه السبب؟ المهم همومي زادت حتى أنا دورت على شغل، واشتغلت مندوبة دعاية في شركة أدوية، وما بنزلش أشتغل غير قليل أوى، بحس إنى مش قادرة أشتغل، وعلى وشك الطرد.
أنا تعبانة أوي، وعلى طول بعيط، وبدعي ربنا إنه يفرج همي، وكمان اللي مزود همي إن أخويا خاطب واحدة من سنة، وهايتجوز قريب، وهايسكن فوقنا، وبدل ما يهديني على اللي بيحصللي بيقوللي أصل البنات كتير أوي بصراحة، وفي أحسن منك بكتير، بيخليني هموت من الكلام ده.
وكذا مرة يقول لي: اخرجي معايه هو وخطيبته، وبعدين مرة خرجت ومعاه ماما، وبعدين فيه مكان عجبني قلت له: صورني فيه فصورني، وقال لخطيبته تعالي اتصوري قالت: لا، وبعد أما جينا لقيتها بتكلمه في التليفون، وزعلانة منه إنه صورني أنا وما صورهاش هي، أنا سمعت الكلام ده، وقعدت أعيط، وانهرت علشان ماليش خطيب يعني يفسحني ويصورني.
أنا تعبانة جداً جداً، وعلى طول بدعي ربنا ماليش غيره علشان يفرج همي، ومش بيستجيب أعمل إيه؟ أنا نفسي أفرح ولو ربنا مش كاتب لي إنى أتجوز عايزة أموت أحسن، ولا إن حد يتريق عليا، أنا حاسة إنى هموت من الحزن، بلجأ لربنا، وبعيط وبدعيه ومش عايز يفرج همي، ومليش غيره هو ربنا بيعاقبنى ولا ده ابتلاء؟ وإيه حل مشاكلي؟ ولو هو ما كانش خير ليا ليه ما رزقنيش باللى أحسن منه، وربنا بيجيب دعوة المضطر ليه ما بيستجيبش؟ يعنى أنا متحاوطة بالمشاكل، ومش عارفة اتنقذ؟ إيه الحل هو حرام إني أفرح؟ أنا الدنيا سودا في وشى أرجوكم ساعدوني.
الحل:
نحن بالطبع نشعر بك وبمعاناتك، خاصة أنك أطلت معاناتك بمحاولاتك العودة إلى خطيبك فازدادت آلامك، كل هذا نقدره ونشعر به، خصوصاً إذا حدث مع فتاة صغيرة تعتبر هذه هي تجربتها الأولى في الخطبة، ولكن نريد أن نوضح لك عدة نقاط:
1- إن مسألة فسخ الخطبة مسألة واردة بشكل متكرر حتى إن لي كلمة أقولها للشباب والشابات دائماً وهي: أن الأصل في الخطبة الفسخ؛ لأنها من المفترض أن تكون فترة تعارف بين الطرفين، من المتوقع أن يكتشف فيها كل طرف ما لا يناسبه في الطرف الآخر فينفصلان بهدوء قبل أي تطورات أخرى.
إذن فالأمر عادي، ويحدث كل يوم، ليس كلامي تهويناً مما يحدث، ولكنه إقرار بحقيقة يجب أن نتعلمها في المرات القادمة، نعم المرات وليس مرة واحدة، فهذا طبيعي وعادي؛ لأن ظروف المدن الواسعة والعلاقات غير المترابطة جعلت للخطبة دوراً هاماً في التعارف والتآلف الذي أصبح صعباً، ولذا أصبح الوصول لخطبة ناجحة مستمرة يحتاج ربما لعدة مرات حتى يحدث بشرط أن يتعلم الإنسان من أخطائه، ويكون ديدنه عند حدوث ذلك هو السؤال: ماذا تعلمت، وليس لماذا حدث ما حدث، لأن سؤال ماذا تعلمت سؤال إيجابي يجعل الإنسان يفكر ويقرر ماذا سيفعل في المرة القادمة، وكيف يتجنب ما وقع فيه من أخطاء.
أما السؤال الثاني عما حدث ولماذا حدث فهو الذي يدخلنا ويوصلنا إلى اجترار الماضي، والعيش في الأحزان، وتمني عدم الوقوع في الأخطاء، والتخيل لسيناريوهات بديلة تزيد آلامنا وأحزاننا.
2- إن للتعامل مع الله - عز وجل - آداباً وحدوداً يجب أن يتعلمها الإنسان، فلا يصح أن يكون الحديث مع الله - عز وجل - بلغة (لماذا لم يرزقني الله بمن هو خير منه؟ أو لماذا لا يستجيب الله دعائي)، وقد ألححت عليه في الدعاء.
إنك في بداية رسالتك اعترفت بخطئك في معاملة خطيبك مما جعله يتركك، إذن فقلة الخبرة، وسوء المعاملة؛ كانا السبب فيما حدث، فلا يصح بعد ذلك أن نحيل سوء تصرفاتنا إلى الله، ونتحدث معه بما لا يليق، ونقول لماذا لم ترزقنا بمن هو خير منه، فهذا لا يصح في مناجاة الله ودعائه، وإذا كنت تتصورين أنك تلحين في الدعاء على الله فإن تعجلك للاستجابة؛ لأنك تغيرين من خطيبة أخيك التي يبدو أنها مثلك قليلة النضج والخبرة حتى تقف في موقف لتؤنب أخاك على تصويره إياك، فإن هذا التعجل إن كنت لا تعلمين من الأشياء التي لا تؤخر استجابة الدعاء بنص حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -.
لذلك فعليك الدعاء، والله عليه الاستجابة كيفما يرى، ووقتما يرى - سبحانه وتعالى -؛ لأنه لا يصح الاشتراط على الله - عز وجل -، إن حديثك مع الله بهذه الطريقة غير اللائقة هو مما يزيد أحزانك، ويجعلك في حالة من التشوش، لأن الأمور لا تعامل بهذه الطريقة، اعتبري ما حدث رسائل ومنحة من الله حتى تتعلمي كيف تختارين في المرة القادمة وكيف تتعاملين؛ لأنك لو استمررت لربما حدثت المشاكل بعد ذلك، يجب أن نرضى بقضاء الله ونرى فيه الخير، ثم نثق فيما عند الله دون تعجل أو اشتراط على الله، ولتشغلي نفسك بكل ما هو مفيد حتى تخرجي مما أنت فيه.
ونرجو أن تهتمي بعملك، وتشغلي نفسك بالهوايات المختلفة، وتبحثي عن صحبة من الأخيار؛ لأنك في الحقيقة تحتاجين إلى هدنة نفسية قد تصل إلى ستة شهور قبل أن يكون لديك الاستعداد النفسي للارتباط مرة أخرى، حتى تستعيدي حيويتك النفسية والجسدية حتى لا يتكرر ما حدث مع من جاء وانصرف، وحتى لا تكون خطبتك رد فعل لفسخ خطوبتك، ورغبة في التعويض أو الارتباط بأي صورة.
ولذا فمن تأمل في الأمر يجد أن التأجيل هو الخير، وأن التعجيل لن يكون مناسباً، فما بالك بالله العزيز الحكيم المطلع على كل أحوالنا، ولذا فإن الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - أيضاً أخبرنا أن الدعاء خير في كل الأحوال؛ لأنه إما أن يستجاب على الفور، أو أن يؤجله الله - عز وجل - إلى يوم القيامة ويدخره خيراً للعبد، أو يرفع به شراً عن الإنسان قدر هذا الدعاء، ولا يكفي البكاء فقط حتى يستجاب الدعاء فلا بد من تقديم الأعمال الصالحة، والصدقات والقربات بين يدي الله - عز وجل -، ولا بد من الخضوع والخشوع والامتثال لأمر الله ولقضائه، وأخيراً اليقين بإجابة الدعاء دون تعجل، هذه بعض الآداب في الدعاء، ويبتلينا الله - عز وجل - ليس ليهلكنا بل ليعلمنا أن نخشع له، ونبتهل إليه، وأن نرضى بقضائه؛ لأنه يحب أن يسمع دعاء عباده حتى يرفع درجاتهم، ويخفف من ذنوبهم.
____________________________________
* تم نشر المشكلة كما وردت من صاحبة الرسالة.