الجزيرة وحرية الرأي!

علي صلاح

7 ربيع الأول 1429هـ الموافق له 14- 3- 2008م

الخبر:

أعربت فضائية الجزيرة القطرية عن أسفها الشديد لما بدر من إحدى المشارِكات في أحد برامجها الحوارية من إساءة للدين الإسلامي الحنيف، وسب للرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم -.

التعليق:

لا يمكن إغفال الدور الكبير الذي لعبته قناة الجزيرة الفضائية في تحريك الماء الراكد في بحيرة الإعلام العربي الذي كان موجهاً لخدمة الحكومات المختلفة, وهو دور رائد بلا شك تم استنساخه بعد نجاحه الجماهيري الكبير عبر عشرات البرامج في المحطات المختلفة، كما تم تقليده في المحطات الإخبارية التي تم تدشينها فيما بعد لكسر احتكار الجزيرة، ومنذ البداية وضح التوجه القومي للقناة الجديدة، في وقت بدا أن هناك ملامح اتفاق بين التيار القومي والإسلامي على بعض القضايا الهامة مثل: خيار المقاومة في فلسطين، والتدخل الأجنبي في الخليج، والموقف من السياسة الأمريكية بشكل عام في المنطقة، ثم بعد ذلك الموقف من احتلال العراق، وغزو أفغانستان, ولعل هذا ما دعا القناة للاستعانة ببعض المذيعين أصحاب التوجه الإسلامي مثل: أحمد منصور الذي كان مديراً لتحرير مجلة المجتمع الكويتية التابعة لحركة الإصلاح, وقام منصور بتقديم عدد من أهم برامج القناة مثل: الشريعة والحياة، ثم بلا حدود، وشاهد على العصر, كما كان الشيخ القرضاوي هو الضيف الأساسي لبرنامج الشريعة والحياة، وأطلق من خلاله عدداً من أرائه السياسية, ولم تمنع القناة إحدى مذيعاتها من ارتداء الحجاب كما فعلت بعض المحطات العربية الأخرى, كما كانت القناة وما زالت منفذاً لإعلان الحقائق، وإظهار صوت المعارضة في عدد من البلدان العربية والتي ينتمي بعضها للتيار الإسلامي.

وعلى الناحية الأخرى استعانت القناة بعدد من المذيعين الذين يخدمون خطها الأساسي وهو الخط القومي، وهو خط يغلب عليه الأفكار اليسارية؛ فتم الاستعانة بفيصل القاسم، وسامي حداد وغيرهما، والخط القومي العلماني الغالب على القناة هو خط بطبيعته قابل للاختراق سواءً من بعض المتعاطفين مع الشيعة؛ بدعوى المقاومة ضد الاحتلال الصهيوني، أو من بعض غلاة العلمانيين تحت شعار "حرية الرأي"؛ مثل ما حدث عندما ظهرت الكاتبة المرتدة وفاء سلطان في برنامج الاتجاه المعاكس لفيصل القاسم، وكالت الاتهامات للإسلام, والقاسم بالتحديد يعلم توجّه هذه المرأة، وسبق أن استضافها في برنامجه، وأعلنت موقفها الحاقد على الإسلام, فما الداعي من الإتيان بها ثانيةً، ووضعها على مائدة الحوار؛ خصوصاً وأن العالم الإسلامي في حالة غليان جراء الإساءات المستفزة من الغرب ضد الرسول - صلى الله عليه وسلم -؟ أعتقد أن للاتجاه العلماني المتشدد داخل القناة دور في هذا الأمر, كما أن رغبة مقدم البرنامج في تسخين الحلقات لتحقيق نسبة مشاهدة مرتفعة له دور أيضاً, وهي سمة القاسم منذ بداية البرنامج؛ حيث يسعى لاستفزاز الحضور دون مراعاة للشتائم التي تخرج منهم مبتعدة بالحوار عن الموضوعية.

الجزيرة تمنع بشكل واضح أي سباب أو شتيمة توجّه لأي حاكم عربي، وتم قطع الخطوط عن كثير من المداخلات لهذا السبب، كما تم مقاطعة عدد من الضيوف بشكل صارم لنفس السبب؛ لذا لم يرَ الكثيرون أن الاعتذار الذي قدمته القناة كان كافياً لتجاوز الموقف.

إن مبدأ حرية الرأي والتعبير ليس مطلقاً حتى في أكبر الدول العلمانية يقول السياسي والفيلسوف البريطاني المعروف جون لوك: "ينبغي على الحاكم أن لا يتساهل مع الملحدين؛ لأنه لا أمان لمن لا يؤمن بالله...", كما نرى عدداً من الدول الأوروبية تجرّم ما يعرف بـ"معاداة السامية" أي "معاداة اليهود" وهم ليسوا من الأنبياء.

هذه السقطة التي وقعت فيها الجزيرة ينبغي أن تلفت انتباه القائمين على القناة لأهمية تلجيم أصحاب الاتجاه العلماني المتشدد, ووضع ضوابط أكثر مهنية عند اختيار ضيوف الحلقات، بعيداً عن الإثارة, فبعض الضيوف الذين يتكرر دعوتهم لا يملكون سوى الصوت العالي، وازدراء أصحاب الرأي الآخر.

القناة - رغم عدد من التحفظات - لا زالت هي الوجهة الأولى في العالم العربي لمن يريد أن يعرف حقيقة الأحداث بشكل عميق؛ وعليها أن تحافظ على ذلك، وأن تسعى لإصلاح أخطائها مع اشتداد المنافسة، وانطلاق المزيد من القنوات الإخبارية وآخرها قناة البي بي سي العربية، هناك كلام كثير يدور في الكواليس حول تحوّل ما في توجهات القناة، ومحاولة تحجيم قدر الحرية السياسية المتاحة فيها، ولعل هذه الأزمة تعطي القناة فرصة للرد العملي، وإظهار حقيقة ما يدور خلف الستار.

http://islammemo.cc:المصدر