عودة البرهانية الجماعة الصوفية المحظورة فى مصر
د. فاطمة سيد أحمد
تعاود الطريقة «البرهانية» الصوفية المحظورة قانوناً في مصر، الظهور بشكل مستتر من خلال مسبحة وورقة بها أسماء الرسول مغلوطة، ويتم توزيعهما في الشارع بواسطة بعض الأشخاص، وقبل أن نذكر كيف عرفنا ذلك؟ فإنه حسب المعلومات التي توفرت لدينا بعد رحلة بحث طويلة مابين دار الإفتاء والأزهر والعلماء المسلمين والمجلس الأعلى للطرق الصوفية، أن «البرهانية» تكونت بالسودان في الستينيات بواسطة مؤسسها «محمد عثمان عبده البرهاني»، بدأت الظهور في مصر مع بداية السبعينيات عندما جاء مؤسسها لزيارة «الحسين»، بعد ذلك خلف «عبده البرهاني» ابنه «إبراهيم» في قيادة الطريقة، ومع بداية التسعينيات قاموا بتأليف كتابين اعترض مجمع البحوث الإسلامية عليهما وحظر تداولهما، وتمت مصادرتهما، وهما «تبرئة الذمة في نصح الأمة» و«بطائن الأسرار» وقد قالوا أن مؤلفيهما من «أهل البرزخ» وقد تم شجب هذين الكتابين للمغالطات التي وردت بهما والمفاهيم التي تقوم على الجان والبرزخ وأشياء أخرى لا يقرها الدين، وتمت مصادرة الكتابين بواسطة وزارة الأوقاف والأزهر وشيخ الطرق الصوفية آنذاك «أبو الوفا التفتازانى»، وعلى هذا الأساس منعت هذه الطريقة من مزاولة نشاطها في مصر لمخالفتها ومغالطاتها، ولكن بعد أن أصبح لها مريدون بأسوان، ومنهم «محمد شاهين حمزة»، ولا نعلم إن كان مازال على قيد الحياة أم لا، وهل خلفه أحد؟ ولكن «حمزة» هو الآخر ألف كتاباً بعنوان «حقائق يختلف فيها الناس وأباطيل يتفقون عليها»، يذكر فيها أن الجان موجود جنباً إلى جنب مع الإنسان، ويتم التزاوج بينهما، ويذكر بأن «البرزخ» حياة أخرى، وأن للأرواح فيها اتصالات دائمة ببعضها، ولها مجالس علم، وهناك يعود شمل الأسرة التي تفرقت بموت أفرادها إلى الانتظام، وهناك لا أمراض ولا عاهات، وينمو الأطفال روحياً حتى يبلغوا سن الرشد ثم يتوقف نموهم، ولهؤلاء الأطفال معاهد علم، ولصغارهم ما يشبه دور الحضانة في الدنيا، هذا أقل القليل الذي جاء بهذا الكتاب الذي تمكنت من الحصول على نسخة منه بصعوبة من أحد مريديهم بالحسين، والذي اختفى بعد ذلك ومازال الكتاب معي. ولكن منذ ستة أشهر حضر إلى مصر حفيد «البرهاني» والذي يقيم بألمانيا، ويدعى «محمد إبراهيم عبده البرهاني» يريد معاودة نشاط «الطريقة البرهانية»، ولكن لا أحد يعلم ماذا فعل وقد غادر مصر..ومن هنا كان التخفي والتستر من «البرهانية»، حيث قام بعض الأشخاص بتوزيع مسبحة وورقة بها أسماء للرسول مغلوطة على الناس والمحلات في الشارع، وحتى الآن لا يعلم هؤلاء الذي يقتنون الورقة المجهولة الهوية والتي تحتوى على 195 اسما للرسول، كما يدعى أصحاب هذه الورقة، ومسبحة عددها مائة حبة، ولها شكل مختلف، إن هذين الشيئين لـ«البرهانية المحظورة».
وقد بدأت رحلة البحث عن هذه الأشياء التي تبدو من أول وهلة غرابتها ومغالطتها، عندما أعطت لي صديقة صاحبة أحد المحلات بشارع قصر العيني هذه الورقة والمسبحة كهدية بعد أن تركهما لها شخص غير معروف، ولا يعمل في هذا الشارع الكبير الذي يضج بالوزارات والمحلات علاوة على مجلسي الشعب والشورى ومجلس الوزراء، ثلاث ورقات وثلاث مسابح، وعمل نفس الشيء مع بعض السائرين في الشارع، وأيضاً مع المحلات الأخرى، ولم ينظر أحد إلى محتوى الورقة ولم يلفت انتباه أحد أن المسبحة غير طبيعية وغير شرعية بالنسبة للمذهب السني الذي يعتنقه الشعب المصري، اختفى هذا الشخص وظل ما وزعه متداولا بين أيدي الناس، حتى وصلت إلى إحداها، ولفت نظري أنه لا يمكن أن تكون الأسماء التي كتبت عن الرسول الكريم كلها صحيحة، وأيضاً شكل المسبحة غريب بالنسب لي، وأردت معرفة مصدر هذه الأشياء، خاصة أن عنوان الورقة بعد البسملة والصلاة على الرسول، كتب «أسماء سيدنا محمد صلى الله - تعالى -عليه وسلم، اللهم صلى وسلم وبارك على اسمه»، وفى أول سطر بالورقة بدأت أسماء مثل «سيدنا - محمد - أحمد - حامد - محمود» بعدها وفى نفس السطر الأول أيضاً وجدت اسم «أحيد - وحيد - ماحي - حاشر»، وبعدها كانت هناك أسماء أخرى غريبة في الورقة مذكورة على أنها أسماء الرسول مثل «أكليل - مجتبى - روح القسط - مفتاح - صاحب القضيب - حزب الله - صاحب التاج - صاحب اللواء - روح القدس - قائد الغر المحجلين- صاحب القدم - صاحب السيف-صاحب الخاتم-رءوف-رحيم-أذن خير-الشهيد.. إلخ».
واعتقدت في البداية أن الورقة خليط ما بين المذهبين السني والشيعي، وعندما عرضت هذا على «سامر القرنشاوي» وهو باحث ومتخصص في المذهب الشيعي، قال لي: إن المسبحة ليست للمذهب الشيعي، وإن بالورقة بعض الأسماء التي لا يمكن أن يطلقها الشيعة على الرسول لأنها خاصة بالأئمة الاثني عشر عندهم، مثل «المجتبى» التي يطلقونها على سيدنا الحسن، و«الشهيد» على سيدنا الحسين، و«صادق» على جعفر الصادق، ومن هنا فإنه مستبعد أن تكون هذه الأشياء تخص المذهب الشيعي، على الرغم من أن في نهاية الورقة السالفة الذكر، كتب فيها عن سيدنا «على بن أبى طالب» كرم الله وجهه، وقد وضعت في برواز للدلالة، وأيضاً كلمة «طالب» كتبت «طلب»، وقد نصحني «القرنشاوى» أن أبحث في الطرق الصوفية، لأن هذه الورقة فيها الكثير مما يردده بعض الصوفيين، إلا أنه شكك في مصداقيتها أيضاً، لأن هناك خلطاً بين الأسماء والصفات للرسول، وأيضاً خلطاً بين أسماء الله وأسماء الرسول، وأن «كليم الله» المذكورة على أنها اسم الرسول، هي الصفة التي تطلق على سيدنا «موسى».. وهكذا.
وبدأت رحلة البحث بـ«الورقة والمسبحة» مارة على بعض الطرق الصوفية مثل «الجعفرية - الدسوقية - العزايم»، ولكن جميعهم أكدوا لي أن المسبحة تخص «جماعة صوفية محظورة» في مصر تدعى «البرهانية» بالسودان، ولها مريدون بأسوان، وأن الورقة لا تمت لأي جماعة صوفية حاصلة على تصديق رسمي من المجلس الأعلى للطرق الصوفية الصادر بها قرار جمهوري، لأنها جماعات ملتزمة ولا تصدر عنها هذه الأشياء، والحقيقة أن الورقة مجهولة الهوية، وبالفعل لو كانت صادرة عن إحدى الطرق الصوفية الكبيرة المعروفة والمعترف بها، لكانت وضعت اسم «الطريقة» في أعلى الورقة، ولذلك يجب معرفة الحقيقة من أهل العلم والمعرفة والمسئولين في المؤسسات الدينية، بداية سألت الدكتور عبد المعطى بيومي وقرأت له في التليفون الأسماء المكتوبة في الورقة، فقال: لا يمكن لأحد أن يطلق أسماء على الرسول الكريم، بغير ما ذكر في القرآن الكريم وهما «أحمد ومحمد»، أما «مصطفى ومحمود» فهما صفتان للرسول مثل «الصادق - الأمين»، وهناك صفات مأخوذة من كتب متناثرة، وأن من يفعل هذا يريد أن يشغل الناس عن الواقع العملي وهو في ذلك لا يفيدهم بشيء، ولكنها تحمل إيحاءات، وأؤكد أن الذين يفعلون ذلك يحاولون أن يتسللوا إلى الفكر ليشغلوا الناس بهذه الأشياء الشكلية التي لا تنتج عملاً.
أما الشيخ «عبد الحميد الأطرش» عضو دار الإفتاء فقد قال لي أن هناك بعض الأحاديث التي تذكر بأن الرسول قال: «أنا العاقب فلا يأتي أحد بعدى»، ومن هنا يمكن لبعض المتصوفين أن يأخذوا «العاقب» على أنها اسم للرسول، وأيضاً الماحي ولكن «الهادي» صفة، و«الحاشر» أيضاً صفة؛ ولكنه طلب منى أن أرسل له صورة من هذه الورقة عبر الفاكس، ولكنى وجدت أنه من الأجدى أن أذهب له لكي أطلعه على المسبحة أيضا، وذهبت إلى دار الإفتاء ليستوقفني موظف الاستعلامات، فأخبرته بأنني أريد مقابلة الشيخ «الأطرش» فقال: غير موجود، فقلت له: أريد أن أقابل فضيلة المفتى في أمر مهم، فقال أنه خـــارج البــلاد، فقـلــت لـــه أريـــد أن أقــابــل أي شـيــخ مسئول بالدار، فقال: ليه؟
فأعطيت له بطاقتي الصحفية لإثبات شخصيتي وقلت له إنني أريد استفسارا في تحقيق مهم، فقال لي: قولي ما هو؟
فقلت له: آسفة أريد مقابلة أحد المشايخ المسئولين، فما كان منه إلا أن أخرج لي استمارة صغيرة لأكتب بياناتي وأترك رقم تليفوني، وأنهم سوف يتصلون بي فيما بعد، وبالطبع لم أملأ الاستمارة التي أراد بها موظف الاستعلام تعطيلي بما أنني لم أذكر له ماذا أريد؟ وبعد ذلك توجهت إلى فضيلة شيخ الأزهر، وأطلعته على الورقة والمسبحة، فقال لي: فعلا معظم ما جاء بهذه الورقة غير صحيح وإنه مما لاشك فيه، لا يقول هذا الكلام إلا إنسان ليس عنده علم صحيح، وأن هذه الأسماء المذكورة في الورقة أو معظمها ليس من أسماء الرسول، ولا حتى من صفاته، وأن المسبحة غريبة وغير صحيحة، وأن علىّ التوجه إلى المجلس الأعلى للطرق الصوفية لعلى أعرف مصدر هذه الأشياء.
واتصلت بشيخ الطرق الصوفية «حسن الشناوي» لمقابلته، ولكنه اعتذر لأنه في طنطا بـ «مولد البدوي»، وبعدها سيذهب لـ «مولد إبراهيم الدسوقي»، وإني إذا أردت مقابلته يكون بعد شهر بالتمام، ولذلك قرأت له الورقة، فقال: إنها لا تمت لأي طريقة صوفية، فسألته: هل لها صلة بالطريقة «البرهانية» فقال لي: ربما، لأن شكل المسبحة التي تصفينها لي خاصتهم، ولكن الورقة ليس عليها ما يثبت أنها منهم، فقلت له: حتى ولو كانت الاثنتان يتم توزيعهما سويا، فضحك ولم يرد على تساؤلي وبالتالي سألته: من هم إذن «البرهانية»؟ فقال: إنهم جماعة أصدروا كتابين بهما مغالطات رفضها الأزهر، وذلك في الثمانينيات، وإنه صدر قرار بعدم التعامل معهم أو الاعتراف بهم، ولكنهم عاودوا الظهور منذ ثلاث سنوات في الموالد، وأن حفيد «البرهانية» ويدعى «محمد إبراهيم عبده البرهاني» والمتزوج من ألمانية ومقيم هناك في ألمانيا قد حضر منذ ستة أشهر، ولكن «الشناوي» تهرب من الإجابة عن باقي تساؤلاتي، وعندما طلبت منه الحصول على صورة من قرار الحظر الصادر عن المجلس الأعلى للطرق الصوفية حتى لا يتعامل الناس معهم، قال لي أرسلي خطابا وأنا أرد عليك، وأنهى المكالمة.
قمت بعد ذلك بالاتصال بالشيخ «علاء أبو العزايم» عضو مجلس الطرق الصوفية، وعرضت عليه الشيئين بالتليفون أيضا لأنه خارج القاهرة فأكد لي أنهما لـ«البرهانية» والذين يطلق عليهم «جماعة المهاويس» لأنهم يقومون بأعمال السحر وتحضير الأرواح والجان، وأن لهم سمعة سيئة لاختلاط الرجال بالنساء لقياس قوة الإرادة حسب زعم هذه الجماعة، ولذلك تم تجنبهم من قبل الطرق الصوفية المحترمة، كما يقول أبو العزايم، ولكنه أكد لي بضرورة وجود دعم من الخارج لأن أموالهم كثيرة للغاية.
وتواصلت رحلة البحث فقمت بالاتصال بالدكتور أحمد عمر هاشم - عضو المجلس الأعلى للطرق الصوفية، والذي قال إنه لا يعرف «البرهانية»...... و المجلس الأعلى للطرق الصوفية في مصر طالب بأحد المؤتمرات العالمية للتصوف في ماليزيا بـ «كوالالامبور» وقد حضرت هذا المؤتمر أنا وشيخ مشايخ الطرق الصوفية، فكانت رغبة الشيخ «حسن الشناوي» إنشاء مجلس أعلى عالمي للطرق الصوفية ويكون مقره القاهرة، وذلك حتى لا يدخل أحد من أي بلد ويدعى تحت مظلة التصوف أي زعم...
وسألت د. عبد الله النجار أيضا ربما تكون لديه فكرة عن هذه الجماعة ومزاعمها، فقال أنه في عام 1972، وكان لازال طالبا بكلية أصول الدين، حضر موكب مهيب لمؤسس جماعة البرهانية في زيارة له لسيدنا الحسين، ويومها فرشت له السجاجيد الحمراء، ونثرت عليه الورود بكثرة ليس لها مثيل، واستقبل وكأنه الرسول الكريم، وليس شيخ طريقة. أما الدكتور عبد الله عبد الحى - عميد كلية أصول الدين الأسبق- فهو الذي تعرف على الورقة رغم التعتيم بها على من أصدرها، وقال: إنها خاصة بجماعة البرهانية السودانية، وذكر لي كل ما كتبته في بداية الموضوع للتعريف بهم، وقال إنهم يحاولون المعاودة للظهور في ظل ما يطلق عن الحريات.
وعند زيارتي لمقر المجلس الأعلى للتصوف لمعرفة أي شيء إضافي تعرف كل من يعمل بهذا المكان على الأشياء التي بحوزتي بأنها بالفعل تخص «البرهانية» المحظورة، وذكر لي البعض بأنهم مرفوضون كجمعية صوفية، وأن لهم «دورا» أي مكانا في الحسين، ولكنهم لم يخبروني به رغم إلحاحي الشديد عليهم، ولم يمكنني الاستدلال عليه، وأيضا ذكروا لي أن المسبحة التي معي وعددها «مائة» حبة، وتباع في الحسين بثلاثة جنيهات وأن هذه الجماعة تقوم بقراءة أوردة معينة عليها ألف مرة لاستحضار «صاحب السيف» أو «حزب السيف»، وقد ذكرت في الورقة إياها أنها من أسماء الرسول «صاحب السيف» فما معنى هذه التخاريف؟
وذكروا لي أيضا أن هناك تحالفا ضمنيا بين «البرهانية» المحظورة و«البرهامية» وهى جماعة صوفية مصرية مقرها في شارع المنصورية بالدراسة، وأن هذا التحالف يجعل «البرهانية» إذا ما أرادوا مزاولة نشاط ما لهم، فإنهم يلجئون لمقر «البرهامية»، ولكن عندما قمت بزيارة مقر البرهامية أنكروا هذا، ورفضوا حتى دخولي المكان وكان الرد على الباب فقط.
وبعد كل ما سبق، كيف يمكن توعية الناس من الأشياء التي توزع عليهم دون رقابة، ولماذا لا يخرج علينا علماء الأزهر ودار الإفتاء والمشايخ المحترمون ليعرفوا الناس أسماء الرسول وصفاته، والمسبحة التي يجب أن نذكر الله عليها، وليس أي شكل على هيئة مسبحة صالحاً لذلك، وبدلا من البرامج التي تطلق علينا فتاواها....
ونطرح سؤالا مهما للمجلس الأعلى للطرق الصوفية: هل هذا المجلس قائم على الاعتراف فقط بالطرق الصوفية من عدمه وحضور المؤتمرات، أم عليه أيضا مراقبة ومتابعة المخالفين حتى لا تندس الخزعبلات في الدين تحت زعم التصوف، وأوجه سؤالا آخر لشيخ الطرق «حسن الشناوي» الذي قال لي ليس من سلطته هذا، ولكنها سلطة جهات أخرى في الدولة في إشارة منه لأجهزة الأمن: ألا يجب الإخطار عن هذه الجماعات، ثم أين مؤسسات المجتمع المدني التي يجب أن تكون مهمتها الأساسية هي مراقبة كل ما يضر المجتمع والناس.
وهل المجلس الأعلى للطرق الصوفية يعتبر منظمة مجتمع مدني أم لا؟ وأين كل من يهمه الأمر لما يحدث في الشارع من فوضى جماعات محظورة من كل نوع.
5/11/2007