خطبة الجمعة  19- 05- 2004

 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا، {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما}.

 

أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم - وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة.

عباد الله: إن الله - سبحانه وتعالى - لم يتركنا سدى، وإنما أقام علينا الحجة ببعثة محمد - صلى الله عليه وسلم - فقد جاء مقفيا لمن سبقه من الأنبياء بالحنيفية السمحة ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، ومعنى الحنيفية الملة المنتسبة إلى الحنيف وهو إبراهيم - عليه السلام -، أو معناها المائلة عن الشرك المخالفة لمنهج المشركين، والسمحة أي التي ليس فيها تشدد ولا غلو، وليس فيها كذلك تساهل ولا تنازل، فالسماحة نفي للجانبين معا للإفراط والتفريط، فالمفرط ليس سمحا والمفرط ليس سمحا كذلك، وهذه الملة سمحة بين الإفراط والتفريط، متوسطة بين الجانبين، ومعنى قوله ليلها كنهارها أن خفيها وغامضها مبين بالكتاب والسنة معصوم بالوحي، فكلاهما الواضح والخفي كلاهما مبين بالكتاب والسنة المعصومين، فهذا يقتضي أن علينا أن نبحث عن البيان، وأن نطلبه وأن نجتهد في الوصول إليه، فإنما يرزق الله به من أراده وصدق في توجهه إلى الله - سبحانه وتعالى - فقد قال الله - تعالى -:{وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم}، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فيدخر من أنواع العلوم لمن شاء من عباده ما شاء، وجميع الناس يتطفلون على مائدة الله جل جلاله وهي هذا الوحي الذي جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - من عنده، فيتفاوتون في أرزاقهم بحسب سابقتهم وما كتب الله لهم، ثم إن هذه الحنيفية التي جاء بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هي منهج مستقيم وصراط سوي لا يمكن أن يوجد فيه ما يخالف العقل ولا ما يخالف الفطرة ولا ما يخالف المصلحة، تكفل الله في هذه الحنيفية السمحة للناس بتحقيق مصالحهم الدنيوية والدينية، فلم يترك أي باب يحتاج إليه البشر إلا جاء فيه بأقوم تشريع وبين ذلك أتم بيان، ولذلك فإن جميع الديانات السابقة إنما كانت في علم الله صالحة لوقت محدد، فإذا تجاوزت ذلك الوقت لم تعد صالحة للتطبيق، وقد علم الله صلاحية هذا الدين للتطبيق المستمر في كل زمان ومكان لأنذركم به ومن بلغ، فهو حجة الله القائمة على الثقلين إلى يوم القيامة، لا يستطيع أحد أن يأتي بأقوم ولا أحسن ولا أصح ولا أرعى للمصالح مما جاء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عند الله - تعالى -، ولا يستطيع أحد أن يأتي بمساو له، فهو الحق المحض الذي لا غبار عليه ولا خفاء فيه ولا لبس ولا إشكال، يستسلم له المؤمنون وينقادون له فينالون بذلك حلاوة الإيمان، قال الله - تعالى -: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما}، ويفتن عنه المفتونون فيتساقطون عنه في بنيات الطريق يمينا وشمالا، منهم من يذهب وراء الغلو المضل، ومنهم من يذهب وراء التنازل المخل، والجميع هاوون عن هذا الصراط المستقيم الذي جاء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عند الله.

إن هذا الصراط الدنيوي المعنوي هو تمثيل للصراط الأخروي، الذي هو جسر منصوب على متن جهنم عليه كلاليب كشوك السعدان، يسقط بالكلوب الواحد سبعون ألفا في قعر جهنم، وهذا الصراط الأخروي أرق من الشعر وأحد من السيف، وهو قصد مستقيم على متن جهنم فوقها، فكل عابر يرى جهنم يركب بعضها بعضا، ويرى أهوالها، وهي تراهم من بعد كذلك، وهي تنادي أهلها تشتاق إليهم {إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا}، يتفاوت الناس عليه بحسب أعمالهم في هذه الحياة الدنيا، فالناجون منهم من يمر كالبرق الخاطف، ومنهم من يمر كالريح المرسلة، ومنهم من يمر كأجاويد الخيل والإبل، ومنهم من يمر كالرجل يشتد عدوا، ومنهم من يزحف على مقعدته، ولكنهم ينجون مع ذلك من أهوال جهنم ومن الصراط ومن ما فيه من الكلاليب، فيصلون إلى بر الأمان وينطلقون وفدا إلى الجنة، {يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا}، وقد تسابق الناس عند أصله تسابقا عجيبا، {فاستبقوا الصراط}، وقد طمس الله أبصار المنافقين والكافرين، فلا يرونه وهم يستبقون مع غيرهم إليه، هذا التسابق العجيب عند أصل الصراط هو تنافس في السبق، ويمثله السبق في هذه الحياة كذلك، وبقية المارين على الصراط منهم المخدوش الذي يذهب شدقه أو أذنه أو عينه أو أنفه أو شفته أو طرف من أطرافه كيده أو رجله، ثم ينجو بعد ذلك فإذا انغمس في نهر دون الجنة عاد إليه ما فقد، وذلك عقاب له على ما أسلف والله - سبحانه وتعالى - هو الحكم العدل لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون، فالعضو الذي اقترف فاحشة من الفواحش أو منكرا من المنكرات لا بد أن ينال حظه من العذاب إن لم يتداركه الله برحمته وعفوه، فعفو الله - سبحانه وتعالى - سابغ وهو محيط بالإنسان شامل لكل خطاياه وسيئاته، فمن تاب الله عليه فلا ضير عليه، ومن لم يتب عليه وأراد مؤاخذته، فإما أن يعاقب على ذنبه في الحياة الدنيا، وإما أن يعاقب بعذاب القبر في البرزخ، وإما أن يعاقب على الصراط بأن يؤخذ طرف من أطرافه بتلك الكلاليب، وإما أن يعاقب في نار جهنم يوم القيامة، ثم الهاوون يسقطون من فوق الصراط وهم قد رأوا جهنم أمامهم وقد كانوا في أشد الحذر منها فيهوون فيها ويمكثون سبعين خريفا لا يصلون إلى قعرها، وفيها من الطبقات ما لا يمكن أن يتخيل ولا أن يتصور، ولكنهم قبل الوصول إلى قعرها تضخم أجسامهم وتكبر وتقوى حتى ينالوا حظهم من العذاب، فلمقعد أحدهم في النار كما بين مكة والمدينة، ولضرس أحدهم في النار كجبل أحد، وإن أقدامهم في السلاسل كالجبال السود المتراكمة، تضخم أجسامهم وتقوى لأن وهج النار لا يمكن أن تقوى عليه أجسام البشر، فهذه الأجسام لا تتحمل نار الدنيا، ونار الدنيا قد بردت بعد النار سبعين درجة، كما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكل حر يناله الناس في هذه الحياة الدنيا أو برد فهو من شؤم جهنم وتنفسها، فقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن النار اشتكت إلى ربها، فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف، ومن تنفسها تأتي الأمراض والأضرار إلى الأرض، فكل مرض يصيب الناس وكل ضرر أو آفة في الزرع أو في الحرث أو في النسل فهي من آفات جهنم وأذاها نسأل الله السلامة منها، تتنفس تنفسين في العام، أحدهما في الشتاء ومنه يأتي البرد الشديد، والآخر في الصيف ومنه يأتي الحر الشديد، أجارني الله وإياكم منها، هذا الصراط الذي نخافه ونخاف الزلل من فوقه هو هذا الصراط الذي نحن عليه اليوم، فهذا الصراط الدنيوي هو منهج مستقيم، وهو كلاحب بين سورين، وفي السورين أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور، وفوق السورين داعي الله ينادي: يا عبد الله لا تلج الباب فإنك إن تلجه لم تخرج منه، وفي كل باب داع يدعو إليه، فمعاصي الله ومحارمه ذات اليمين وذات الشمال هي هذه الأبواب المفتحة على حفافي الطريق، فمن انحرف يمينا أو شمالا فقد دخل في إحدى بنيات الطريق، وقلما يخرج منها داخل، قلما ينجو الإنسان بعد أن يذهب في تلك المهلكات، ولذلك لا بد يا إخواني أن نحرص على الاستقامة، لا بد أن نحرص على الاستقامة التي أمر الله بها رسوله - صلى الله عليه وسلم - ومن آمن معه، فقد قال - تعالى -: {فاستقم كما أمرت ومن تاب معك}، ونحن جميعا تبنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الله جل جلاله، ونحن نجدد ذلك في ساعتنا هذه نتوب إلى الله مع محمد - صلى الله عليه وسلم -، ونلتزم بالصراط السوي الذي جاء به من عند الله، ونسعى للاستقامة على هذا الصراط، إن الذين لا يستقيمون على هذا الصراط متوعدون بالفتن المظلمة كقطع الليل، يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض من الدنيا، وإنها الفتن التي تلتبس فلا يدري الإنسان إقبالها من إدبارها، وتجعل الحليم حيران لا يعرف وجه الصواب فيها، فيبقى يتردد حتى يدخل في ردغة الخبال، وهي طينة إذا دخل فيها الإنسان لا يستطيع الخلاص منها أبدا، إن علينا يا إخواني أن نلزم الصراط السوي وأن نحذر الإفراط والتفريط، فالغلو في الدين والتشدد فيه لا شك أنه مهلكة من هذه المهلكات، وهو طريق من بنيات الطريق إذا دخله الإنسان لا يزداد إلا سوء ولا يزداد عن الدين إلا بعدا، ولم يزل يتردى في الوحل حتى يعتبر نفسه معصوما أو حاكما على الناس، فيتحكم في عقائدهم ومصائرهم فيحكم بالتكفير والتضليل والتبديع على من شاء من غير حق، وبذلك يكون مغرورا قد سلم زمامه لإبليس عليه لعنة الله وانقاد وراء حيله وحبائله، وهو بذلك لا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئا، وتشدده لا يغني عنه من الله شيئا ولا يزيد استقامته على الصراط السوي بل إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يغضب في موعظة ولا في خطبة غضبه إذا تحدث على الغلو في الدين، فقد جاء رجال يسألون عن صلاته وصيامه وعبادته، فكأنهم تقالوا ذلك، انظروا إلى التشدد في الدين، تقالوا عبادة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي اختاره الله من الثقلين الإنس والجن، وملأ قلبه من الإيمان وشق صدره وغسل عنه آثار كل ما يمكن أن يدخل منه إبليس، وملأ قلبه وحشاه بالإيمان، وهو أخشى الناس لله، وأتقاهم لله وأرضاهم عند الله جل جلاله، يختار الله له أفضل الأقوال والأفعال والأعمال والأخلاق ويوفقه لها ويسدده ثم يتقبل منه فيضاعف له أضعافا مضاعفة بما لا يدخل تحت الحصر ولا يمكن أن يصل إليه تفكيرنا، هذا الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - كيف يتقال أحد عبادته لله، وقد كان يقوم الليل حتى تتورم قدماه، فيقال له في ذلك ألم يغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر فيقول: أفلا أكون عبدا شكورا، وهو كذلك عبد شكور فطره الله - سبحانه وتعالى - على عبادته وشكره وقد خيره بين أن يكون نبيا عبدا وأن يكون نبيا ملكا فاختار أن يكون نبيا عبدا، هذا الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - لا يمكن أن يرغب أحد عما جاء به، فأنتم تعلمون أن أباه إبراهيم - عليه السلام - قد رضي الله ملته للناس فقال: {ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه}، فكذلك سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لا يمكن أن يرغب عنها ولا أن يزيد فيها إلا من سفه نفسه وتردى في الوحل، تقال هؤلاء القوم صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصيامه وذكره وقراءته، فقال أحدهم: أما أنا فأصوم ولا أفطر، وقال آخر: وأما أنا فأقوم ولا أرقد، وقال آخر: وأما أنا فلا أتزوج النساء، كل ذهب مذهبا من التشدد زينه له الشيطان فأخذ بزمامه إلى باب من أبواب التشدد والغلو في الدين، كأنه يريد أن يزيد على ما جاء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما يعمله في طاعة ربه جل جلاله، فغضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غضبا شديدا فقال: إن أخشاكم لله وأتقاكم لله أنا وفي رواية إن أعلمكم بالله وأخشاكم لله أنا، وأنكر ذلك إنكارا شديدا فقال: أما أنا فأصوم وأفطر وأقوم وأرقد وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني، وثبت في الصحيح كذلك من حديث عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل عليها وعندها امرأة وهذه المرأة هي الحولاء بنت تويت وهي من بني تيم بن مرة ابنة عم أبي بكر الصديق، وكانت من عابدات الصحابة، فقال: من هذه فقالت عائشة: فلانة تذكر من صلاتها وصيامها، أي تصفها عائشة بالمبالغة في الصلاة والصيام فذكرت من ذلك شيئا كثيرا فقال: مه اكلفوا من الأعمال ما تطيقون.

وقد بين النبي - صلى الله عليه وسلم - أن أحب الأعمال إلى الله الحنيفية السمحة، وبين كذلك أن لبدن الإنسان عليه حقا وأن لعينه عليه حقا وأن لأهله عليه حقا وأن لزوره عليه حقا وأمره أن يعطي كل ذي حق حقه، وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كذلك أن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى، وحذر من هذا التشدد الذي لا يأتي بخير، بل يقتضي من الإنسان أن يزيد غلوا فيحتقر غيره ويزيد هو في إعجابه بنفسه وغروره وكل ذلك مدخل من مداخل الشيطان، حذر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ذلك جميعا، ولهذا أخرج البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة، فعلى الإنسان أن يأخذ من حياته لموته ومن صحته لسقمه ومن غناه لفقره ومن راحته لتعبه ويقتصد في ذلك ويكون عدلا مستقيما، يؤدي كل حق من الحقوق التي رتب الله عليه، ويستغل كل طاقة أنعم الله بها عليه في طاعة الله جل جلاله حتى يحتسب في نومته ما يحتسب في قومته، كما قال أبو الدرداء: إني لأحتسب في نومتي ما أحتسب في قومتي، وحتى يعتقد الأجر في نفقته على عياله، وفي تبسمه في وجه أخيه، وفي إحسانه إلى جاره وفي إعراضه عن الجدال والمراء في الدين، وفي إعراضه كذلك عن الجاهلين، كل ذلك يعتقد فيه الإنسان الفضل والأجر عند الله فقد قال الله - تعالى -: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين}، وقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لسعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه -: إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعل في في امرأتك، وصح عنه - صلى الله عليه وسلم - كذلك في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - أنه قال: تبسمك في وجه أخيك صدقة، فمجرد التبسم في وجه أخي الإنسان ومجرد إحسانه إلى جاره، ومجرد إغضائه عن الجاهلين وإعراضه عن الكلام الموجه إليه كل ذلك صدقة يبتغى بها وجه الله - سبحانه وتعالى -، وبهذا تكون الدنيا محرابا كبيرا للتعبد، فكل أحوال الإنسان فيها في عبادة، هو مع الله في كل أحيانه في نومه ويقظته وأكله وشربه وسفره وحضره كل ذلك ينتظر الأمر من عند الله فيبادر إليه، فكل أحواله بما فيها هزله وجده وراحته وعمله كل ذلك لله وفي الله وهو مقتصد فيه مخلص لله جل جلاله.

لا شك أن الجانب الثاني كذلك خطر عظيم وهو التنازل والتساهل عن الدين، فنحن نعلم أن التنازل هو سبب التشدد، فكثير من الناس يظهرون التنازل فيصاب آخرون عندما يرون ذلك التنازل بالتشدد فيبالغون ويجاوزون الحد، ويكون ذلك ردة فعل على المتنازلين، وهذا التنازل كذلك لا خير فيه، فهذه الدنيا دار عمل ولا جزاء، وهي ميدان للسباق إلى الله جل جلاله، وميدان للسباق في العمل، وأهلها جميعا تفاضلهم لا يكون إلا بحسب تقواهم لله جل جلاله، {إن أكرمكم عند الله أتقاكم}، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي إلا بالتقوى، الناس سواسية كأسنان المشط، فهم جميعا لآدم وآدم من تراب، فلذلك لا بد أن نعلم أن هذه الحياة الدنيا هي ميدان التنافس، وعلينا أن نعلم أن كل يوم يمضي لا ينفقه الإنسان في طاعة الله وعبادته وما يقرب إليه فهو خسارة عظيمة خسرها الإنسان لأنه يقربه من الدار الآخرة ويدنيه من قبره، فكثير من الغافلين المعرضين عن الطاعات، الذين لا يستجيبون لمنادي الله إذا دعاهم إذا سمعوا مذكرا أو واعظا لم يتعظوا ولم يستمعوا وإذا سمعوا منادي الأذان ينادي حي على الصلاة حي على الفلاح لم يقبلوا، وهؤلاء لاهون سادرون، وهم في شغلهم مستمرون، وكثير منهم قد نسجت أكفانهم وجلبت إلى الأسواق وهم لا يشعرون بذلك، وحددت حفرهم وقبورهم بين أيديهم وهم لا يدرون ذلك:

فكم من فتى يمسي ويصبح لاهيا وقد نسجت أكفانه وهو لا يدري

فلذلك لابد يا إخواني أن نحرص على ما يقربنا من الله -جل جلاله-، وأن نقتصد ونعدل، وأن يكون ذلك على وفق منهج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلسنا بالخيار، علينا أن نتبع وأن لا نبتدع، لسنا بالخيار في أن نعمل أو نترك، ولسنا بالخيار كذلك في أسلوب العمل وهيئته، حدد لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معالم رضى الله -جل جلاله-، وكلما يرتضيه جل جلاله منا، وقد صح عن سلمان الفارسي - رضي الله عنه - أن رجلا من اليهود، قال له: يا سلمان لقد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة، فقال: أجل، علمنا أن لا نستجمر باليمين وأن نستجمر ثلاثا، فعلمهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جميع الأحكام، حتى الخراءة كما قال ذلك اليهودي وقد كان بذلك مبالغا، فبين له سلمان أن هذه المبالغة مع ذلك صادقة، فقد بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كل ما يحتاج إليه الإنسان من الأحكام، وهذا العدل والتوسط بين الجانبين مطلوب شرعا في جميع الأمور، في أمور الدين وفي أمور الدنيا، فقد نهى الله - سبحانه وتعالى - عن الإسراف، وقال: {ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين}، وقال - تعالى -: {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما}، وحض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على هذا التوسط وقد أمره الله به في الإنفاق في قوله: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا}، فلذلك لا بد أن ننتهج هذا المنهج السوي، وأن نعلم أنه صراط الله - سبحانه وتعالى -، وأن من سلكه نجا ومصيره مضمون، ومن مال عنه ذات اليمين أو ذات الشمال فقد هلك، ولذلك علينا يا إخواني أن نزداد علما في كل يوم من الأيام، أن نتعلم ما جاء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهذا العلم هو الذي يمنع الإنسان من الانحراف، وهو الذي يدرك به الإنسان الصراط السوي ويستطيع به لزومه، وما عصي الله إلا عن جهل به أو بشرعه كما قال الغزالي - رحمه الله -، فلذلك لا بد أن نحرص جميعا على التعلم كبارا وصغارا رجالا ونساء لا بد أن يخصص كل إنسان منا مهما كان انشغاله أو عجزه أو ضعفه وقتا من أوقاته لتعلم ما جاء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عند الله، فقد قال الله - تعالى -: {علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرؤوا ما تيسر منه}، فلم يعذر أحدا من هذه الطوائف جميعا بل جعل لكل إنسان منهم وردا مرتبا يتعلمه مما جاء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو ما تيسر مما جاء به.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، وتاب علي وعليكم إنه هو التواب الرحيم.

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيما لشانه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته وإخوانه. عباد الله: إنما ذكرناه من الصراط السوي في التعامل مع الله يقابله كذلك الصراط السوي في التعامل مع عباد الله، فقد شرع الله - سبحانه وتعالى - وبين رسوله - صلى الله عليه وسلم - المنهج السوي في التعامل مع العباد، فالعباد لهم حقوق وقد رتب الله عليهم ملائكة يحصون عليهم أعمالهم ويكتبونها ثم بعد ذلك إلى الله تصير الأمور، {وإن ربك لبالمرصاد}، تعرض عليه أعمال العباد فيجازيهم على حسب أعمالهم وهو أسرع الحاسبين، لا يشغله شأن عن شأن - سبحانه وتعالى -، فيجازي كل إنسان على ما عمل، ولذلك جاء في الحديث القدسي الصحيح: يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه، وهم جميعا عباد لله، يحشرون إليه فرادى يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها، {وكلهم آتيه يوم القيامة فردا}، {لا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون}، كل إنسان منهم يأتي وحده لا علاقة له بأب ولا بأخ ولا بأم ولا بزوج ولا بولد {يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه}، {يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه وصاحبته وأخيه وفصيلته التي تؤويه ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه}، والله - سبحانه وتعالى - لا يحتاج إلى معين يحصي له أعمال عباده، ولا يحتاج إلى رقيب يراقبهم فهو - سبحانه وتعالى - علام الغيوب، {يعلم السر وأخفى}، ونحن أقرب إليه من حبل الوريد، فلذلك علينا يا عباد الله أن نعلم أن للعباد من يحصي عليهم سيئاتهم، وطوبى لمن شغلته ذنوبه عن ذنوب الناس، وقد أخرج مالك في الموطأ وأحمد في الزهد عن يحيى بن سعيد الأنصاري أنه بلغه أن عيسى بن مريم كان يقول: لا تكثروا الكلام في غير ذكر الله فتقسو قلوبكم فإن القلب القاسي بعيد من الله ولكن لا تعلمون ولا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم أرباب وانظروا في ذنوبكم كأنكم عبيد، وإنما الناس مبتلى ومعافى فارحموا أهل البلاء واحمدوا الله على العافية، وهذا التعامل مع الناس في إفراط وتفريط كذلك، فالإفراط هو بالتقديس والتقدير والمبالغة في الاحترام الذي يخرج الإنسان عن طور إنكار المنكر أو عن طور المناقشة أو عن طور البحث، وهذا المنهج غير صحيح، فالبشر جميعا ليس فيهم الآن بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معصوم، كلهم يصيبون ويخطئون، وكلهم يؤخذ من قوله ويرد، إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكذلك في المقابل التفريط فيهم وهو باحتقارهم وازدرائهم ومحاولة الإغضاء عما فيهم من الخير ومحاولة إظهار ما فيهم من الغير، إن هذا المنهج يحلو لكثير من الناس، فيريد دائما أن يظهر المثالب وأن يتقصى المناقص والسيئات، وأن يستر الحسنات، وهذا المنهج غير صحيح ولا هو بالمنهج السوي الذي تركنا عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فالمنهج السوي هو العدل، إن الله يأمر بالعدل والإحسان، وهذا العدل يقتضي من الإنسان أن لا تشغله إحدى عينيه عن الأخرى، بل ينظر باستقامة واستواء، فإذا نظر إلى بعض المثالب رأى ما يقابلها أيضا من الإحسان، ولهذا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا يفرك مؤمن مؤمنة إن ساءه منها خلق سره منها خلق آخر.

 

وهذا في التعامل مع أهل الإنسان الأقربين الأدنين كالجار الجنب والصاحب بالجنب، وكذلك الحال بالنسبة للآخرين جميعا، فعلى الإنسان أن يعامل الناس جميعا بهذه النظرة، وأن ينظر إليهم على أنهم أمثاله، فكما يخطئ هو ويصيب كذلك هم يخطئون ويصيبون، وكما أنه هو يخشى عذاب الله ويخاف عقوبته ويسعى لرضاه ويرجو مثوبته فكذلك الآخرون يخافون عقاب الله ويرجون ثوابه، والجميع صائرون إليه، ونحن نعمل في هذه الحياة ونتنافس ومع ذلك والله لا ندري ما الله قابل مما نقوله أو نعمله، فالقبول من عند الله -جل جلاله-، وقد كان السلف يقولون لوددنا لو علمنا أن الله تقبل منا سجدة واحدة، ولذلك قال الله - تعالى -: {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون}، وقد سألت عائشة - رضي الله عنها - رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: أهو الذي يسرق ويزني وهو يخاف الله؟ قال: لا، بل هو الذي يتصدق ويصوم ويصلي وهو يخاف أن لا يتقبل الله منه، {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون}.

إن هذا المنهج السوي هو سبيل الله، وإنكم جميعا قد رضيتم بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - نبيا ورسولا، وعرفتم فالزموا، عرفتم طريق رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم تكونوا لتجدوا قدوة ولا أسوة تفضلونه عليه ولا تعدلونه به، فالزموا ما جاء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عند الله، فهو الخير لكم في دنياكم وفي آخرتكم وهو الكفيل لمصالحكم جميعا، ما ترك خيرا إلا دلنا عليه وما ترك شرا إلا حذرنا منه، وقال: كما في صحيح البخاري: ما يكن عندي من خير فلن أدخره عنكم، ونحن جميعا نشهد أنه بلغ الرسالة وأدى الأمانة وجاهد في الله حق جهاده وعبد الله حتى أتاه اليقين وأنه لم يتوفه الله جل جلاله حتى شهد له بالبلاغ والتبيين، فقد قال الله - تعالى -: {فتول عنهم فما أنت بملوم}، وقال: {ما على الرسول إلا البلاغ المبين}، فقد شهد الله له بتبليغ ما أمره بتبليغه، وقد وصل إلينا كما أنزل فنحن نشهد جميعا أن هذا القرآن كما أنزل وأن الدين كما شرع وأن الله هو الحي القيوم، فكل ما بأيدينا من الصواب الذي جاء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عند الله حديث العهد بالله جل جلاله، هو أحدث الكتب بالله عهدا وأقربها منه رضا وهو بين أيدينا ميسر للذكر، {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر}.

عباد الله: إن الله أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه وثنى فيه بملائكته وثلث بكم معاشر المؤمنين، فقال جل من قائل كريما: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما}، اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

 

http://www.dedew.net               المصدر: