منى العمد عبقرية المزج بين الدعوة والأدب

حوار/ محمد الحناحنة

 

الأديبة الإسلامية منى محمد العمد عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية صاحبة رسالة دعوية وفكرية وأدبية، تكتب في كثير من المجلات الإسلامية، وترى أن الدعوة إلى الله هدف كبير بحد ذاته، تسعى إلى تغليفه بالشكل الأدبي من خلال قصة أو مقال، وهي متفائلة بالأسرة المسلمة على الرغم من كثرة المواجع، وتعدّ الكتابة ألق النفس الإنسانية بكل أحوالها، وقد التقيناها لتحدثنا عن أهم المحطات في حياتها الأدبية والدعوية...

 

يُقال إن الكتابة هي ألق النفس الإنسانية بمسراتها وأحزانها.. فكيف تقبضين عليها؟

نعم هي ألق النفس الإنسانية بكل أحوالها، لذا أجدني أقترب من قلمي كلما اشتدت معاناتي، فأمده بفرح أو بألم لأعبر عما في نفسي، وقد تكون المعاناة فكرة أو قضية عامة، أسرية أو اجتماعية أو تعليمية، أفكر فيها فينبع المداد من شعوري بمسؤوليتي عن معالجة القضية أو إيصالها إلى من يعمل على معالجتها، والبحث عن قالب فني يمكنه استيعابها، وبالتأكيد فإن الكتابة تحت ضغط المعاناة تأتي أصدق وأشد تأثيراً من الكتابة تحت تأثير السرور؛ فالألم يأخذ مدى أعمق في النفس الإنسانية لكن السرور يأتي عابراً، ذلك أن الأصل في الحياة أن تتأبى على السعادة والسرور المطلق وعلى المبدع أن يلتقط ما يمكن تجسيده من علاجات الهموم الإنسانية.

 

 من أخذ بيدك في بدايات اشتغالك بالكتابة؟

 أما الحروف الأولى فكانت أيام الدراسة، لكنها لم تتواصل فقد أخذتني دوامة الحياة بعيداً عن الكتابة زمناً، وهي وإن لم تتجلّ من قبل في عمل فقد كنت ألمحها مختزنة في ثنايا علاقتي بالمجتمع الذي أحيا فيه وتنمو مع صلاتي بالآخرين، ورؤيتي لهم، لكنني كنت كثير القراءة وهذا ما أثرى حصيلتي، أما من أخذ بيدي فأعود الآن لأستقري تاريخي لأبحث عمن أخذ بيدي ووجهني، فأجد عبارات تشجيعية من معلمة اللغة العربية في المرحلة الابتدائية، بل لقد زارتني معلمة اللغة العربية في المرحلة الثانوية الأستاذة: مروة الكيلاني في منـزلي لتشجعني على المزيد بعد أن قرأت موضوع إنشاء كتبته في ذلك الوقت، وكان لهذه الزيارة أعمق الأثر في نفسي، ثم عبارات مدح وثناء للغتي وأسلوب كتابتي يكتبها الأستاذ: أحمد نوفل في الجامعة الأردنية على أوراق اختباري لاسيما في مادة القصص القرآني، ثم تيسر لي أن أتزامل فترة من الوقت في مكتب الإشراف التربوي مع الأديبة الأستاذة: قماشة السيف التي أيقظت حلمي، وأثارت من جديد رغبتي الكامنة في الكتابة، فبدأت بكتابة حوار مع إحدى قصصها التي لامست وتراً من نفسي، ثم إني رشحت هذه القصة بالذات لدخول المسابقة الثقافية السنوية التي يعدها نادي الطائف الأدبي سنوياً، وأسعدني جداً بل شكّل لي دفعة جديدة أن تفوز القصة بالمرتبة الأولى.

وخلال السنوات الماضية قرأت معظم روايات الأستاذ: نجيب الكيلاني ثم قرأت للأستاذ: الرافعي، ويظل كتابه وحي القلم من أجمل ما قرأت.. ومن أكثر ما قرأت تأثيراً في مسيرتي، غير أن ذلك لا يعني اقتصاري على هذين العلمين فقد أعجبت بفكر العقاد وأدب المنفلوطي وغيرهما كثير، فلا يمكنني أن أعد اليوم ما اختزنته من زمن طويل في مراحل العمر المختلفة من قراءات ومشاهدات ومطالعات تحفر في الذاكرة أنهاراً مما قد يبدو إلى حد كبير في أعمالي الأدبية، وعبر أشخاص العمل الذي أكتبه.

وهنا أريد أن أقول لكل من ترى لديها موهبة سواء في الكتابة أو في غيرها، ألاّ تحقر نفسها، بل تعمل على صقل موهبتها بالدراسة والممارسة والتدريب، فلعلها أن تحقق ما تحلم به، وينفعها الله - تعالى -بما وهبها، وينفع بها مجتمعها وأمتها، وأريد أن أنبه هنا إلى خطورة الدور الذي تلعبه المعلمات والمربيات الفاضلات، فرب كلمة تقولها لا تلقي لها بالاً تبني أو تهدم، لذا أقول لمن تقع منهن على موهبة ألاّ تهملها بل تأخذها بالتشجيع والتحفيز لعلها أن يكون لها فضل، والدال على الخير كفاعله.

 

 بعض النقاد يرى أن كتابات منى العمد "يغلب فيها الفكر الدعوي على جماليات الفن القصصي". بم تردّين على هذا؟

 لم يعد هناك في عالم النظرية الأدبية أي انفصال بين المكونات التي يحتويها العمل الأدبي وشكله؛ فالفكرة والشكل الأدبي في نص ما يقومان مقام الروح من الجسد، لا قيمة لأحدهما إلاّ بصاحبه، ولا ينبغي لأحدهما أن يتمدد داخل النص على حساب الآخر، وبالنسبة لي أظن أن أصحاب هذه المقولة من النقاد خلطوا في حكمهم؛ فأنا أكتب القصة وأكتب ما أسميه المقال القصصي، وفي المقال حسب رأيي لا بأس أن تغلب الفكرة الدعوية على جماليات القص، والحقيقة أن الفكر الدعوي بالنسبة لي هدف بحد ذاته أسعى إلى تغليفه بالشكل الأدبي، فآتي به على شكل قصة أو مقال، وربما ألجأ إلى إلباس المقال ثوب القصة، وأظن أن النقاد الذين ذكرت، أطلقوا حكمهم على هذا النوع بالذات، وذلك مثل (فتش عن المرأة) و (هذه الطفلة علمتني) و (سؤال في الطلاق) و (المحيرة) وغيرها.

وعلى أي حال فإن لي أن أختار الشكل الفني الذي أعبر فيه عن فكرتي، ولست أنكر دور النقد في تقييم وتوجيه العمل الأدبي شكلاً ومضموناً، إلاّ أن العمل الفني الذي أخرجه للقراء والنقاد لا ينبغي تأطيره في شكل أو إلباسه ثوباً تقليدياً فربما لا يكون الأمر مصادفة أن يجد النقاد أنفسهم في حاجة بعد ذلك لاستحداث شكل أدبي يمكنه أن يستوعب نطاقاً من أعمالي التي أزعم أنني أعي وعياً كاملاً ما أريده منها.

 

 هل لنا أن نتعرف على إصداراتك الجديدة وماذا لديك من مشاريع إبداعية؟

 لدي مجموعة قصصية تحت الطبع بعنوان (كلف في وجه البدر)، وقد أفرد لها أحد النقاد رؤية خاصة، وتنبأ لها بتفرد غير مسبوق في عالم القص الأدبي، وحالياً أعكف على جمع ما أسميته بالمقالات القصصية لإصدارها في كتاب بإذن الله - تعالى -.

 

 لمن تكتب منى العمد؟ وما نصيب شريحة الطفولة في كتاباتك؟

أكتب للجميع، ولئن كنت أكتب غالباً عن قضايا المرأة والأسرة فلا أكتبها للمرأة وحدها، بل أكتبها للرجال والنساء جميعاً، فليس في يد المرأة وحدها مقاليد الأسرة واليد الواحدة لا تصفق، وإن كنا نعول عليها كثيراً في حل معظم القضايا الأسرية والتربوية والاجتماعية. أكتب للمرأة لتعلم بناتها من بعدها أن دورها عظيم، وأنه لا يقتصر على شؤون زينتها ومطبخها، وإذا علمنا أن الإنسان تتشكل شخصيته في سنوات الطفولة الأولى، وأن الطفل في هذه المرحلة يكون لصيقاً بأمه تأكد لنا خطورة دور المرأة وأهمية تربيتها وإعدادها لتنشئة الجيل، وكما قال أمير الشعراء:

وإذا النساءُ نشأْنَ في أميةٍ *** رضع الرجالُ جهالةً وخمولا

فهي إما أن تعتبر الطفل مجرد (شيء) تظن أنها تؤدي واجبها كاملاً إن هي اهتمت بنظافته، وطعامه وشرابه، وإما أن تربيه بحسب الموروثات الاجتماعية بخيرها وشرها، وإما أن تكون صاحبة رسالة تعرف دورها جيداً وتنشئ طفلها ليكون فرداً فاعلاً يخدم دينه ووطنه وأمته، فتضع هذه الرسالة نصب عينيها حتى وهي تهدهده لينام رضيعاً، وحتى وهي تحكي له قصة ما قبل النوم مميزاً، وتساعده على اختيار ما يقرأ من الكتب والقصص فتى وناشئاً.

لم أكتب للأطفال شيئاً مباشراً، لكني أزعم أني أوصل فكرتي إليهم من خلال ما أكتبه لأوليائهم ومربيهم في البيوت والمدارس، كما أن بعضاً من أعمالي تجتذب الفتيان وربما لا يغيب عن المتابع لإنتاجي الأدبي ما كتبته بعنوان (عندما يصبح رجلاً) وغيرها.

 

 شاركت العام الماضي في ندوة منهج الأدب الإسلامي في أدب الأطفال، التي عقدتها رابطة الأدب الإسلامي العالمية في الرياض. ما طبيعة هذه المشاركة؟

 من آن لآن تعقد رابطة الأدب الإسلامي العالمية مثل هذه الندوات القيمة التي تساهم في دفع تطوير حركة الأدب الإسلامي المباركة، ومن ذلك الندوة التي ذكرت، والتي حضرتها في الرياض برفقة زميلات من عدد من البلاد العربية والإسلامية، كان لي فيها بعض المداخلات على الأبحاث المقدمة من الأدباء والأديبات، منها ما يتعلق بمستوى اللغة الذي نكتب فيه للطفل، وقد دعا عدد من الأعضاء إلى تبسيط اللغة، ودعوت إلى عدم المبالغة في هذا التبسيط؛ لأن في ذلك -حسب رأيي- إنكاراً لقدرات الطفل على الفهم، ومن جهة أخرى فنحن في مخاطبتنا للطفل لا نريد فقط أن نمتع سمعه بالقصة الهادفة، فماذا يمنع أن نتكلم معه بمستوى أعلى فندفعه للسؤال، فنثري بذلك حصيلته اللغوية، كما اقترحت إيجاد نوع من التواصل البنّاء بين رابطة الأدب الإسلامي وإدارة المناهج بوزارة التربية والتعليم، فيستفيد واضعو المناهج والذين يدأبون على تخطيطها وتطويرها من إنتاج الأدباء الإسلاميين الذين يكتبون للطفل خاصة في مجال القصص والأناشيد.

أما هل حققت الندوة أهدافها فهو سؤال كبير لا أستطيع الإجابة عنه الآن من موقعي لكني أرجو ذلك، فقد خرجت الندوة بتوصيات هامة تحتاج إلى تضافر جهود، وتحتاج إلى وقت لتنفيذها، وأسأل الله أن يوفق الرابطة المباركة لتحقيق غاياتها النبيلة.

 

 27/5/1428 

13/06/2007

 

http://www.islamtoday.net                      المصدر: