خصائص منهج أهل السنة والجماعة ( 2-2 )
أسماء بنت راشد الرويشد
31. لا يوالون ولا يعادون إلا على أساس الدين:
فلا ينتصرون لأنفسهم ولا يغضبون لها، ولا يوالون لدعوة جاهلية، أو عصبية مذهبية، أو راية حزبية، وإنما يوالون على الدين، فولاؤهم لله وبراؤهم لله، ومواقفهم ثابتة لا تتغير و لا تتبدل.
32. محبة بعضهم لبعض وترحم بعضهم على بعض:
فأهل السنة متوادون متحابون يترحم بعضهم على بعض، ويذب بعضهم عن بعض ويدعوا بعضهم لبعض، وما ذلك إلا لحسن معتقداتهم، وصلاح أعمالهم، والله - عز وجل - تأذن للذين آمنوا وعملوا الصالحات أن يجعل لهم ودّا. وقال الله - تعالى -"وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ" [الحشر: 10].
33. سلامتهم من تكفير بعضهم لبعض:
فأهل السنة سالمون من ذلك فهم يردون على المخالف منهم، ويوضحون الحق للناس، فهم يُخطئون، ولا يكفرون، ولا يبدعون، ولا يفسقون إلا من استحق ذلك.
بخلاف غيرهم من الطوائف الأخرى كالخوارج الذين يكثر فيهم الاختلاف والتضليل والتكفير، ولهذا تجدهم يكفر بعضهم بعضاً عند أقل نازلة تنزل بهم.
34. التثبت في الأخبار وعدم التسرع في إطلاق الأحكام:
انطلاقا من قوله - تعالى -: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ" [الحجرات: 6]، بخلاف الذين يسارعون في إطلاق الأحكام، ويتهافتون على إلصاق التهم بالأبرياء، فيفسقون ويبدعون، ويكفرون بالتهمة والظن، من غير ما برهان أو بينة.
35. سلامتهم في العموم من التلبس بالبدع والشركيات والكبائر:
فأهل السنة والجماعة أسلم الناس وقوعاً في البدع ولا تكون فيهم الشركيات، أما المعاصي والكبائر فقد يقع فيها طوائف من أهل السنة، كما أنه قد يوجد عند بعض أهل السنة شيء من الجور والظلم والجهل، إلا أن هذه الأمور في أهل السنة قليلة بالنسبة لغيرهم.
36. سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
فقلوبهم عامرة بحبهم، وألسنتهم تلهج بالثناء عليهم، فأهل السنة يرون الصحابة خير القرون، لأن الله - عز وجل - زكاهم وكذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويرون أن الكلام فيما شجر بينهم ليس هو الأصل، بل الأصل الاعتقادي عند أهل السنة هو الإمساك عما شجر بينهم.
37. سلامتهم من الحيرة والاضطراب والتخبط والتناقض:
فأهل السنة والجماعة أكثر الناس رضاً ويقيناً، وطمأنينة وإيماناً، وأبعدهم عن الحيرة والاضطراب، والتخبط والتناقض.
حتى أنه يوجد من عوام أهل السنة، من برد اليقين وحسن المعتقد، والبعد عن الحيرة، ما لا يوجد عند علماء الطوائف الأخرى، وحذاقهم من أهل الكلام وغيرهم ممن اضطربوا في تقرير عقائدهم، فحاروا وحيروا، وتعبوا واتعبوا، ولم يكن هذا ليحصل لهؤلاء لولا أنهم التمسوا الهدى من غير مظانه.
أين هؤلاء من أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - إذ يقول: " أصبحت ومالي سرور إلا في مواطن القضاء والقدر".
وأين هم من شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - عندما أُقتيد إلى السجن وقال كلمته: " ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، أينما رحت فهي معي لا تفارقني، إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة" ويقول أيضاً - رحمه الله -: " إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة ".
38. رفضهم التأويل المذموم:
الذي هو حقيقته صرف اللفظ عن ظاهره الراجح إلى احتماله المرجوح، فهذا النوع من التأويل هو الذي ذمه السلف، وحذروا منه ولهذا أهل السنة يرفضونه ولا يقبلونه، لعلمهم بخطره وإدراكهم لضرره، فهو عدو الرسالات بسببه قتل عثمان - رضي الله عنه -، وبسببه اعتزلت المعتزلة وترفضت الرافضة وخرجت الخوارج.
39. الاعتقاد الجازم بأنه لا يسع أحد الخروج عن شريعة محمد - صلى الله عليه وسلم -:
فهم يرون أن العبد لا تنفك عبوديته لرب العالمين، ولا يجوز له بحال من الأحوال أن يدين بدين غير الإسلام، أو أن يتبع شريعة غير شريعة النبي - صلى الله عليه وسلم -، بل يرون أن العبد يجب عليه أن يعبد ربه حتى يأتيه اليقين، قال - تعالى -"وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ" [الحجر: 99]، واليقين هنا الموت.
خلافاً للذين يتحاكمون لغير الشريعة الإسلامية، وخلافاً لمن يرون أن الشريعة الإسلامية قد نسخت بشريعة أخرى، كما تدعي ذلك البابية، والبهائية، والقاديانية.
وخلافاً للصوفية الذين يرون أن العبد إذا ترقى في مقام الشهود للحقيقة الكونية زالت عنه الحجب وأتاه اليقين، ورفعت عنه التكاليف الشرعية، فلم يعد له حاجة بعد ذلك إلى صلاة أو صيام أو غير ذلك عياذاً بالله من الزندقة-.
40. الوسطية:
فالوسطية: من أعظم ما يتميز به أهل السنة والجماعة.
فكما أن أمة الإسلام وسط بين الأمم التي تجنح إلى الغلو الضار، والأمم التي تميل إلى التفريط المهلك، فكذلك أهل السنة والجماعة متوسطون بين فرق الأمة المبتدعة التي انحرفت عن الصراط المستقيم.
وتتجلى وسطية أهل السنة والجماعة في شتى الأمور، سواء في باب العقيدة، أو الأحكام، أو السلوك، أو الأخلاق، أو غير ذلك.
ومن مظاهر تلك الوسطية:
أ- أهل السنة والجماعة وسط في باب صفات الله بين أهل التعطيل وأهل التمثيل:
فأهل التعطيل أنكروا الصفات ونفوها، وأهل التمثيل أثبتوها وجعلوها مماثلة لصفات المخلوقين.
أما أهل السنة والجماعة فهم يثبتون الصفات لله - تعالى -إثباتاً بلا تمثيل، وينزهونه عن مماثلة المخلوقات تنزيهاً بلا تعطيل.
فجمعوا أحسن ما عند الفريقين، يعني: التنزيه والإثبات، وتركوا ما أخطأوا وأساءوا فيه من التعطيل والتمثيل.
ب- وسط في باب الوعد بين المرجئة وبين الوعيدية:
فالمرجئة قالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وزعموا أن الإيمان مجرد التصديق بالقلب، وإن لم ينطق به، وأخروا الأعمال عن الإيمان، وجوزا أن يعذب الله المطيعين، وينعم العاصين.
أما الوعيدية فهم القائلون بأن يجب عليه عقلاً أن يعذب العاصي، كما يجب عليه أن يثيب المطيع، فمن مات على كبيرة ولم يتب منها لا يجوز عندهم أن يغفر الله له.
أما أهل السنة فوسط بين نفاة الوعيد من المرجئة، وبين موجبيه من الوعيدية، فمن مات على كبيرة عندهم فأمره مفوض إلى الله، إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه، وإذا عاقبه بها فإنه لا يخلد خلود الكفار، بل يخرج من النار، ويدخل الجنة.
ت- وسط في مسألة التكفير:
وهذه المسألة داخلة في الفقرة التي تليها.
فبينما نجد فريقاً يتسرعون في إطلاق الكفر، فيكفرون بالكبيرة، ولا يحكمون بإسلام من نطق بالشهادتين، وصلى، وصام، وأدى فرائض الإسلام، ما لم يتحققوا إسلامه بشروط حددوها لم ترد في الكتاب ولا السنة، وذلك كحال الخوارج ومن سار على نهجهم نجد فريقاً آخر فرط أيما تفريط، ومنع التكفير منعاً باتاً، ورأى أن من تلفظ بالشهادتين لا يمكن تكفيره بحال، بل قالوا: إنه لا يجوز تكفير شخص بعينه وإنما إطلاق الكفر يكون على الأعمال.
ومن هنا فهم لا يكفرون أحداً أبداً حتى المرتدين، ومدعي النبوة، وجاحدي وجوب الصلاة ونحو ذلك من الأمور التي أجمع أهل العلم على خروج أصحابها من دائرة الإسلام.
أما أهل السنة والجماعة فقد هداهم الله لما اختلف فيه من الحق بإذنه، لإلتزامهم بالدليل الشرعي.
فهم لا يمنعون التكفير بإطلاق، ولا يكفرون بكل ذنب، ولم يقولون إن التكفير المعين غير ممكن، ولم يقولوا بالتكفير بالعموم دون تحقيق شروط التكفير، وانتفاء موانعه في حق المعين، ولم يتوقفوا في إثبات وصف الإسلام لمن كان ظاهره التزام الإسلام، أو ظهر منه إرادة الدخول فيه، بل يحسنون الظن بأهل القبلة الموحدين، وبمن دخل في الإسلام، أو أراد الدخول فيه.
ومن أتى بمكفر، واجتمعت فيه الشروط، وانتفت في حقه الموانع، فإنهم لا يجبنون، ولا يتميعون، ولا يتحرجون من تكفيره.
ث- وسط في باب أسماء الدين والإيمان، أو مسألة الأسماء والأحكام بين الخوارج والمعتزلة وبين المرجئة والجهمية:
والمراد بالأسماء هنا أسماء الدين، مثل: مؤمن، ومسلم، وكافر، وفاسق.
والمراد بالأحكام أحكام أصحابها في الدنيا والآخرة.
فالخوارج والمعتزلة ذهبوا إلى أنه لا يستحق اسم الإيمان إلا من صدق بجنانه، وأقر بلسانه، وقام بجميع الواجبات، واجتنب جميع المنهيات.
وعلى هذا فمرتكب الكبيرة عندهم لا يسمى مؤمناً باتفاق الفريقين.
ولكنهم اختلفوا: هل يسمى كافراً أو لا؟
فالخوارج يسمونه كافراً، ويستحلون دمه وماله، أما المعتزلة فقالوا: إن مرتكب الكبيرة خرج من الإيمان، ولم يدخل في الكفر، فهو بمنزلة بين المنزلتين.
أما في أحكام الآخرة فاتفق الفريقان على أن من مات على كبيرة ولم يتب منها فهو مخلد في النار.
أما المرجئة فكما سبق بيان مذهبهم، وهو أنه لا يضر مع الإيمان معصية، فمرتكب الكبيرة عندهم مؤمن كامل الإيمان، ولا يستحق دخول النار.
أما أهل السنة والجماعة فمذهبهم وسط بين هاذين المذهبين، فمرتكب الكبيرة عندهم مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، أو هو مؤمن ناقص الإيمان، قد نقص إيمانه بقدر ما ارتكب من معصية، فلا ينفون عنه الإيمان أصلاً كالخوارج والمعتزلة، ولا يقولون: بأنه كامل الإيمان كالمرجئة، وحكمه في الآخرة عندهم أنه قد يتجاوز الله - عز وجل - عنه فيدخل الجنة ابتداءً، أو يعذبه بقدر معصيته ثم يخرجه، ويدخله الجنة كما سبق.
ج- وسط في باب القدر بين القدرية والجبرية:
فالقدرية قالوا: إن العبد مستقل بعمله في الإرادة والقدر، وليس لمشيئة الله - تعالى -وقدرته في ذلك أثر، ويقولون: إن أفعال العباد ليست مخلوقة لله - عز وجل -، وإنما العباد هم الخالقون لها.
والجبرية غلوا في إثبات القدر، حتى أنكروا أن يكون للعبد فعل حقيقة، بل هو في زعمهم لا حرية له، ولا فعل، كالريشة في مهب الريح، وإنما تسند إليه الأفعال مجازاً، فيقال: صلى، وصام، وقتل، وسرق، كما يقال: طلعت الشمس، وجرت الريح، ونزل المطر.
أما أهل السنة والجماعة فتوسطوا وقالوا: نثبت للعبد مشيئة يختار بها، وقدرة يفعل بها، ومشيئته وقدرته واقعتان بمشيئة الله - سبحانه وتعالى -- تابعتان لها، لقوله - تعالى -"لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ* وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ" [التكوير: 28-29]
ويقولون أيضاً العباد فاعلون، والله خالق أفعالهم، قال - تعالى -"وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ" [الصافات: 96]، فأفعال العباد هي من الله خلقاً وإيجاداً وتقديراً، وهي من العباد فعلاً وكسباً.
ح- وسط في محبة النبي - صلى الله عليه وسلم - بين الغالين والجافين:
فأهل السنة والجماعة يحبون الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويعتقدون أنه خير البشر، وأنه سيد المرسلين، وخاتم النبيين، ويرون أن أكمل المؤمنين إيماناً أكملهم محبة واتباعاً للرسول - صلى الله عليه وسلم -، وهم مع ذلك يعتقدون أنه بشر، لا يملك لنفسه فضلاً عن غيره نفعاً ولا ضراً إلا بما أقدره الله عليه، ويعتقدون أنه مات، وإن دينه باقٍ إلى قيام الساعة.
بخلاف الذين غلوا فيه، فرفعوه فوق منزلته، واعتقدوا أنه يجيب من دعاه، فصرفوا له العبادة من دون الله - عز وجل -.
وبخلاف الذين جفوا في حق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأعرضوا عن شرعه، ولم يحكموه فيما شجر بينهم، أو الذين أدعوا أن شريعته قد نسخت بشريعة أخرى كحال غلاة الباطنية، وكذلك حال الذين يرون إن شريعته - عليه الصلاة والسلام - لا تتلاءم مع الحضارة، ولا تفي بمتطلبات العصر.
خ- وهم وسط في أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين الرافضة والخوارج:
فالرافضة يسبون الصحابة -رضي الله عنهم - ويلعنونهم، وربما كفروهم أو كفروا بعضهم، والغالبية منهم مع سبهم لكثير من الصحابة والخلفاء يغلون في علي وأولاده - رضي الله عنهم - ويعتقدون فيهم الإلهية.
وأما الخوارج فقد قابلوا هؤلاء الروافض، فكفروا علياً ومعاوية ومن معهم من الصحابة، وقاتلوهم، واستحلوا دماءهم وأموالهم.
و أما أهل السنة والجماعة فكانوا وسطاً بين غلو هؤلاء، وجفاء هؤلاء، فهداهم الله إلى الاعتراف بفضل الصحابة، وأنهم أكمل الأمة إيماناً وإسلاماً وعلماً وحكمة، ولكنهم لم يغلوا فيهم، ولم يعتقدوا عصمتهم، بل أحبوهم لحسن صحبتهم، وعظم سابقتهم، وحسن بلائهم في نصرة الإسلام، وجهادهم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
د- وهم وسط في باب العقل بين الذين ألّهوه وبين الذين ألغوه:
فأهل السنة والجماعة لا يلغون العقل، ولا ينكرونه، ولا يحجرون عليه، بل يعتقدون أن للعقل مكانة سامية، وأن الإسلام يقدر العقل، ويتيح له مجالات العلم والنظر والتفكير.
وفي الوقت نفسه لا يؤلّهون العقل، ولا يجعلونه حاكماً على نصوص الوحي، بل يرون أن للعقل حداً لا بد أن يقف عنده.
أما غيرهم فما بين مُفْرط ومُفرّط في هذا الباب، فالمعتزلة والفلاسفة، وأهل الكلام عموماً ألهوا العقل، وجعلوه مصدراً للتلقي، فما وافق العقل أو ما يسمونه بالقواطع العقلية قبلوه وأخذوا به، وما خالف ذلك ردوه، أو أوّلوه.
وأما أهل الخرافة والدجل فقد ألغوا العقل، وقبلوا ما لا يقبل ولا يعقل. وذلك كحال كثير من الصوفية الذين تنطلي عليهم أكثر الأباطيل والأغاليط.
ط. وسط في التعامل مع العلماء:
فأهل السنة يحبون علماءهم ويجلونهم، ويتأدبون معهم، ويذبون عنهم، ويحسنون الظن بهم، وينشرون محامدهم، ويسعون إليهم، ويأخذون عنهم، ويصدرون عن رأيهم، لعلمهم أن العلماء هم ورثة الأنبياء، القائمون بمهمة الدعوة والإبلاغ، وهم مفزع الأمة بعد الله عند الشدائد، فكان واجباً على الأمة موالاتهم، وإنزالهم منازلهم، وقدرهم حق قدرهم.
ثم إنهم في الوقت نفسه يرون أن العلماء بشر غير معصومين، بل يجوز عليهم في الجملة الخطأ، والنسيان، والهوى، إلا أن ذلك لا ينقص من أقدارهم، ولا يسوغ ترك الأخذ عنهم.
وهم كذلك لا يسارعون في تخطئة العلماء، بل يثبتون في ذلك، فإذا ثبت عندهم أن العالم الفلاني قد زل فإنهم لا يوافقونه على زلته، ولا يتتبعونها، ولا يتخذونها ذريعة للنيل منه، والوقيعة فيه، بل يطوونها ولا ينشرونها، إلا إذا عمت البلوى بها، وخشي أن يضل الناس بسببها، فإنهم حينئذ يردون على ذلك العالم مقالته، مع الاحتفاظ له بمكانته، ومع ملاحظة أن لا يرد عليه إلا من هو أهل لذلك، وأن ينصب الرد على المقالة لا على الشخص، وأن يلتمس له أحسن المخارج، وأن يحمل كلامه على أحسن المحامل.
بخلاف الذين حطوا من أقدار العلماء، فلم يرفعوا بهم رأساً، ولم يرعوا لهم حقاً، كحال الخوارج ومن شاكلهم.
وبخلاف الذين قدسوا علماءهم، وغلوا فيهم، ورفعوهم فوق منزلتهم، فقلدوهم تقليداً مطلقاً، فلم يجعلوا الدليل والحق رائدهم، بل جعلوا رائدهم قول الشيخ، وذلك كحال الروافض الذين غلوا في أئمتهم بل جعلوا لهم مقاماً لم يبلغه نبي مرسل، ولا ملك مقرب، فاعتقدوا فيهم العصمة، ونزهوهم عن الخطأ، والسهو، والنسيان.
وكذلك غلاة الصوفية الذين يغلون في مشايخهم، ويرون أن من قال لشيخه لمَ؟ فقد كفر، ويقولون: إذا كنت عند الشيخ فكن كالميت بين يدي الغاسل.
ي. وسط في التعامل مع ولاة الأمور:
فأهل السنة والجماعة في هذا الباب وسط بين المفرطين والمُفرطين، فليسوا كالمفرطين الغلاة، الذين يدينون بالخروج على أئمة الجور، ويرون أنهم وحدهم هم سبب الشر والفساد، وأن الخروج عليهم كفيل بإصلاح الأحوال، وذلك كحال الخوارج الذين يرون أن الفساد سببه الولاة، وأن الخروج عليهم واجب متعين، وإن الوسيلة الوحيدة للإصلاح عندهم كما يشهد تاريخهم هو الخروج على أئمة الجور، بل ربما خرجوا على أئمة العدل، كما فعلوا مع علي رضي الله عنه-.
وكحال المعتزلة الذي جعلوا الخروج على الأئمة أصلاً من أصول دينهم، وليسوا كالمفرطين المداهنين، المتخاذلين، المخذلين، الذين سكتوا عن ظلم الولاة وتركوا نصحهم، والإنكار عليهم، بل ربما زينوا لهم باطلهم، وسوغوا لهم ظلمهم، وفسادهم، وربما أنكروا على من ينكر عليهم.
وليسوا كالمداحين المنافقين، الذين يغالون في الولاة، ويمدحونهم بما ليس فيهم، وربما أدّعوا لهم العصمة، وخلعوا عليهم صفات لا تليق إلا برب العالمين، وأطاعوهم بكل ما أمروا به حقا كان أم باطلاً.
فهم يدينون لولاتهم بالسمع والطاعة، في المنشط والمكره، وفي العسر واليسر وعلى أثرة عليهم، ما لم يؤمروا بمعصية فيرون أنه لا سمع ولا طاعة، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وإنما تكون الطاعة بالمعروف.
كما أنهم يدينون بالنصيحة لولاة الأمر، ويتعاونون معهم على البر والتقوى وإن كانوا فجاراً، لأن هدفهم الوحيد تحصيل المنافع وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، فلا يمتنعون من إعانة الظالم على الخير، وترغيبه فيه، فيشاركون الأئمة الظلمة في الخير، ويفارقونهم بالشر.
ولذلك فهم يرون إقامة الجمع والجماعات، والأعياد معهم، ويرون أن الجهاد ماض إلى قيام الساعة مع كل بر وفاجر.
ثم أنهم لا ينزعون يداً من طاعة، ولا ينازعون الأمر أهله، ولا يرون أن الأئمة يتحملون مسؤولية كل منكر وفساد، نعم هم يتحملون المسؤولية الكبرى ولكن كل مسلم عليه مسؤولية يجب أن يقوم بها حسب قدرته واستطاعته. كما أنهم لا يدينون بالخروج على أئمة الجور، فضلاً عن أئمة العدل، إلا إذا رأوا كفراً بواحاً، عندهم من الله فيه برهان، وكان لديهم قوة ومنعة، ولم يترتب على الخروج مفسدة أعظم، لئلا يجروا الأمة إلى البلايا والرزايا.
ثم أنهم أبعد الناس عن إغراق الولاة بالمديح الكاذب، والأطراء القاتل الذي يدخل الغرور في قلوب الولاة، ويورثهم الإعجاب بالنفس، وتناسي العيوب، وظن الكمال، فلا يعرفون بذلك مواطن الخلل، ولا يسعون في علاجها.
إضافة إلى ذلك فأهل السنة لا يرون المداهنة في الدين، ولا مهادنة المعتدين والظالمين، ولا يتوانون في الاحتساب على أئمة الجور، ولا يجبنون عن الصدع بكلمة الحق حسب المقام، وما تقتضيه المصلحة، لا يداهنون بذلك أحداً، ولا يخافون بالله لومة لائم.
على أنهم لا يرون أن يقوم بذلك الواجب كل أحد بعينه، إلا إنه لا بد أن يقوم به من يقوم، حتى ينتفي الحرج عن الأمة، ويرون أن من لم يستطع الصدع بالحق فلا أقل من أن يؤيد الحق ولو بقلبه، وأن يكره الباطل، ويجانب أهله.
أما من قام بالحق وأوذي في سبيله، وصبر واصطبر على ذلك فله أجر عظيم، ومن قتله سلطان جائر بعد أن أمره ونهاه فهو سيد الشهداء.
وخير مثال تطبيقي لتعامل أهل السنة مع ولاة الأمر، ما قام به الأمام أحمد ابن حنبل - رحمه الله - إبان القول بفتنة خلق القرآن، فلقد أوذي، فلم تكن له قناة، ولم يفت له عضد، ولم يتوان عن قول الحق بل صدع به، وتحمل تبعات ذلك.
وفي الوقت نفسه لم يأمر أتباعه بالخروج على ولاة الأمر، بل نهاهم عن ذلك، وحذرهم أشد التحذير.
ومن الأمثلة على ذلك ما كان من أمر الشيخ ابن تيمية - رحمه الله - فلقد أوذي من قبل السلطة بسبب نشره لعقيدة السلف وتقريره لها، ورده على سائر الطوائف والفرق الضالة، وسجن بسبب ذلك، ولاقى الويلات إثر الويلات، فما سكت عن الحق، وما تخلى عما يدعوا إليه، كما أنه لم يأمر بالخروج على الأئمة، بل كان شديداً في التحذير منه.
41. التورع عن الفتيا:
اقتداءً بالصحابة - رضي الله عنهم - فقد كانوا يتدافعون الفتيا، لعلمهم بخطر القول على الله بغير علم، فهم يتورعون عنها إيثاراً للسلامة، وخوفاً على القول على الله بغير علم.
42. الحرص عل تزكية النفوس:
فأهل السنة والجماعة أحرص الناس على تزكية أنفسهم بطاعة الله - عز وجل -، دون إفراط أو تفريط، فهم يهتمون بإصلاح ظواهرهم وبواطنهم، ويتقربون إلى الله بالنوافل بعد الفرائض، فيحرصون على أداء الصلوات المكتوبة، وأداء الزكاة، وصيام شهر رمضان، وحج البيت الحرام لمن استطاع إليه سبيلا.
كما أنهم يبادرون ويسابقون إلى الأعمال الصالحة، من كثرة الذكر، والنوافل والصدقات، وغيرها من العبادات.
43. العمل على مرضاة الله في كل وقت بما هو مقتضى ذلك الوقت:
فأفضل العبادات عندهم في وقت الجهاد الجهاد وإن آل بهم الأمر على ترك الأذكار والأوراد، وفي حالة اشتداد الحاجة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، القيام بذلك الأمر، وفي حالة قدوم الضيف القيام على إكرامه وخدمته..وهكذا.
بخلاف غيرهم ممن لا يستطيع الخروج عن النوع الذي ألفه من العبادة، أما أهل السنة فلا يزالون متنقلين بين مراتب العبودية ومنازلها ومقاماتها.
44. وجل القلوب ودمع العين:
فهم أصحاب قلوب حية، وعيون دامعة، تتأثر بالقرآن ومواعظه، لما في قلوبهم من خشية الله وتعظيمه، بخلاف غيرهم من غلاظ الأكباد، وقساة القلوب وبخلاف الذين يتصنعون البكاء كالروافض الذين يعوّدون أبنائهم البكاء في المآتم، فإذا كبروا اعتادوا البكاء متى شاءوا، فبكاؤهم أمر اختياري، وحزنهم حزن مخترع.
هذه مآثر أهل السنة والجماعة، وهذه بعض خصائصهم التي تميزوا بها عن غيرهم، وتلك هي الخصال التي طبقها سلفنا الصالح - رحمهم الله - ورضي عنهم فنالوا الخيرات، وحصلوا على البركات. وليس معنى ذلك أن أهل السنة معصومون؟ لا، بل إن منهجهم هو المعصوم، وجماعتهم هي المعصومة.
أما آحادهم فقد يقع منه الظلم والبغي، والعدوان، وارتكاب المخالفات، فما أجدرنا معاشر المسلمين أن نأخذ بمنهج أهل السنة وأن نوطن أنفسنا على ذلك، وما أحرانا نحن أهل السنة أن نقوم بالسنة حق القيام، وأن نقتدي بسلفنا الصالح في كل أمورنا، لنرضي ربنا - جل وعلا - ولنعطي صورة مشرقة عن الإيمان الصحيح النقي، ليقبل الناس عليه، ويحرصوا على الدخول فيه، ولئلا نصبح فتنة لغيرنا، فإذا رأوا ما عليه أهل السنة من بعد عن المنهج وعن الفقه قالوا: إذا كان خاصة المؤمنين بهذه المثابة فلا حاجة لنا بهذا الطريق، وبذلك تندرس معالم الحق، وتنطمس أنوار الهدى.
الآثار الناجمة عن ضعف التمسك بمنهج السلف:
فإن من نتائج تساهل بعض الطوائف والجماعات من المسلمين في متابعتهم لمنهج أهل السنة والجماعة، أنها وقعت في كثير من التجاوزات والأخطاء، تلك الأخطاء العامة والشائعة بين الدعوات والدعاة على سبيل الإجمال والعموم ومنها:
1. إهمال جانب التوحيد:
من أعظم وأخطر الأخطاء التي يقع فيه الكثير من الدعوات والدعاة: إهمال جانب التوحيد، أو ضعف الاهتمام به، علماً واعتقاداً وعملاً، وبخاصة توحيد الألوهية والعبادة.
وهذا الجانب من التوحيد له الأهمية من الكتاب والسنة وأصول الدين ودعوة الأنبياء والمصلحين ما يوجب كونه الهدف الأول والغاية الكبرى لأي داعية أو دعوة مهما كانت مبررات قيامها في أي زمان وأي مكان، ولا غرو فإن هذا التوحيد توحيد الألوهية والعبادة- هو الغاية الأولى من خلق الجن والأنس، قال تعالى"وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ" [الذاريات: 56].
وقد وقع كثير من المسلمين اليوم فيما يناقض هذا التوحيد أو ينقصه ويخل به. فمما يناقضه من أعمال واعتقادات بعض المنتسبين للإسلام: دعاء غير الله، والاستعانة والاستغاثة بغير الله، والذبح والنذر لغير الله، وتصديق الكهان وما يفعلون عند القبور، وعند شيوخ الصوفية، وغير ذلك مما لا يخفى على الدعاة ولا غيرهم.
ومما ينقض التوحيد ويخدشه: شيوع البدع والخرافات كالموالد والتمسح بالقبور والأشخاص والأحجار والأشجار وغيرها، ومن الحلف بغير الله ونحو ذلك.
وعندما ننبه إلى وجوب العناية أولاً بالتوحيد ومحاربة البدع والشركيات، فهذا لا يعني أن يغفل الدعاة الجوانب الأخرى من تحقيق المصالح، ودرء المفاسد، وعلاج الانحرافات الاجتماعية والخلقية والفكرية والسياسية والاقتصادية، بل أن من قصر في شيء كان ملوماً بقدر تقصيره فيما يقدر عليه، وهذا هو مقتضى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإصلاح الذي أمر الله به، وأمر به رسول- صلى الله عليه وسلم -.
وهناك أمر يغفل عنه الكثيرون، ألا وهو إن صلاح أحوال الناس في معاشهم وأخلاقهم مرتبط بسلامة توحيدهم وعقيدتهم، قال الله - تعالى -: "وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ" [الأعراف: 96]
2. ضعف الاهتمام بالعلم الشرعي:
ومن الأخطاء التي وقع فيها كثير ممن ضعف صلتهم بمنهج السلف الصالح: ضعف الاهتمام بالعلوم الشرعية، تعلماً وتعليماً، وأننا لو تأملنا واقع كثير من الدعوات والدعاة، لوجدناهم ممن قلت بضاعتهم من نصوص الكتاب والسنة وتراث السلف الصالح، قراءة وحفظاً وتدبراً وعلماً وعملاً، ومما نجم عنه التخبط في العقيدة والأصول والأحكام والمواقف، وضعف جانب التعليم الشرعي والدعوة الصحيحة.
3. الحزبية والعصبية والغرور:
ومن تلك الأخطاء التعصب والحزبية والغرور، وهذه السمة مع الأسف سمة غالبة في أكثر الجماعات والطوائف الإسلامية، فكل حزب بما لديهم فرحون، وكل فريق يرى أنه الجدير بالإتباع، والجدير بقيادة الأمة!! وقد أودى الغرور لدى بعضهم بأن جعلهم يستهينون بالعلوم الشرعية، وبالعلماء المتمكنين في علوم الشريعة الذين لا ينتمون إليهم، ورمي بعضهم بالتغفيل وقصور التفكير، وضيق الأفق.
4. التفرق والاختلاف:
ومن تلك الأخطار التي ترتبت على الجهل بمنهج السلف: التفرق والاختلاف، وهذه السمة قد ذمها الله - تعالى -ونهى عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال تعالى"وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ" [آل عمران: 103].
وقال - تعالى -"وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ" [آل عمران: 105]
وقال - تعالى -"إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ" [الأنعام: 159]
وقال النبي- صلى الله عليه وسلم - "ولا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا"
ومع شدة النهي عنها في الدين، فقد وقعت فيها بعض الجماعات الإسلامية والدعاة المعاصرون على الرغم من إلحاح الحاجة إلى الاجتماع على الحق وعلى الكتاب والسنة، فالدعوات المعاصرة لا تزال متفرقة في مناهجها وأهدافها وأساليبها وأعمالها، وأحياناً تعلن هذه الخلاف وتُصعّده، بل حتى تلك الدعوات المتشابهة في المنهج، أو بعضه، تنزع إلى الاستغلالية والتفرق واصطناع الخلاف في واقع أمرها، مما يدل على أن المشكلة في رؤوس بعض الأشخاص أنفسهم وأهوائهم، والسبب الرئيسي في ذلك ضعف الصلة بالكتاب والسنة والأثر، وبمنهج السلف الصالح (لدى الأغلبية) والتعصب والحزبية والغرور، ثم عدم الالتزام بعقيدة أهل السنة والجماعة التي تقضي بوجوب الاجتماع على الحق، والاعتصام بحبل الله المتين والعدل والنصح لكل مسلم، وذلك الذي يزول به أسباب الاختلاف في الدين.
وأخيراً: نحمد الله أن جعلنا من أهل السنة، ونسأله أن يتم علينا النعمة والمنة، وأن يرزقنا لزوم السنة، والعمل بالسنة، وأن يتوفانا على السنة.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وسلام على المرسلين، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
17/6/1428
02/07/2007