المنهج الوقائي في الإسلام (7)

د. علي بن عمر بادحدح

 

الخطبة الأولى:

أما بعد:

أيها الأخوة المؤمنون: نواصل الحديث في المنهج الوقائي في الإسلام، وقد كان حديثنا فيما مضى عن منهج الوقاية للأسرة.

وقفنا مع ذلك المنهج في بدء تكوينها وفي أسس بناءها، واليوم نقف أيضاً مع الوقاية في الأسرة في تسيير دفتها، وفي نجاح مقاصدها، وفي تحقيق غاياتها.

ذلكم أن شرع الله -عز وجل- الكامل المحكم جعل من الأوامر والنواهي ومن التعليم والتوعية ما تسير به السفينة إلى بر النجاة وإلى شاطئ السلامة، وجعل من التشريعات والتوجيهات ما تعمر به القلوب محبة ومودة، وما تأتدم وتلتئم به النفوس امتزاجاً وتقاربا وجعل في أحكام هذا الدين العظيم ما تسعد به الحياة الدنيا سعادة ليس لها نظير تعمر القلوب وتغتر النفوس وتشيع على المجتمع في كل جوانبه.

فننظر إلى بعض هذه التشريعات في وقفتنا الأولى إزاء الرجل والزوج، ثم نمرّ من بعد في وقفات أخرى مع المرأة الزوجة، ثم نقف أيضاً مع منهج تربية الأبناء ثم نمضي إلى آفاق المجتمع الرحب لنرى كم أكرمنا الله -عز وجل- بهذا الإسلام وكم أفاض علينا من الخير بهذه التشريعات، وكم نحظى بالسعادة والهناء والرغد في العيش والسهولة في بناء المجتمع إذا نحن احكمنا وحكّمنا أمر الله -عز وجل- في حياتنا، وإذا نحن اتبعنا واقتدينا بهدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في سلوكياتنا، وكم نحن في مشكلات ومعضلات، وكم تمر بنا رزايا وبلايا بقدر ما نترك من أمر الله أو نهجر من سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى}.

وقفات مع توجيهات القرآن والسنة فيما تصلح به الحياة الزوجية، وتعصم -بإذن الله- من أسباب الضياع أو الدمار:

 

أولاً: العشرة بالمعروف:

فالله -جل وعلا- يقول: {وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً}.

ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول كما في حديث عائشة: (لا يفرك مؤمن مؤمنة -أي لا يبغض مؤمن مؤمنة- إن سخط منها خلقاً رضي منها آخر).

ليس هناك ما يبعث على الكره التام؛ فإن كانت خصلة نقص فثمة خصال كمال، وإن كانت خلة عيب فثمة خلال منافذ كثيرة.

{وعاشروهن بالمعروف} أمر رباني يتنزل من فوق سبع سماوات قال القرطبي: "فيه عموم للرجال بمعاشرة النساء؛ سواء كان زوجاً مع زوجته أو ولياً مع موليته".

وإن كان الأقرب في سياق الآية تخصيصه بالأزواج قال ابن كثير في معنى هذه الآية: "ومعنى العشرة بالمعروف طيبوا أقوالكم لهن، وحسنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم كما تحب ذلك منها ففعل أنت بها مثلها".

ما أجمل هذا الكلام من مفسر من أعظم المفسرين يبرزه لنا في كلمات واضحة طيب في القول، وإحسان في الفعل، وتحسين للهيئة، ومساواة فيما تريد منها أن تكون أيضاً معطياً لها، وهذا كمال الإحسان في المعاملة، وأعظم ما يقع به الألفة بين القلوب، وأجمل ما تكسر به النفوس الحرة:

أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم *** فطالما استعبد الإحسان إحسانا

{ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم}.

ثم يمضي ابن كثير يستشهد بحديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي).

إن كان عندك أقوالاً طيبة، وأفعالاً حسنة ن دماثة خلق وحسن معشر فأولى الناس به أهلك، وأحق الناس به زوجك، وأعظم من تحتاج أن تزيده من هذا هم من لهم حق عليك من الزوجة والأبناء.

وانظر أيضاً إلى تكميل قوله بذكره للقدوة العظمى -صلى الله عليه وسلم- يقول ابن كثير: "وكان من أخلاقه -صلى الله عليه وسلم- أنه كان جميل العشرة دائم البشر يداعب أهله ويتلطف بهم ويوسعهم نفقة ويضاحك نساءه".

ثم يمضي ابن كثير في استشهاد آخر ويذكر لنا قصة مسابقة عائشة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومسابقته لها ثم يقول: "وكان عليه الصلاة والسلام إذا صلى العشاء يدخل إلى منزله فيسمر مع أهله قليلاً قبل أن ينام يؤنسهم بذلك".

فأية عشرة هذه العشرة التي كانت من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأزواجه؟ وأي الناس بعده يمكن أن يكون مثله؟ ومن ذا الذي يتنزه عن شيء كان فعله نبينا -صلى الله عليه وسلم-؟

وتصوّر أن رجلاً يستجيب لأمر الله فيعاشر زوجته بالمعروف على مثل ما ذكرنا من كلام ابن كثير وما بينه لنا من هدي الرسول- صلى الله عليه وسلم-، أي امرأة تلقى مثل هذه المعاشرة والإكرام والإعزاز والإحسان فتكون امرأة ناشزة من بعد ذلك، وأي امرأة ونحن نعلم رقة المرأة ورقة عاطفتها أي امرأة بعد هذا يمكن أن تكون ذات لجاج وخصام ونزاع وشقاق .. إنها حينئذ تكون امرأة طائعة مطيعة مطواعة مساعدة على إدخال السرور على زوجها.

ونحن الآن نتحدث إلى الأزواج والرجال .. وسيأتي الحديث لا حقاً عن النساء والزوجات هذا أمر الله -عز وجل- من أخذ سد أبواباً من الجفاء والجفاف، ومنع أسبابٍ كثيرة من الشقاق والنزاع، وكان له بذلك أمر عظيم وسعادة تامة ومركب يسير به بإذن الله -عز وجل- إلى مرضات الله -سبحانه وتعالى- ويكون عوناً على طاعته.

وللقرطبي كلمات نضيفها في تفسير هذه الآية.. يقول في شأن المعاشرة بالمعروف: "أن لا يعبس في وجهها بغير ذنب، وأن يكون منطلقاً في القول لا فظاً ولا غليظاً، ولا مظهراً ميلاً إلى غيرها" حتى عبوس الوجه لا ينبغي أن يكون.. إنه ليس من العشرة بالمعروف، إن إنبساط الوجه وتبسمك في وجه أخيك صدقة، فكيف بزوجك؟! إن إدخال السرور على المسلم له أجر عظيم، فكيف بحليلتك؟! إن نوعاً من التطلق والسهولة والسماحة يكون للإنسان به إلى قلب الإنسان جسر قوي من المودة والمحبة، فكيف بمن هي وإياك تحت سقف واحد كل ليلة؟! إن مثل هذا الأمر والتوجيه الرباني الذي يتنزل به القرآن من فوق سبع سماوات هو سبب من أعظم أسباب الوقاية والحماية والصيانة.

واستمع لقول الله -عز وجل- في آيات محكمات، وفي كلمات معجزات.. كلام رب العالمين: {فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله في خيراً كثيراً}.

حتى لا تبادر إلى كره تام وبغض شامل لأدنى خطأ أو لأقل تقصير إن كرهت شيئاً فانظر فلعل هناك خيراً كثيراً.. أليست تلك المرأة هي التي بها عفاف نفسك، وهي التي بها تكون بإذن الله -عز وجل- في الوقاية من الوقوع في المعاصي والفواحش؟ أليست هي حاملة أبنائك؟ أليست هي مرضعتهم؟ أليست هي من تقاسمك السراء والضراء؟

انظر إلى كثير المحاسن تجدها غامرة لقليل المساوئ.. فما بال الرجل العاقل الحصين كأنما قد خف عقله، وطاش فكره فأصبح كالصغير إذا أثير بشيء يسير ثار فلم ينظر إلى غير ذلك من الأمور!

ونحن نقول: انظر عكس هذا عندما لا يطبقه الناس.. من ذا الذي يكون صادقاً مع نفسه؟ من الذي يطبق هذا الأمر الرباني ويستحضر قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا يفرك مؤمن مؤمنة)؟

هل طيبت قولك لزوجك؟ بل أسأل أكثر ما هو أكثر من ذلك: هل تتحدث إلى زوجتك؟ وهل تخاطبها خطاباً يدخل عليها السرور؟ أم أنه ليس إلا الأمر والنهي "لما فعلت؟ ولما لم تفعلي؟ وهل أنجزت؟ وهل انتهيت؟ لما تأخرت؟ وكيف صنعت؟ "وكأننا في ثكنة عسكرية لا في بيت زوجية!.

وهل أنت الذي يظهر على ثغرك الابتسامة كلما دخلت إلى بيتك، أو أنك تظن أن من كمال الرجولة ومن تمام الحزم أن لا ترى زوجك منك إلا وجهاً عابساً، ونظراً شزراً، وسحنة مقطبة متجهمة .. كأنما قد ركب الشيطان فوق رأسك! وأين أنت حينئذ من هدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ وكيف تشكو بعد ذلك أن امرأتك تضيق بك ذرعاً، أو تسبب لك مشكلة أو تعارضك في توجه!

سبحان الله! هل المرأة إلا إنسان له مشاعر؛ فإن أحسنت لقيت الإحسان، وإن أسأت فلا تظنن أنك تلقى إحساناً دائماً، وهذه أمور مهمة، والله -عز وجل- يقول: {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة}.

هي درجة القوامة وتسيير دفة الأسرة بمنهج الله -عز وجل-، وهدى رسوله -صلى الله عليه وسلم-: {فلهن مثل الذي عليهن}، قال ابن عباس: وذكر ذلك جلّ أهل التفسير في هذا الموضع من التفسير قال إني لأحب أن أتزين للمرأة كما أحب أن تتزين لي يحب أن يتزين لزوجته كما يحب أن تتزين له، فبعض الرجال يطلب شططاً .. يريد المرأة أن لا تسمعه إلا القول العذب الرقيق، وأن لا تتكلم إلا بمدحه والتغزل فيه، وأن لا تفعل إلا ما يسعده ويدخل السرور إلى نفسه، وأن لا تجتهد إلا في راحته وطمأنينته ثم هو لا يقول حتى "جزاكِ الله خيراً" ولا يبتسم في وجها ابتسامة ولا يعطيها شيئاً يدخل بها السرور على نفسها أي رجل هذا وأي عشرة تلك ؟وأي نتيجة يمكن أن تثمرها هذه المعاملات وكم نرى من الويلات وكم نرى من المشكلات وسببها مثل هذا النبوض في العواطف ومثل هذا التغير من أمر العشرة الحسنة مع الزوجات والنساء، وكذلك نرى كثيراً وكثيراً من المخالفات التي يقع بها كثيراً من المشكلات ولسنا بصدد تفصيل القول وفي الإجمال كفاية.

 

أمر ثان من أمور الوقاية وهو: التوعية والتعليم:

الذي ساقه الله عز وجل إلينا لنعرف طبيعة المرأة ونعرف كيف نتعامل معها ونعرف نعالج ما قد من أخطائها، وكيف نقوم ما قد يكون من اختلال طباعها، وهذا أمر مهم وهو أيضاً من منهج الوقاية العظيم الذي بصرنا بالحقائق، وعلمنا إياها حتى نكون على بينة من أمرنا، وعلى فهم لما ينبغي أن يكون عليه في المعاملة والتعامل:

 

أولاً: ننظر إلى كثير من الجوانب:

روى البخاري من حديث أبي هريرة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الحديث المشهور المعروف الذي قال فيه: (استوصوا بالنساء خيرا؛ فإن النساء خلقن من ضلع أعوج، وإن أعوج الضلع أعلاه؛ فإن جئت تقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوجاً، فاستوصوا بالنساء خيراً).

وهذا حديث عظيم (استوصوا) والألف والسين والتاء هي للطلب؛ أي طلب النبي -صلى الله عليه وسلم-  منك - أيها المسلم - أن تكون متوصياً ومستوصياً بالنساء خيراً .. وخيراً تنكير مع التنوين عام أي استوصوا بها خيراً في معاملتها وفي ملاطفتها وفي محادثتها وفي نفقتها وفي إكرامها وفي حسن معاملة أهلها.. في كل باب من الأبواب.

ثم أخبر النبي- صلى الله عليه وسلم- عن حقيقة قد تعكر صفو ذلك الأمر، فيأتي ليستوصي بها خيراً فيجد أمراً يمنعه من ذلك فبين له الحقيقة وعلمه ووعاه، فقال: (إن النساء خلقن من ضلع وإن أعوج الضلع أعلاه .. ).

أي في المرأة جبلة يكون فيها بعض الاعوجاج، وطبيعة يكون فيها بعض ما جبلت عليه من كفران النعمة، أو بذكر كلام بلسانها لا تقصده بقلبها، أو من شيء من الغيرة التي سنتحدث عنها أو نحو ذلك فماذا نصنع في هذا قال: (إن ذهبت تقيمه كسرته).

إن أردته أن يستقيم كاملاً لن يكون ذلك إلا بنوع من شدة تظنها أنها ستحسم الأمر أو نوع من قسوة تظنها أنها ستستقيم بها ولا تعلم أن ذلك سيكسر الضلع فلا يستقيم حينئذ لا أعوج ومستقيماً: (وإن تركته - أي على الكلية - لم يزل أعوجا).

بمعنى أن هذه الطبيعة في المرأة - كما ذكر ابن حجر -رحمه الله- ملخصاً - قال في هذا الباب فكأنه قال: "الاستمتاع بها لا يكون إلا مع الصبر عليها، تريد أن تستمتع بالزوجة، وأن تكون لك أسرة .. " وهناك بعض منغصات وبعض طبائع، لابد أن تكون على علم بها، وأن تكون مدارياً لها.

قال بعض أهل العلم كما نقل ابن حجر: "وفيه مداراة النساء وملاطفتهن" وكما قالوا أيضاً في هذا قالوا: لا يحزم بما يظن أنه يقوم الأمر على الكلية، ولا يترك أيضاً طبيعتها إذا تجاوزت الحد إلى أمور فيها من معاصي الله -عز وجل-، أو فساد خلقها أو نحو ذلك؛ بل يعظ ويذكر ويداري؛ بحيث يستقيم له الأمر بإذن الله -عز وجل-، ويكون حينئذ من المعاشرين بالمعروف.

 

ومن هذه الوجوه المهمة:أمر الغيرة:

والغيرة فطرة في الرجال والنساء، ولكنها في شأن المرأة أعظم وأكثر، وينبغي للرجل أن يعرف هذا الأمر كما علمنا إياه النبي- صلى الله عليه وسلم- ، وينبغي أن ندرك الحقائق؛ ومنها: أن الغيرة أمر مطلوب، ودليل على حس مرهف، ودليل على شهامة ورجولة، فقد ورد في الحديث الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم- عند مسلم من رواية عائشة أنه قال: (ثلاثة لا ينظر الله -عز وجل- إليهم يوم القيامة .. ) وذكر منهم العاق لوالديه، وذكر منهم الديوث وهو الذي يرضى السوء في أهله.

أي الذي لا تكون له غيرة، ليس هذا الأمر مطلوباً ولكن غيرة النساء ينبغي أن يعرف قدرها، وأن يتعامل معها المسلم بما ينبغي أن يكون.

وهاكم المثل الأعلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- .. نذكر بعض ما جاء في شأن غيرة نساءه للنظر كيف كان يحسن التعامل ويعرفه:

روى الإمام البخاري من حديث أنس -رضي الله عنه- بقصة عائشة -رضي الله عنها- وتسمية عائشة وردت في سنن النسائي وعند البخاري: أن النبي -عليه الصلاة والسلام- كان ليلة عند بعض نساءه، فأرسلت امرأة من نساءه إليه صحفة فيها طعام في غير ليلتها -أعدت طعاماً وأرسلته إلى بيت ضرة من ضراتها وهي عائشة- ففتحت الباب فإذا غلام معه طعام، يقول هذا من فلانة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فانفجرت الغيرة في نفس عائشة - لما تهدي لرسول الله وهو في بيتها؟- فضربت على يد الغلام، فسقطت الصحفة فكسرت وتبعثر الطعام، والنبي -صلى الله عليه وسلم- شاهد فماذا صنع؟ قال فكان يخم الطعام ويجعله في بقايا الصحفة، ويبتسم ويقول: غارت أمكم، غارت أمكم، ثم مضى وجاء بصحفة أخرى، فأعطاها الغلام ليردها، وأبقى التي كسرت.

لو أن مثل هذا الموقف وقع لواحد منا لربما دعا بالويل والثبور وعظائم الأمور، وربما كسر رأسها كما كسرت تلك الصحفة ! ورسولنا -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه يعلم تلك الطبيعة، قال: (غارت أمكم).

وهو الذي جمع الطعام، ولم يجعل من ذلك مشكلة، ولم يقم من ذلك معركة، ولم يجعله سبباً لشقاق ولا نزاع ولا توبيخ ولا تعنيف.

بل استمع إلى هذه القصة ترويها عائشة -رضي الله عنها- بنفسها كما في صحيح مسلم تقول لبعض من كان معها من النساء: ألا أحدثكم بخبر رسول الله-صلى الله عليه وسلم- ! فقلن: بلى، فقالت - والقصة فيها كثير من اللطائف نذكرها كما وردت، ونشير إشارات سريعة لما فيها – قالت: لما كانت ليلتي دخل عليّ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ، فوضع رداءه، وخلع نعليه ووضعهما عند رجليه، وبسط طرف إزاره على فراشه، فلم يلبث إلا ريثما ظن أني قد رقدت - يعني بقي قليلاً - ثم قام فانتعل رويداً - يعني لبس نعاله بهدوء - وأخذ ردائه رويداً، ثم فتح الباب رويداً، ثم أجافه رويداً - أي رده بهدوء - وخرج - ماذا صنعت عائشة؟ - قالت فجعلت: درعي في رأسي فاختمرت، وتقنعت إزاري وانطلقت في إثره- خرجت تتبعه إلى أين سيذهب؟ وما الذي سيفعل؟ - قالت فخرجت أتبعه حتى جاء بقيع الغرقد - ذهب إلى البقيع- قالت: فرأيته يمد يديه ثلاث مرات حتى أطال القيام، ثم انحرف -أي ليرجع- قالت: فانسليت فإذا به، فأسرع فأسرعت؛ لأنه رأى سواداً، فبدأ يتحرك، فهرول فهرولت، فأحضر فأحضرت، ثم لم ألبث أن دخلت البيت واضطجعت، فدخل النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: يا عائشة أحشي رابية - كانت تنهج من هذه السرعة وحشي رابية يعني هل عندك ربو في حاشيتك حتى تلهث - فقالت: يا رسول الله ما بي من شيء؟ فقال: لتخبرني أو ليخبرني الله اللطيف العزيز ! فقالت: يا رسول الله خرجت في أثرك فتبعتك، فقال:  أوكنت تظنين أني يحيف الله عليك ورسوله؟ قالت: ما يكتم الناس يعلمه الله -أي نعم يعني كان في نفسي شيء أريد أن أعرفه- فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد أن رأى هذا الحدث، وكيف أن عائشة قامت بجرأة، فتبعته وتلصصت ورائه، ومشت خلفه، وفعلت هذا الفعل الذي أنهضها إليه غيرة في نفسه لعله يذهب إلى زوجة أخرى؛ لعله ولعله - ومع ذلك ماذا قال لها النبي- صلى الله عليه وسلم-؟

قال: لقد جاءني جبريل فأجاف منك - لأنه في بيتها فأشار إلى النبي-صلى الله عليه وسلم- قال: فذهبت إليه، فقال: (إن ربك يأمرك أن تأتي بقيع الغرقد) فخرجت، فقال كلمات في غاية الرقة قال: فكرهت أن أوقظك وخشيت أن تستوحشي)؛ أي خرجت بهدوء حتى لا أزعجك، ولم أرد أن أخبرك بأني ذاهب إلى البقيع إلى زيارة الأموات حتى لا تستوحش نفسك، أو يكون بك أمر يدخل الإزعاج أو شيء من الكراهة إلى نفسك، ثم أخبرها بذلك وقص عليها القصة، والأمر الرباني الذي جاءه دون أن يثير مشكلة.

لماذا؟ لأنه يعلمنا أن طبيعة المرأة فيها تلك الغيرة، ومادامت في دائرة محدودة لم تخرج إلى أمر محرم، ولا إلى إثم ينبغي أن نحسن الرجل هذه المعاملة، وإلا كان ذلك سبباً من أسباب الشقاق والنزاع.

ومن هنا نختم بموقف عمر وما رواه قالت في حديث عند البخاري: راجعته زوجته - كانت تأخذ وتعطي معه كما يقال - فأنكر عليها، فقالت: ولما تنكر أن أراجعك؛ فإن أزواج النبي- صلى الله عليه وسلم-  ليراجعنه، وإن إحداهن لتهجره اليوم كله حتى الليل - يعني يحصل بعض هذا - في أمور الغيرة فيلاطفها، وقد تغضب حتى تهجره شيئاً قليلاً.

فيعلم هذا في حدوده فينبغي أن نحسن مثل هذا فهو من باب العشرة بالمعروف.. نسأل الله عز وجل أن يديم ما بيننا وبين أزواجنا.

 

الخطبة الثانية:

أما بعد:

أيها الأخوة المؤمنون: إن من التقوى إحسان المعاشرة للأهل والتلطف معهم، وفي الغير أيضاً ورد أن سعد بن عبادة قال:  لو رأيت رجلاً مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح، فقال النبي- صلى الله عليه وسلم-: (أتعجبون من غيرة سعد، والله إني لأغير منه، وإن الله لأغير مني).

الغيرة شعور فطري إذا وجد سببه . وقد ورد أيضاً في الحديث عند ابن ماجة بسند صحيح أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: (من الغيرة ما يحب الله منها، ومنها ما يكره الله؛ فأما ما يحب الله فالغيرة في الريبة، وأما ما يكره الغيرة في غير ريبة).

الغيرة في غير ريبة أي من غير سبب ظاهر، ولا أمر ملموس هي نوع من الوسواس والشك الذي إذا دخل إلى قلب الرجل كان كأنما يفسد عليه حياته كلها، فكل كلمة منها لها عنده تأويل وكل حركة منها له عندها تفسير، وكل خروج وكل صلة يجعلها كأنما هي في دائرة الشك، فيبعث نفسه حينئذ عليها رقيباً يتصنت أقوالها، ويتتبع حركاتها، ويجمع المعلومات حولها .. فأي حياة هذه؟ وأي أمر هذا الذي يدفع إلى مثل هذا؟

واستمع إلى الأمر والهدي النبوي الذي يقي من كثير من الشرور:

كان النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يحب أن يأتي أهله ليلاً؛ خاصة إذا جاء من سفر ونهى النبي- صلى الله عليه وسلم- أن يطرق الرجل أهله ليلاً .. لماذا؟ قالوا لأن المرأة قد لا تكون متهيئة، ولا مستعدة لزوجها فيراها على صورة لا يحبها.

وقال أهل العلم أيضاً: "لأنه بذلك قد يكون كالمخون لها"، كأنما خرج وجاء بغتة ليرى أحوالها وكثير من الناس - وللأسف - فيما رأيت وفيما مضى بي من مشكلات الأزواج والزوجات إذا رأى أمراً يسيراً بدئ يأخذ بأسباب التصنت والتتبع، وهذا أمر منهي عنه في الجملة والنهي عنه فيه مصلحة عظيمة، وفيه سد لأبوب الشر الكثيرة .. فهذا النبي- صلى الله عليه وسلم- يقول: (لا يخبرني أحد عن أحد من أصحابي شيئاً؛ فإني أحب أن أخرج إليهم وأنا سليم الصدر) رواه أبو داود من حديث حذيفة بسند فيه ضعف، وله شواهد عند الترمذي وفي مسند الإمام أحمد.

وأيضاً نهى وبين النبي -عليه الصلاة والسلام- عند أبي داود بسند صحيح: (لا تتبعوا عورات المسلمين، فإنه من تتبع عورات المسلمين يفضحه الله ولو في عقر بيته).

فتتبع هذه الأمور أمر في غالب الأحوال ينتهي إلى كثير من الشرور، وينبغي للإنسان أن يحسن المعاملة، وأن يجيد فن المحاورة، وأن يتقن المصارحة؛ حتى لا يكون كالذي يتلصص أو يتجسس؛ فإن رابه أمر أحسن التوجيه وبيّن ولمح وعرض؛ فإن رأى أمراً صرح وكاشف وذكّر ووعظ؛ حتى ينتهي الأمر إلى خير أما ما يفعله كثير من الناس؛ فإني من واقع تجربة رأيت أن تلصصهم، أو تجسسهم، أو تصنتهم لا يزيد الأمر إلا سوءاً، والطين إلا بلّة، والمشكلة إلا تعقيداً حتى ينتهي الأمر إلى أسوء ما يكون، وهذا من هدى الإسلام الذي يمنع به كثيراً من المشكلات.

وأيضاً من هذا الباب الذي نختم به بالنسبة للأزواج: الحرص على إدخال السرور على الزوجات ليس مجرد المعاشرة العادية وإنما كل سبب من الأسباب كالمداعبة والممازحة وكثير من الناس يرى أن في ذلك قدحاً في رجولته، أو نقصاً في هيبته، أو زعزعة في قوامته كيف هو وهو الرجل مع المرأة كيف يتباسط وهو القائم بأمر الأسرة مع أفرادها، وهي الزوجة ونقول انظر إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قد جلس إلى عائشة وهي تقص عليه حديث أم زرع الطويل ويختمه عليه الصلاة والسلام يقول: (وأنا لك كأبي زرع لأم زرع إلا أني لا أطلقكِ).

ويجلس مع عائشة عندما أرادت أن ترى حبشة وهم يزفنون في المسجد بحرابهم .. تقول: يا رسول انتظر حتى انظر إليهم، فتقول فجعلت ذقني على كتفه احتجب به، وانظر، ثم قال- صلى الله عليه وسلم- : ( هل اكتفيت ؟ ) فتقول عل رسلك - يعني انتظر - فجعل النبي- صلى الله عليه وسلم-  يقف حتى  رأت عائشة ما أرادت أن ترى من هذا المنظر البهيج، وهو عليه الصلاة والسلام واقف لها .

وكان عليه الصلاة والسلام يداعب أهله ويضاحكهم و يسابقهم ويدخل السرور عليهم، وهذا أمر مهم .

ومن ذلك: أمر النفقة: وهو أمر كثيراً ما تكون به المشكلات لما تقتر على أهلك وتنفق على أصحابك أو تدخر لما قد تفعله في ذهنك أنه خير لك، والنبي -عليه الصلاة والسلام- يخبرنا في حديث صحيح واضح يقول فيه كما روى مسلم من حديث أبي هريرة: (دينار تنفقه أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة - يعني في عتق رقبة - ودينار تصدقت به، ودينار أنفقته أهلك أعظمها أجراً الذي أنفقته على أهلك).

تدخل به السرور على زوجتك، وليست النفقة الواجبة فحسب؛ بل كما قال عليه الصلاة والسلام: (تهادوا تحابوا).

اهدها وادخل عليها السرور؛ فإن المرأة لمثل هذا تنقاد وتستجيب وتلين وتكون عشرتها بعد ذلك حسنة، وهذه أمور كثيرة من الأمور التي وجهنا إليها الإسلام، وأرشدنا إليها المصطفى- صلى الله عليه وسلم-  إن أخذنا بها استقامت لنا الحياة .. وسنرى في جانب الوقاية بالنسبة للمرأة وما بعد ذلك ما هو خير لنا. فنسأل الله -عز وجل- أن يجعل بيننا وبين أزواجنا المودة والمحبة، وأن يجعل بيوتنا موضع للسكينة والسكن، وأن يجعلنا من القائمين بأمر الله، المتبعين لهدي رسول الله- صلى الله عليه وسلم-.

نسأله -عز وجل- أن يصلح زوجاتنا، وأن يهدي ذرياتنا، وأن يجعلنا وإياهم من عباده الصالحين..

 

14-08-2007

 

http://www.islameiat.com                       المصدر: