شهر رجب (1 - 4) ( * )
وظيفة شهر رجب
خرج "في الصحيحين" من حديث أبي بكرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خطب في حجة الوداع فقال في خطبته: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا؛ منها أربعة حرم: ثلاثة متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان" وذكر الحديث.
قال الله - عز وجل -: إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم، فأخبر - سبحانه - أنه منذ خلق السماوات والأرض وخلق الليل والنهار يدوران في الفلك، وخلق ما في السماء من الشمس والقمر والنجوم، وجعل الشمس والقمر يسبحان في الفلك، فينشأ منهما ظلمة الليل وبياض النهار؛ فمن حينئذ جعل السنة اثني عشر شهرا بحسب الهلال.
فالسنة في الشرع مقدرة بسير القمر وطلوعه، لا بسير الشمس و انتقالها، كما يفعله أهل الكتاب.
وجعل الله - تعالى -من هذه الأشهر أربعة أشهر حرما، وقد فسرها النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث، وذكر أنها ثلاثة متواليات؛ ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، وواحد فرد، وهو شهر رجب... فيكون رجب آخرها.
وعن بعض المدنيين: "أن أولها رجب، ثم ذو القعدة، ثم ذو الحجة ثم المحرم. وعن بعض أهل الكوفة: أنها من سنة واحدة؛ أولها المحرم، ثم رجب، ثم ذو القعدة، ثم ذو الحجة.
أي الأشهر الحرم أفضل؟
واختلف في أي هذه الأشهر الحرم أفضل؛ فقيل: رجب، قاله بعض الشافعية، وضعفه النووي وغيره.
وقيل: المحرم، قاله الحسن، ورجحه النووي. وقيل: ذو الحجة، روي عن سعيد بن جبير وغيره، وهو أظهر، والله أعلم.
شرح حديث: "إن الزمان قد استدار... "
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض السنة اثنا عشر شهرا" مراده بذلك إبطال ما كانت الجاهلية تفعله من النسيء، كما قال - تعالى -: "إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله" وقد اختلف في تفسير النسيء، فقالت طائفة: كانوا يبدلون بعض الأشهر الحرم بغيرها من الأشهر، فيحرمونها بدلها، ويحلون ما أرادوا تحليله من الأشهر الحرم إذا احتاجوا إلى ذلك، ولكن لا يزيدون في عدد الأشهر الهلالية شيئا ثم من أهل هذه المقالة من قال: كانوا يحلون المحرم فيستحلون القتال فيه؛ لطول مدة التحريم عليهم بتوالي ثلاثة أشهر محرمة، ثم يحرمون صفر مكانه، فكأنهم يقترضونه ثم يوفونه.
ومنهم من قال: كانوا يحلون المحرم مع صفر من عام ويسمونهما صفرين، ثم يحرمونهما من عام قابل ويسمونهما محرمين، قاله ابن زيد بن أسلم. وقيل: بل كانوا ربما احتاجوا إلى صفر أيضا فأحلوه وجعلوا مكانه ربيعا، ثم يدور كذلك التحريم والتحليل والتأخير، إلى أن جاء الإسلام ووافق حجة الوداع، صار رجوع التحريم إلى محرم الحقيقي وهذا هو الذي رجحه أبو عبيد، وعلى هذا فالتغير إنما وقع في عين الأشهر الحرم خاصة. وقالت طائفة أخرى: بل كانوا يزيدون في عدد شهور السنة، وظاهر الآية يشعر بذلك، حيث قال الله - تعالى -: "إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا" فذكر هذا توطئة لهدم النسيء وإبطاله.
ثم من هؤلاء من قال: كانوا يجعلون السنة ثلاثة عشر شهرا، قاله مجاهد وأبو مالك؛ قال أبو مالك: كانوا يجعلون السنة ثلاثة عشر شهرا، ويجعلون المحرم صفرا. وقال مجاهد: كانوا يسقطون المحرم، ثم يقولون: صفرين، لصفر وربيع الأول وربيع الآخر، ثم يقولون: شهرا ربيع، ثم يقولون: لرمضان شعبان، ولشوال رمضان، ولذي القعدة شوال، ولذي الحجة ذو القعدة، على وجه ما ابتدأوا. وللمحرم ذو الحجة فيعدون ما ناسؤوا على مستقبله على وجه ما ابتدأوا.
وعنه قال: كانت الجاهلية يحجون في كل شهر من شهور السنة عامين، فوافق حج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذي الحجة، فقال: "هذا يوم استدار الزمان كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض".
ومن هؤلاء من قال: كانت الجاهلية يجعلون الشهور اثني عشر شهرا وخمسة أيام، قاله إياس بن معاوية وهذا العدد قريب من عدد السنة الرومية، و لهذا جاء في مراسيل عكرمة بن خالد أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال في خطبته يوم النحر: "والشهر هكذا وهكذا وهكذا، وخنس إبهامه في الثالثة، وهكذا وهكذا وهكذا، يعني ثلاثين، فأشار إلى أن الشهر هلالي.
ثم تارة ينقص وتارة يتم، ولعل أهل النسيء كانوا يتمون الشهور كلها، ويزيدون عليها، والله أعلم.
وقد قيل: إن ربيعة ومضر كانوا يحرمون أربعة أشهر من السنة مع اختلافهم في تعيين رجب منها. كما سنذكره إن شاء الله - تعالى -وكانت بنو عوف بن لؤي يحرمون من السنة ثمانية أشهر، وهذا مبالغة في الزيادة على ما حرم الله.
واختلفوا في أي عام عاد الحج إلى ذي الحجة على وجهه، واستدار الزمان فيه كهيئته؛ فقالت طائفة: إنما عاد على وجهه في حجة الوداع. وأما حجة أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - ، فكانت قد وقعت في ذي القعدة، هذا قول مجاهد وعكرمة بن خالد وغيرهما. وقيل: إنَّه اجتمع في ذلك العام حج الأمم كلها في وقت واحد، فلذلك سمي يوم الحج الأكبر.
وقالت طائفة: بل وقعت حجة الصديق في ذي الحجة؛ قاله الإمام أحمد، وأنكر قول مجاهد، واستدل: بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر عليا فنادى يوم النحر: "لا يحج بعد العام مشرك"(1) وفي رواية: "واليوم يوم الحج الأكبر". وقد قال الله - تعالى -: "وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله" فسماه يوم الحج الأكبر، وهذا يدل على أن النداء وقع في ذي الحجة.
وخرج الطبراني في "أوسطه" من حديث عمر بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: كان العرب يحلون عاما شهرا، وعاما شهرين، ولا يصيبون الحج إلا في كل ستة وعشرين سنة مرة واحدة، وهو النسيء الذي ذكره الله في كتابه، فلما كان عام حج أبي بكر الصديق بالناس، وافق في ذلك العام الحج؛ فسماه الله يوم الحج الأكبر.
ثم حج النبي - صلى الله عليه وسلم - في العام المقبل فاستقبل الناس الأهلة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض" وقيل: بل استدارة الزمان كهيئته كان من عام الفتح.
وخرج البزار في "مسنده" من حديث سمرة بن جندب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال لهم يوم الفتح: "إن هذا العام الحج الأكبر، قد اجتمع حج المسلمين وحج المشركين في ثلاثة أيام متتابعات، واجتمع حج اليهود والنصارى في ستة أيام متتابعات، ولم يجتمع منذ خلق الله السموات والأرض، ولا يجتمع بعد العام حتى تقوم الساعة".
وفي إسناده يوسف السمتي، وهو ضعيف جدا.
لم سميت الأشهر الأربعة حرماً؟
واختلفوا لم سميت هذه الأشهر الأربعة حرما. فقيل: لعظم حرمتها وحرمة الذنب فيها.
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: اختص الله أربعة أشهر جعلهن حرما، وعظم حرماتهن، وجعل الذنب فيهن أعظم، وجعل العمل الصالح والأجر أعظم. قال كعب: اختار الله الزمان، فأحبه إلى الله الأشهر الحرم. وقد روي مرفوعا، ولا يصح رفعه. وقد قيل في قوله - تعالى -"فلا تظلموا فيهن أنفسكم" أن المراد في الأشهر الحرم. وقيل: بل في جميع شهور السنة. وقيل: إنما سميت حرما لتحريم القتال فيها وكان ذلك معروفا في الجاهلية. وقيل: إنه كان من عهد إبراهيم - عليه السلام -. وقيل: إن سبب تحريم هذه الأشهر الأربعة بين العرب لأجل التمكن من الحج والعمرة. فحرم شهر ذي الحجة؛ لوقوع الحج فيه. وحرم معه شهر ذي القعدة؛ للسير فيه إلى الحج. وشهر المحرم؛ للرجوع فيه من الحج، حتى يأ من الحاج على نفسه من حين يخرج من بيته إلى أن يرجع إليه. وحرم شهر رجب، للاعتمار فيه في وسط السنة، فيعتمر فيه من كان قريبا من مكة.
----------------------------------------
(*) منتقى من كتاب لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف للعلامة/ أبي الفرج عبد الرحمن بن رجب الدمشقي [المتوفى: 795هـ] (تحقيق يا سين محمد السواس -دار ابن كثير-).
(1) أخرجه البخاري رقم (369) في الصلاة: باب ما يسترون من العورة، وفي الحج: باب لا يطوف بالبيت عريان، وفي الجهاد: باب كيف ينبذ إلى أهل العهد، وفي المغازي: باب حج أبي بكر بالناس، وفي تفسيره سورة براءة: باب قوله (فسيحوا في الأرض أربعة أشهر)، وباب قوله: (وأذان من الله ورسوله)، وباب قوله: (إلا الذين عاهدتم من المشركين). وأخرجه مسلم رقم (1347) باب لا يحج البيت مشرك؛ وأبو داود رقم (1946)، وإسناده صحيح، والنسائي 5/235 وإسناده صحيح، وانظر رواياته وتخريجه في "جامع الأصول" 2/1452 ـ 155.