التعلق بالله

أ.د. ناصر العمر

 

"إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً" (النحل: من الآية120)، "إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ" (هود:75)، "ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً" (النحل: من الآية123)، نصوص واضحة بينة عن فضل ذلك الرسول الكريم، لا تكاد تجدها وصفاً أو مدحاً لغيره من المرسلين سوى نبينا -صلى الله عليه وسلم-، إن شخصاً هذه نعوته وهذه صفاته وتلك أخلاقه وذلك سمته، جدير أن يقف العاقل معه متأملاً نهجه في الحياة وطريقته في العيش.

إن التزكية والمدح لهذا الإمام العظيم والنبي الكريم لم يأت من أحد المصلحين أو أحد العقلاء أو جمع منهم، مع أن من مدحه العقلاء والمجربون كان جديراً بالاهتمام، والوقوف مع تجربته في الحياة، فما بالنا بمن مدحه ونعته بتلك الأوصاف رب العز والجلال واختاره من قال عز وجل: "وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ" (القصص: من الآية68)، عندئذٍ يكون الاقتداء والتأسي به من الواجب عقلاً، كما أنه من الواجب شرعاً قال الله تعالى: "ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ" (النحل:123).

ولعظم تجربة إبراهيم -عليه السلام- وعدم إمكان سبرها في عجالة كهذه فلنقف على جزء من جوانبها وهي تعلق إبراهيم -عليه السلام- الدائم برب العزة والجلال.

إن حياة إبراهيم يمكن إجمالها في قولنا هي تعامل مع الله -تعالى-، فقد كان دائم التعلق بخالقه واللجوء إليه في كل صغيرة وكبيرة.

فيوم مر بمصر وتعرض أهله لمكر حاكمها الفاجر، أقبل إبراهيم -عليه السلام- على الله يدعوه، فنجى الله أهله ممن أراد بهم السوء والفحشاء، ولما أمره الله تعالى بترك هاجر وولدها -عليهما السلام- في وادي غير ذي زرع عند بيته المحرم، قابل الأمر بالخضوع والإذعان، ثم انصرف عنهم يدعو الله تعالى: "رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ" (إبراهيم:37)، نعم هذه الدعوات رفعها إبراهيم -عليه السلام- للذي يصعد إليه الكلم الطيب ويرفع العمل الصالح، لم يرفعها إبراهيم -عليه السلام- إلا بعد أن توارى من أهله، وخلا بربه، فعل ذلك حتى لا يتعلق أهله بدعائه، ولا يتكلون على صلاحه، بل يتعلقون بربهم تعالى، وهكذا كان إبراهيم -عليه السلام- دائم الفرار إلى الله: "إن إبراهيم لحليم أواه منيب".

ولما أراه الله -تعالى- في المنام أن يذبح ابنه، نادى ولده فقال كما أخبر الله عنه: "يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ" (الصافات:102، 103)، لقد تعلق قلب الوالد والولد بالله تعالى واستسلاماً له، ولم يترددا في الإذعان والانقياد لله –تعالى-، فأي تعلق بالله تعالى يعدل تعلقهما؟ سوى تعلق نبينا -صلى الله عليه وسلم-.

إن الله تعالى أمرنا بالتعلق به، واللجوء إليه والاعتماد عليه، قال الله تعالى: "وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً" (الأعراف: من الآية56)، وقال الله تعالى: "فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ" (الشعراء:213)، وكافأ الله المنيبين إليه في الدنيا قبل الآخرة ويكفي هذا العلو والفضل والتمجيد لإبراهيم -عليه السلام-من رب العالمين.

 

 10/5/1428هـ

 

http://www.almoslim.net                        المصدر: