المنهج الوقائي في الإسلام ( 1 )
د. علي بن عمر بادحدح
الخطبة الأولى:
أما بعد أيها الأخوة المؤمنون:
الإيمان هو النعمة الكبرى، والإسلام هو المنة العظمى، والقرآن هو الهداية التي ليس بعدها هداية..
وقفة بعدها يطول الحديث فيها عن " الوقاية في الإسلام " ذلك المنهج الذي يدفع الله - عز وجل - عنا به من الشرور، ويقينا من الآثام، ويسلّمنا من الرزايا والبلايا إذا استمسكنا بإيماننا، والتزامنا بإسلامنا، وإتباعنا قرآننا، واقتفيا آثار نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -.
" الوقاية خير من العلاج "، و" درهم وقاية خير من قنطار علاج "، هذه مقالات نعرفها ونحفظها؛ بل نعتقدها ونستيقنها، بل ونأخذها ونعمل بها، ونطبقها في مجال الصحة والطب، وكل يوم يمرّ علينا.. نرى حملات للوقاية من شلل الأطفال، وأخرى للوقاية من الحصبة، وثالثة ورابعة.. فهل الوقاية مختصة بالأجساد والأبدان؟ وهل مشكلتنا في الأجساد وأمراض الأبدان؟!
إن المسألة التي يعالجها الإسلام أعظم وأشمل وأكمل من هذه الجوانب التي لا تمثل إلا جزءً يسيراً من هذا الدين العظيم..
إن هذه الشعارات التي تعمل لها الحملات بالتوعية تقتنع الناس ويوقنوا بأن العمل قبل وقوع الضرر أفضل لهم وأيسر، وأنه أقوى أثراً، وأوفر في التكاليف التي قد يتصورونها أو يرونها.
ما هو معنى الوقاية؟ إن الوقاية تشتمل على معنى الصيانة والحماية إنها حفظ ورعاية، كذلك ستر وحماية.
وقاه من الشيء، أي: " صانه ووقيت الشيء إذا حفظته وسلمته من الأذى ".
كما قال - جل وعلا -: {فوقاهم الله شر ذلك اليوم و لقاهم نظرة وسروراً}.
ولابد أن نفهم أن الوقاية ينبغي أن تكون شاملة للأبدان والقلوب والعقول؛ لأنه ما الفائدة إذا صحت الأبدان، وضلت العقول! وما الفائدة إذا سلمت الأجساد وزاغت القلوب!
نسأل الله - عز وجل - السلامة.
إن العالم اليوم يبذل كما قلنا مئات الآلاف من الملايين لشأن الصحة و منظمات للصحة العالمية وأبحاث وتجارب وكثير وكثير، لكنه لا يغدو أن يكون في دائرة ضيقة، ولا يغدو أن يعالج أسباباً محدودة.. فإذا بنا نرى أن الأمراض تتكاثر وتعظم، وأن الضحايا تتوالى وتتابع؛ لأن العلاج إنما يتناول جزءاً واحداً كأنما أنت في مكان تخشى عدواً فأحكمت إغلاقاً بابٍ من الأبواب إغلاقاً جيداً، ولكن الأبواب الأخرى أو بعض النوافذ مفتوحة؛ فإنه ولاشك سوف يدخل عليك العدو أو يأتيك البلاء الذي نحذره من جانب آخر!
ما الفائدة إذا عملوا على تحصين الأجساد وتلقيحها والبحث عن أدوية الأمراض ولم يعالج أسبابها الانفراط الأخلاقي، والانحلال السلوكي الذي يؤدي إلى مثل تلك الأمراض ونحو ذلك كثير؟!
لننتبه إلى أن الوقاية التي نريد أن نتحدث منها ويطول حديثنا عنها في لقاءات متعددة؛ أنها تشمل الإنسان كله، وتشمل الفرد وحده كما تشمل المجتمع بأمته.
إنها وقاية تغير وجه الحياة لتجعلها مبنية على الأمن والسلامة باطناً وظاهراً، وتئد الأمور في مقدماتها، وتعالج الأمراض من أسبابها، وتوقف الخطر من متابعة.. وهذه هي المهمة الأعظم الأشمل الأكمل التي لا يمكن بحال من الأحوال أن تتوفر إلا في وحي الله - عز وجل - الذي أكرمنا به وأنعم علينا به.
يقول ابن القيم - رحمه الله تعالى -: " المرض نوعان: مرض القلوب، ومرض الأبدان؛ وكلاهما مذكور في القرآن، ومرض القلوب ينقسم إلى قسمين: مرض شبة وشك، ومرض شهوة وغي، وكلاهما مذكور في القرآن ".
وهذا الذي ينبغي أن ننتبه له ولنعلم أن الوقاية تقوم على أمرين اثنين مهمين:
أولهما: التقوية
وهي التي تماثل في الطب التغذية أننا قبل أن نحقق أول أسباب الوقاية، هي أن يكون هناك قوة في البدن.
ثم بعد ذلك نأتي إلى الجانب الآخر وهي: الحمية
وهي عند أهل الطب الحمية؛ فإنه لابد أولاً من أسباب قوة توفر لهذه الذات، قوة ذاتية للجوانب المختلفة، ثم نحافظ على هذه القوة التي أنشأناها بذلك الغذاء بأن نحميها من العوارض والأسباب التي تنقض تلك القوة، أو التي تضعفها، وهذا هو منهج الإسلام يقوي الإنسان بإيمانه وإسلامه ويقينه بالله - عز وجل -، وزكاة نفسه، وطهارة قلبه، ورشد عقله، وحسن قوله وصلاح عمله، فإذا كان هذا النموذج الإيماني القرآني النبوي حرصنا على حفظه بعد ذلك لتبقى له هذه القوة في إيمانه وخلقه، وقوله وعمله، فنقول له: احذر كذا وكذا، وانتبه من كذا وكذا، ولا تفعل كذا؛ لأنه يؤدي إلى كذا فتجيء الشرائع كأنما هي سياج أمني حافظ لتلك القوة أن يصيبها ضرر، وكأنما هي خطوط للدفاع الأولية والتي تليها؛ حتى يبقى المؤمن في حصن من إيمانه، وفي سياج من إسلامه، وفي قوة من يقينه بإذن الله - سبحانه وتعالى -؛ لننتبه إلى صور عامة ننظر إليها في بعض آيات القرآن، وبعض أحاديث المصطفى - صلى الله علي وسلم-؛ لنرى ما الذي نقصده أو لنعرف ما المعنى الذي نريد أن نبينه في شأن الوقاية الإيمانية " الوقاية في منهج الإسلام "للنظر إلى أمثلة من الوقاية العقدية والأخلاقية والاجتماعية في عجالة سريعة؛ حتى ندرك ما المفهوم الذي نتحدث عنه.
فالوقاية العقدية تقوية وإقامة للحجة، وإظهار للبرهان على وحدانية الله - سبحانه وتعالى - وعلى ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، وعلى قضايا الإيمان كلها من الإيمان بالرسل والأنبياء والكتب والصحف، وما يكون في اليوم الآخر والقدر خيره وشره.. كل ذلك منصوص في آيات القرآن {فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك}، {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا}، {ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذن لذهب كل إله بما خلق}، {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله}.. وآيات كثيرة في إثبات البعث الذي ينكره المنكرون، ويعترضون عليه؛ لضعف عقولهم وجهلهم، فيأتينا القرآن في أمثلة وقصص وإثباتات كثيرة {وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحي العظام وهي رميم * قل يحيها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل شيء عليم}.
وأمثلة يضربها الله - عز وجل - في الحياة التي تبعث في البذرة الصماء؛ حتى تكون نباتاً يزهر ويثمر إلى غير ذلك.
ثم يأتينا جانب الحماية والتحذير والوقاية بعد هذا البناء، الذي قام على أسس راسخة من الأدلة الظاهرة، والحجج القاطعة {فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور} ويأتينا التحذير {لا تجعل مع الله إلهاً آخر فتقعد مذموما مخذولاً}، وتأتينا الآيات القرآنية المحذرة من الشرك، ومن كل أسبابه والمبطلة بصوره عند أربابه، فيكون هذا منهجاً متكاملاً نلمح إليه في هذه العجالة أو ألمحنا إلى بعض صوره من خلال هذه الآيات.
يأتينا الوقاية النفسية من أمراض كثيرة وعلل عديدة من أهمها شح النفس وأمراض القلب {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون}.
ووقاية أخلاقية تسلم الإنسان من الفواحش والفتن {ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن}، {ولا تقربوا الزنا إن كان فاحشة وساء سبيلاً}، والتعبير القرآني كما نعلم بقوله: {ولا تقربوا}، أي لا تقربوا منه، لا تفعلوه ولا تقربوا منه، أي لا تفعلوا ما يؤدي إليه أو يقرب منه، فالنهي أعظم وأشمل، والوقاية أتم وأكمل.. ونرى في ذلك كثير وكثير من الآيات التي تبين لنا هذا الوجه وتحثنا عليه.
وتأتينا الوقاية الاجتماعية، التي تسلم المجتمع من الأمراض التي تفتك به، وتقطع أواصره، وتجعل الشحناء في القلوب، والبغضاء في النفوس.. فيأتينا قول الله - سبحانه وتعالى -: {يا أيها الذين ءامنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا و لا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه}، استمع إلى هذه الآيات وهي في التحذير وفي الوقاية وفي التنبيه على الأمر اليسير الذي قد يكون ظناً يجول في الخاطر، أو يجوس و يحوك في النفس، وإذا به ينتقل من طور إلى طور؛ حتى يدفع إلى التجسس والتحسس، ثم يدفع إلى القول والغمز واللمز والغيبة والنميمة، ثم يدفع إلى التباغض و التدابر، ويؤدي إلى ما تحمل عقباه، والله - سبحانه وتعالى - يبين لنا أيضاً فيقول: {واجتنبوا قول الزور} لما يؤدي إليه أيضاً من الأمور الاجتماعية الخطيرة {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات}، {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} بناءً بالاعتصام بالكتاب والسنة، وحماية من الفرقة؛ حتى يبقى المجتمع متماسكاً مترابطاً.
والوقاية الاقتصادية في أن يكون الإنسان المسلم متبعاً لشرع الله في بيعه وشراءه، وكسبه وإنفاقه، كما أخبر الحق - سبحانه وتعالى -: {يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين} وقليل الأمر في مثل هذا و قليلة سواء.
والله - سبحانه وتعالى - يسوق لنا الآيات في كثير من جوانب الحياة ليعلمنا ما الذي يدعوه إليه إيماننا، وما الذي يرسمه لنا إسلامنا، ثم يحذرنا ويقينا ويسلمنا من الزيغ والضلال والانحراف عن ذلك، ويكشف لنا ما يؤول إليه الأمر، أو ما آل إليه الفعل لمن ارتكب مثل ذلك من أهل الكفر والضلال؛ فإن العاقبة تكون وخيمة والخاتمة تكون شر خاتمة.. نسأل الله - عز وجل - السلامة.
وإذا التفتنا إلى سنة المصطفى - صلى الله عليه وسلم -؛ فإننا سنرى أحاديث كثيرة، كلها يبدأ بقوله (إياكم)، إنها لفظة التحذير التي ترفع الضوء الأحمر، أو الراية الحمراء للتدليل على الخطر قبل وقوعه والتنبيه إليه قبل الوصول إليه.
فهذا رسولنا - عليه الصلاة والسلام - يقول: (إياكم والجلوس في الطرقات)، قالوا: يا رسول الله مجالسنا مالنا منها بد! قال: (فإن كنتم فاعلين فأعطوا الطرق حقه.. غض البصر ورد السلام وكف الأذى) وهذا من تحذير - عليه الصلاة والسلام -، ولفت نظره إلى ضرورة الوقاية لما نرى حالنا اليوم عليه عندما لم يأخذ الناس بهذا التحذير، فصار عندنا في مجتمعاتنا ما نشكو منه من جلاس الطرق، وأبناء الشوارع الذين يؤذون الرائح والغادي، ويتعرضون للنساء، ويفعلون و يفعلون.. وهذا جزء مما يقع إذا لم يأخذ الناس بالتحذير، وإذا لم يلتزموا الوقاية.
وهذا رسولنا - عليه الصلاة والسلام - في شأن الفتنة العظمى، والبلية الكبرى التي بدأ الناس يتجاوزون فيها حدود الوقاية، ثم يشكون من الآثار والأضرار والأخطار في شأن المرأة، ودعوة الاختلاط والتخطف من الحجاب ونحو ذلك، ولنا عن كل هذا أحاديث مفصلة يقول المصطفى - صلى الله عليه وسلم -: (إياكم والدخول على النساء) قالوا: يا رسول الله أرأيت الحمو؟! قال (الحمو الموت)، والحمو من أقارب الرجل.
ولعل هذا الحديث بمجرد التأمل في لفظه من غير شرح ولا تفصيل يبين لنا أن القضية تحذيرية، وأنها إشارة قوية لئلا يقع المحضور الذي يكون بعده عض أصابع الندم، و اللطم أو محاولة العلاج ولا يكون هناك فائدة.
ويقول - عليه الصلاة والسلام -: (لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم)، (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم) وغير ذلك من أحاديثه - عليه الصلاة والسلام - عن الناحية الإيمانية و التربوية، فيما روى الإمام أحمد: (إياكم ومحقرات الذنوب فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه)، وكم نرى نحن في حالنا ما نقول فيه أو عنه هذه بسيطة، وهذه يسيرة، وهذه لا بأس بها وهذه نسأل الله عنها العافية، وهذه وهذه.. حتى تهلكنا تلك الذنوب التي نراها صغائر.
وكان أنس - رضي الله عنه -، يقول: " إنكم تعملون أعمالاً هي في أعينكم أدق من الشعر كنا نعدها على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الموبقات"، فلما حذروا ولما انتبهوا ولما تيقظوا، ولما كانوا على أهبة الاستعداد، وعلى قدم المواجهة وعلى عقلية اليقظة والفطنة تنبهوا لذلك فسلموا وعوفوا بإذن الله - عز وجل -، ولما غفل الغافلون وتساهل المتساهلون، وفرّط المفرطون وردت إلينا أدواء القلوب، وأمراض النفوس وشاع أو بدأ يشيع بين الناس بعض المنكرات، وبعض الجرائم وبعض المشكلات التي يلتمسون لها حلاً..
والحل فيما فرطوا فيه وفيما تركوا من أسباب الوقاية.. فأباً لا يسأل عن ابنه، ولا يلتفت إلى ابنته، ولا يربي أبنائه، ثم يشكو أن ابنه صار صريع المخدرات، أو أن ابنته صارت من اللاهيات العابثات.
وهذا أمرٌ نعرفه في حياتنا الاجتماعية، وحتى في الجوانب المهمة الأخرى تأتينا التحذيرات النبوية: (إياكم والغلو في الدين)، (هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون )، وقال: (إن المنبت لا أرضاً انقطع ولا ظهراً أبقى)، وقال (إن هذا الدين يسر ولن يشاد هذا الدين إلا غلبه فأوغلوا فيه برفق).. هكذا أخبر النبي صلى الله عيه وسلم حتى فيمن يريد أن يزيد أو أن يتقدم، ولكنه يتقدم فيما لم يثبت في كتاب الله، وبما لم يؤثر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويجعل من سنة واجباً، ومن الواجب فرضاً، ويغيّر الأمور حباً لزعمه للخير، ورغبة في القوة للحق، وهو متنكب على الطريق، ينسى ما حذر منه النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وهكذا نرى في القرآن والسنة منهجاً واضحاً لهذه الوقاية، وتأكيداً عليها، وتنبيهاً على أهميتها، وتنبيهاً بخطر التهاون فيها.
ولنا وقفة هنا مهمة عند أسس الوقاية كيف تبنى هذه الوقاية، أو كيف بنيت في المنهج الإسلامي والقرآني؛ لأننا من المهم أن نعرف ذلك لانعكاسه على فهمنا، وعلى ما يترتب على ذلك من التصور والعمل:
أولاً: أساس العلم
إن الطبيب على سبيل المثال وهذه والحملات الطبية لا تقوم على التحذير من شيء إلا بعد العلم من خطره وضرره، وهي تحذر - مثلاً - من شرب الماء غير النقي، أو تحذر من التعرض لأجواء بعينها، أو تحذر أو تطعم الأطفال من أمراض بعينها عند الصغر من أين جاء ذلك؟ من علّمهم بأن هذا الأمر سيؤدي إلى كيت وكيت؟ فالعلم أولاً هو أساس هذه الوقاية.
ونحن وقايتنا ربانية - بحمد الله - والله - عز وجل - هو العالم يقول: {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} لآن ظن أهل الطب أنهم يعلمون عن الإنسان حتى في جانبه المادي في جسده وأجهزته الهضمية والأجهزة الأخرى؛ فإنهم في الحقيقة حتى الآن لا يعلمون من ذلك إلا قليلاً، ومع ذلك فإنهم يجهلون الكثير والكثير من حالة الإنسان العقلية والنفسية.
والله - عز وجل - الذي شرع لنا الشرائع، وأكرمنا بالإيمان، وأعزّنا بالإسلام هو العالم لما يصلح لهذه النفوس، وما يداوي تلك القلوب وما يرشد تلك العقول، وما يقوّم السلوك، وما تقع به المودة، ويحصل به الوئام بين الناس هذا كله من رحمة الله - عز وجل - بنا.
وأيضاً من العلم اللازم أو العلم الذي تؤسس عليه الوقاية العلم بمآلات الأمور؛ فإن الأطباء ونجعلهم مثلنا الدائم هنا يعلمون أن هذه الأمراض تؤدي إلى الوفاة، وأن تؤدي مثلاً إلى كيت وكيت، وأنها تستنزف من الأموال في العلاج إلى كذا وكذا؛ وبالتالي فإن كل خطر يعرفونه يجعلون الوقاية بقدره، فإذا كان الخطر عظيماً وجسيماُ ونتائجه في غاية الضرر؛ فإن الوقاية أو التحذير منه تكون خطيرة.
كما نرى التحذير اليوم مشدداً ومؤكداً من المخدرات، لماذا؟ لأنها تلف للعقول وإنهاكاً للأبدان، وضياعاً للأموال واختلال للأمن، وانتهاكاً للأعراض؛ لأنها بلية البلايا، ورزية الرزايا، فيكون التحذير مناسباً لما يكون إليه الأمر، كما قال الله - عز وجل -: {إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير}.
كل شيء من شرع الله يترك أو يهجر العاقبة أنه تكون فتنة، ويكون اختلال ففي الاقتصاد طبقيات، وفي الاقتصاد تضخم، وفي الاقتصاد بطالة نتيجة تنكب شيء من شرع الله - عز وجل -، وفي الاجتماع انحلال شذوذ وخراب ونحو ذلك نتيجة لتنكب أمر الله - سبحانه وتعالى - كما أخبر الحق - جل وعلا -: {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى} ويقول المصطفى - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه الترمذي: (إذا آتاكم من ترضون دينه خلقه فزوجوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير)، تأمل حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -، وانظر الواقع الذي يحيط بك من حولك ترى أن مخالفة الأمر الأول وقع بسببها الفتنة والفساد الكبير نسأل الله - عز وجل - السلامة.
والأساس الثاني للوقاية هو: الرحمة
فإن الطبيب أو الأطباء إنما يحذرون ويقومون بالتوعية، ويفعلون أسباب الوقاية رحمة بهذا الإنسان أن يقع فريسة المرض ويعجز حينئذ الطب وغيره عن علاجه، وإذا به يدوي كالزهرة الذابلة شيئاً فشيئاً يفترسه ذلك المرض العضال السرطان فيمصه مصاً حتى يموت.
وهذه الرحمة في الطبيب أو في الأطباء أو في كل الذين يتقدمون بالحلول لعلاج مشكلات المجتمع أمر لازم، ولذلك عندما تنزع الرحمة نرى ما يفعله من يدعون التحضر والتقدم والحضارة والإنسانية وحقوق الإنسان عندما يجربون الأدوية والأمصال الحديثة يجربونها في الإنسان، ولكن أي إنسان إفريقيا المسكين، أو الإنسان المسلم، أو يفعلون تجارب على الأسلحة في بعض هذه المواجهات التي يفعلونها هنا وهناك.. أولئك قوم تجردوا من الرحمة أولئك قوم نالهم من الغطرسة والغرور ما أعمى بصائرهم عن كل معاني الإنسانية التي يدعونها والحديث في هذا يطول والأمثلة كثيرة والشواهد شهد بها لسان القوم والحق ما شهدت به الأعداء.
والله - عز وجل - هو أرحم بعباده من كل الناس، بل هو أرحم الراحمين - سبحانه وتعالى -، ولذلك نجد أن رحمة الله - عز وجل - كانت في إرسال الرسل، وإنزال الكتب، وفي الهداية التي ساقها إلى الناس ليستنقذهم من الظلمات إلى النور وليستنقذهم من الهلاك إلى الأمن والسلام، فرحمة الله - عز وجل - ساقها لنا في هذا القرآن العظيم وأكرمنا بها في بعثة النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - إنها رحمة ما بعدها رحمة، وإنها نعمة ما بعدها نعمة أن سهل الله - عز وجل - لنا ذلك؛ لأن الله - عز وجل - رحيم بعباده ولا يرضى لعباده الكفر والله - سبحانه وتعالى - لا يريد للخلق إلا الخير والرحمة.
وإنما يتنكب الناس الصراط بقدر الله - عز وجل - ولحكمته البالغة ونرى قوله - جل وعلا -: {ورحمتي وسعت كل شيء}، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث القدسي عن رب العزة والجلال: {سبقت رحمتي غضبي}، وقول المصطفى - صلى الله عليه وسلم -: (لله أرحم بكم من هذه بولدها)، عندما ضمت امرأة ولدها الرضيع إلى صدرها قال: (أرأيتم هذه ملقية بولدها في النار) قالوا: يا رسول هي أرحم به من ذلك، قال: (فالله أرحم بكم من هذه على ولدها).
والأساس الثالث هو: التجرد والاستغناء
فإن الذي يريد أن يأخذ مبدأ الوقاية يكون متجرداً؛ لأنه إن كان هو في ذاته صاحب مصلحة في أمر أو في آخر، فأي شيء يقع إنه يغلب مصلحته ويترك الوقاية للناس أو الرحمة بهم.
انظر إلى شأن التدخين، وما أدراك ما التدخين! الذي أثبتت الأبحاث الطبية أنه السبب المباشر لثمانين بالمائة من الذين يصابون بأمراض تصلب الشرايين، وأمراض السرطان.. نسأل الله - عز وجل - السلامة.
ماذا يفعلوا أولئك الذين أثبتوا بأبحاثهم أن هذا البلاء موجود في هذا الدخان هل تراهم تآزروا حتى يمنعوه؟ أو تناصروا حتى يوقفوه؟
إنهم يكتبون كلمات " التدخين يضر بصحتك "، "ننصحك بالامتناع عنه " ويدفعون الأموال ليعوضوا بعض من تضرروا، وكأنهم يقولون نحن لا نعرف إلا الدولار والدينار.. نحن لا يهمنا إلا ما يدخل إلى الجيوب من مئات الآلاف، أما الصحة ومنظماتها، وأما السلامة وأما الوقاية وأما البيئة وأما كل هذا فتحت الأقدام يداس في الواقع لا بمجرد القول.
وانظر إلى ما يقال في هذا:
لماذا تخفيض نسب التدخين في البلاد الغربية والأوربية بنسب كبيرة ورفعه بنسب عظيمة في آسيا و إفريقيا؟
هذا يدلنا على أن أصحاب المصالح لا يمكن أبداً أن يكونوا أصحاب منهج يقدموا للناس فيه الخير ويمنعونهم من الشر.
ونحن أكرمنا الله - عز وجل - هو الذي شرع لنا، وهو الذي أنزل الإيمان، وهو الذي أنزل القرآن، وهو - سبحانه وتعالى - الغني عن الناس الصمد الذي لا تضره معصية العاصيين، ولا تنفعه طاعة الطائعين {قل هو الله أحد * الله الصمد} أي الذي تصمد إليه الناس في حوائجها.
{يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد} الله - جل وعلا - يريد للناس الخير، وهو - سبحانه وتعالى - أعظم وأجل من أن يكون له صلة بنفع أو ضر من هؤلاء الخلق، بل هو النافع - سبحانه وتعالى - وهو الضار.
ولذلك منهجنا وديننا الذي هو من الله - عز وجل - لا من البشر لا تتنازعه الأهواء، ولا تتجاذبه المصالح، كما هو واقع في دنيا الناس اليوم.. فنسأل الله - عز وجل - لنا ولكم والوقاية والسلامة والحماية.
الخطبة الثانية:
أما بعد أيها الأخوة المؤمنون:
وقفة أيضاً حول هذا الموضوع في ثمار الوقاية فوائدها؛ حتى ندرك أننا بصدد أمر عظيم وفائدة كبرى، ونعمة عظمى ينبغي أن نحرص عليها، وأن نعض عليها بالنواجذ، وأن لا نفرط فيها، وأن لا يضحك علينا أعدائنا بزخرف من القول وبهرج من الألاعيب والأباطيل، التي يريدون أن يصرفونا بها عن ديننا.. لئن كنت في منزل محصن تسلم فيه من الأذى ومن البرد والحر؛ فإنك تكون مغفلاً إن جاءك من ينزلك منه، يقول: تعال إلى حيث هذا الانطلاق وهذا الفراغ، وهذا الجو الجميل، ثم تخرج وإذا أنت في العراء ليس لك مسكن يؤويك، ولا بيت يحميك.. هذا الذي يريده أعدائنا.
ثمار الوقاية
ثمار الوقاية عظيمة جداً وكبيرة ولا يمكن أن يقدر قدرها أحد، ولا يمكن أن توزن ولو بذهب الدنيا كلها:
أولها: الطمأنينة والسلامة والأمن والأمان
سكينة النفس وطمأنينة القلب، وهدوء البال والخاطر.. إنها تلك السلامة التي يأمن لها الناس على أموالهم وأعراضهم، والتي يكون فيها بينهم من هدوء البال ما يشغلهم كما نرى في العالم المحموم اليوم امرأة لا تأمن عرضها، وتاجر لا يأمن على ماله، وأخ لا يأمن أخاه، وصديق لا يثق بصديقه انظر إلى العالم اليوم.. إن الغابة التي يقولون عنها وشريعة الغابة إنها تعد اليوم مثلاً يسيراً هيناً، وتعد شيئاً لا يذكر أمام الغابة الإنسانية البشرية الوحشية التي تفتك بالأسلحة المدمرة، والتي تقتل بالأمصال، والأدوية والتي تفعل الأفاعيل والتي غاب فيها عن الناس كل أنواع السكينة والطمأنينة إلا من رحم الله وأكرمه بالإيمان.
انظر إلى عالم الغرب اليوم انظر إلى تلك الحيرة والاضطراب الذي سنذكر له أمثلة يسيرة في حديث اليوم و نعقبه بعد ذلك بالتفصيل الذي يأتي في كل باب من أبوا ب الوقاية.
والثمرة الثانية: النظافة والطهارة
إن الإنسان بإنسانيته يعف عن الدنايا، ويترفع عن الرذائل، وله من فطرته أمور تدفعه إلى أن يستر العورات، وإلى أن يكون نزيهاً نظيفاً طاهراً، وانظر إلى من تركوا أسباب الوقاية لقد سابقوا ونافسوا الحيوانات في العري، وفي الشذوذ، وفي كل أنواع القذارة التي لا يمكن بحال أن يتصورها عقل إلا عندما تمسخ الفطرة مسخاً..
ونحن نعرف ونسمع من أخبار القوم ما يعف الإنسان عن ذكر مثله دائماً فضلاً عن أن يذكر في بيوت الله المطهرة.
والفائدة الثالثة هي: القوة والتماسك والمحبة والوئام
إن وجود الوقاية والتزامها إذا أفاض الطمأنينة في القلوب، وإذا أوجد النظافة في السلوك؛ فإن ذلك يعني أن القلوب تعمر بالمحبة، وأن هذا المجتمع يكون عنده أسباب القوة والتماسك، فليس هناك إهدار للمال لعلاج الأمراض الناشئة عن الانحراف الخلقي، وليس هناك إهدار للمال بالإنفاق على جيوش وأجهزة تحظ الأمن الضائع، وإذا بأصحاب الأمن أنفسهم هم الذين يضيعون الأمن.
وحسبك أن تعرف أخبار المدن الكبرى في الولايات المتحدة وفي الدول الأوربية؛ لتعرف كيف يصرفون المبالغ الهائلة لحفظ الأمن ويكون أصحاب الشرطة والقائمون عليها بعد ذلك هم الذين يخلون بالأمن ويكون المال هو الذي يسير الأمر إن هذا المجتمع تتقطع أواصره بكل هذه الانحرافات التي خاض فيها الناس عندما تجاوزوا الحدود وعندما لم يلتزموا الوقاية.
وأخيراً أحبتي الكرام:
إن القضية مهمة وإن إثارتها في مثل هذا الوقت أكثر أهمية إننا اليوم أمام دعاوى العولمة، وأمام دعاوى الانفتاح، وأمام دعاوى وحدة الأديان و الإخاء، وأمام دعاوى كثيرة من الإنسانية والأوصاف التي تريد أن تخرجنا من حدود وقايتنا.
لماذا تريدون أن تكونوا هكذا؟ لماذا تمنعون المرأة من الاختلاط؟ لماذا تمنعونها من أن تلبس ما تشاء؟ لماذا تحدون من حريتها؟
وفي جوانب أخرى أيضاً: لماذا تمنون الكتب التي تعبر عن حرية الفكر؟ ولماذا تحاكمون من يجترئ على ذات الله - عز وجل - أو يسخر برسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ إن الفكر ينبغي أن يكون حراً وينبغي أن لا يكون هناك حدود!
وتأتينا أيضاً دعاوى ودعاوى كثيرة تريد اليوم أن تزعزع ثوابتنا، وأن تهدم أسوارنا التي تحمينا حتى نكون مثلهم، وحتى نصبح كلأ مباحاً - كما هو الحال عندهم - وحتى ينفرط عقد الأمن الذي ننعم به، فيصبح حالنا كحال تلك البلاد في كل دقيقة واحدة تسجل جريمة اغتصاب وجريمة قتل وجريمة سرقة.. أي حياة هذه؟ وأي أمن هذا؟ وأي حضارة تلك؟ وأي تقدم هذا الذي يوصف؟ وأين هي معاني الإنسانية في تلك الوحشية في الاغتصاب، أو في ذلك الاعتداء على الأطفال الصغار، أو في ارتكاب هذه الجرائم مع المحارم؟ أبٌ يهتك عرض ابنته من الخامسة حتى الرابعة والعشرين، وأخبار كثيرة وقصص لا نقولها نحن وإنما يظهرونها هم في وسائل إعلامهم.
إنها الحياة الشقية النكدة التي يراد أن يجر المسلمون إليها بأن يشككوا في مثل هذا، ونحن نريد أن نقف وقفات طويلة لننظر إلى منهج الوقاية في الإيمان، وما أكرمنا الله به وما منعنا منه وحذرنا؛ حتى لا نؤتى من بدعة تتسلل إلينا، ولا من غلو يخرج بديننا عن وسطيته واعتداله، ولا من حرية فكر تؤدي إلى إقرار الكفر؛ فإنه - كما يقولون - هناك شعرة طفيفة خفيفة بين حرية الفكر، وحرية الكفر يريدون أن يغالطونا، وأن يعموا علينا الأمور..
والحمد لله - عز وجل - آتانا الله من حجج القرآن الساطعة، ومن هداية النبي - صلى الله عليه وسلم - الواضحة، ومن تاريخ أمتنا العريق، ومنّ وعينا ومن يقظة علمائنا، ومن حركة دعاتنا ما ينبغي أن نفرح به، وأن نستزيد منه، وأن نقبل عليه؛ حتى يبقى لنا آثار تلك الوقاية التي ذكرناها؛ حتى يبقى لنا طمأنينتنا وأمننا؛ حتى يبقى لمجتمعاتنا نظافتها وطهارتها؛ حتى يبقى لأمتنا قوتها وتماسكها..
نسأل الله أن يقينا وإياكم الشرور والفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يسلمنا بإسلامنا، وأن يؤمننا بإيماننا، وأن يهدينا بقرآننا، وأن يكرمنا بإتباع نبينا - صلى الله عليه وسلم -.