التمذهب بين الإسلام والعلمانية

أحمد دعدوش

 

لم يشهد التاريخ الإسلامي حملة مماثلة من اتهامه بالتعصب، كالتي يتعرض لها المسلمون اليوم، وذلك بالرغم من قيام الحضارة الغربية المعاصرة على تاريخ يفيض بالتعصب ونبذ الآخر، وإلى درجة تصفية شعوب بأكملها، واستحلال ممتلكاتها وتشويه ثقافتها وتراثها.

 

وإذا كان البعض يجادل ـ عند بحثنا عن جذور هذا المرض ـ في مدى خطورة التمذهب على الفكر والسلوك البشري، إذ لا يملك أحدنا أن يثبت ضرورة انقلاب التمذهب إلى التعصب، فإننا نتفق جميعا على أن الطريق إلى التقوقع وإقصاء الآخر، لا بد وأن يمر بالميل إلى التمذهب المفضي إلى إصدار الأحكام المطلقة.

 

ـ التمذهب العلماني:

لقد ولدت العلمانية في أوربا على يد فلاسفة الأنوار، كمخرج للتمذهب الذي تَمثل باحتكار الكنيسة لكل من الحقيقة والمعرفة والخلاص، وذلك في تمظهرها الإنساني أو المؤسسي على حد سواء، حيث تُختزل القداسة وأسرارها في شخص البابا ورجاله، فكان نبذ الدين بالجملة هو الحل الذي انتهى إليه العلمانيون. ومع سقوط القداسة عن الإله المفارق الذي تبين زيف تمظهره في شخص المسيح "الإنسان" وأتباعه، فقد تم تقديم العقل كبديل مقنع ومريح، وأضيفت إليه كل صفات الإطلاق والقداسة، حتى أقيم له نصب يمثل آلهة العقل في إحدى ساحات باريس!

 

وبالرغم من المراجعات الفكرية التي اضطرت إليها فلسفة ما بعد الحداثة، إثر الضربات العلمية الحادة على يد فيزياء الكم والنسبية وفلسفة كارل بوبر في الابستملوجيا، فإن العلمانية الغربية ما زالت حتى الآن تتشبث بالعقل دون أي رغبة في زحزحته عن عرش القداسة لصالح إله غامض ومتناقض كالذي يقدمه النموذج الكنسي.

 

ـ الحل الإسلامي للمشكلة؟

يقدم الإسلام نموذجا متماسكا يستحيل في حال تطبيقه الوقوع في هذا التمذهب، فإذا كانت الموضوعية تعني الترفع عن كل من المصالح الطبقية والنزعات الشخصية والانتماءات القومية والمؤثرات الحضارية والتاريخية، فإن العقيدة الوحيدة التي يمكنها تحقيق هذه الشروط مجتمعة هي الإسلام، المتمثل بمصدره الإلهي المفارق، والذي يقصر مهمة الإنسان ـ بدءاً من رسول الإله إلى البشر ومروراً بالخلفاء والقضاة والعلماء وحتى عامة الناس ـ على التحقق من صحة نسبة نصوص الإسلام إلى مصدرها، ثم تمثلها بالتطبيق النفسي والعملي، دون استئثار شخص أو فئة من الناس بحق احتكار النصوص روايةً أو درايةً، وإنما يقتصر دور السلطان- الذي يمثل السلطة التنفيذية- على تطبيق ما تأمر به السلطة التشريعية، حيث تستمد هذه الأخيرة سلطتها من قدرتها الذهنية والنفسية على فهم النصوص واستنباط الأحكام، وهي القدرة ذاتها التي تستمد منها السلطة القضائية سلطتها، بينما يحتفظ الأفراد بحقهم المدني في مراقبة أداء وسلوك هذه السلطات بأشخاصها ومؤسساتها، كما يتمتعون بحقهم الكامل في الاحتجاج السلمي ما لم يلجؤوا إلى الحلول الأخرى.

 

ـ الحل على المستوى الأممي:

وعلى الجانب الآخر، يؤمن المسلم ـ الحاكم والمحكوم على حد سواء ـ بأن عقيدته ذات المصدر الإلهي، والتي اهتدى إليها بتوفيق من الله، ليست حكراً عليه أو امتيازاً له، بل هي بالأحرى حقيقة يحتمل مسؤولية منحها إلى أكبر عدد من الناس، محتملاً بذلك كافة أصناف الأذى والرفض، وباذلاً في سبيلها ماله ونفسه. وعليه فإن الإنسان الآخر لا يختلف عنه ـ مبدئياً ـ إلا من حيث عدم حيازته على هذا الحق بعد، ومن البديهي أن يكون لهذا الآخر حق مطالبة المسلم بتوضيح كل ما يجهل من تفاصيل الحقيقة المغيبة عنه، كما يحق له الامتناع عن قبول هذه الحقيقة بناء على مبدأ عدم الإكراه في المعتقد.

 

وبدافع من هذا الواجب الملقى على عاتق المسلم، فإنه مكلف ـ بالضرورة ـ بإطلاع الآخر على الحقيقة، وترغيبه فيها بشتى الوسائل المشروعة، وفي حال وقوف فئة من الناس في وجه المسلم الراغب في أداء هذا الواجب، توجّب عليه دفع هذا العائق بأقل الوسائل خسارة وشدة، فإذا اضطر إلى الدفع بالعنف توجب عليه إنذار خصمه، وأُلزم بالحفاظ على أخلاق الفروسية والنبالة في كافة مراحل القتال، وعلى احترام الأسرى وجثث القتلى.

 

فإن قُتل كان جزاؤه الجنة، وإن انتصر اكتفى بإحقاق العدل دون أن يستأثر لنفسه بشيء من حقوق المنهزم، ودون أن يضع يده على شيء من ممتلكاته ما لم يكن محارباً، ولم يزد عن عرض الحقيقة على الناس بالحكمة والموعظة الحسنة دون إكراه، مسترشداً بالنص القرآني: «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم» [الحجرات 13].

 

ـ الحل على المستوى الفردي:

بناء على ما سبق، فإن المسلم الذي يؤمن ـ بعقله وقلبه ـ بأن عقيدته قد أنزلت من قبل مصدر مفارق للعقل البشري والمصالح الدنيوية، والذي لا يزيد اقتداؤه بعلمائه على تمثل ما يستحسنه من هم أقدر منه على النظر، ولا يخضع في شؤون معيشته إلا لقرار من يستمد سلطته من رضا أغلبية الشعب دون استئثاره بأي حق إلهي، ولا يسجد إلا لخالقه، ولا يؤدي زكاته إلا امتثالا لأمر الله من أجل المصلحة العامة، والذي يؤمن بأن حياته كلها ليست أكثر من مرحلة عابرة سريعة الانقضاء، وأنها فترة اختبار يعقبها حساب دقيق، والذي تنمو في ضميره آلية مراقبة الحسيب الذي يعد عليه أعماله وأقواله، ويؤمن يقينا بأن عمله لن يُكتب في صالحه ما لم يُجرِّد له النية عن كل الشوائب، والذي يعظم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القائل: "لن يزال المسلم في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما "[البخاري: 6355].. فإن هذا المسلم لا يمكن بأي حال أن يجد التمذهب أو التعصب إلى قلبه طريقا، فهو من الله وبالله وإلى الله، وحسبه أن يلقى ربه بريء الذمة لا له ولا عليه.

 

18/10/2007

 

http://www.alasr.ws                  المصدر: