المنهج الوقائي في الإسلام (2)

د. علي بن عمر بادحدح

 

الخطبة الأولى:

أما بعد أيها الأخوة المؤمنون:

شرعنا في الحديث عن " المنهج الوقائي في الإسلام " الذي يوفر الحماية والرعاية للأسس المهمة تنتظم بها شئون الناس في دينهم وتستقيم بها أمورهم في دنياهم وتحسن وتعظم و تتكرس بها أسباب نجاتهم في أخراهم.

ذلك أن منهج الوقاية مقدّم على العلاج، وأنه المنهج الذي يتحقق به كثير من المصالح التي لا تتحقق بعد وقوع الداء وحلول المرض، كما أنه منهج يوفر أسباباً من العصمة والحماية التي تكون نوعاً من القوة بإذن الله - عز وجل .

 

ونشرع اليوم في تفصيل ذلك الحديث؛ لنجعل حديثنا في هذا اليوم عن الوقاية للإيمان:

الإيمان بالله - عز وجل -، والتوحيد الخالص له - سبحانه وتعالى - هو أهم المهمات وأول الأولويات، وهو الذي يكون للمؤمن به - سبحانه وتعالى - من الآثار والخصائص والفضائل والنعم مالا يقدر قدره أحد، ولا يمكن بحال من الأحوال أن يقارن به شيئاً، أو أن يساوي به أي أمر من الأمور التي ينتفع بها الإنسان.

 

إن هذا الإسلام والإيمان الذي أكرمنا الله - سبحانه وتعالى - به قد توفرت له أسباب كثيرة - ليس مقامنا هذا مقام بسطها - ولكن معرفتها والتذكير بها مهم؛ لندرك ما الذي يتربص بنا! وما الذي يعده لنا أعداءنا! إذ حسدونا على ما أكرمنا الله به، وإذ مقتونا؛ لأنهم لا يريدون الاهتداء إلى الحق، ولا يريدون لنا أن نتمسك به إن هذا الدين العظيم.

يكفينا أن نشير فيه إلى ثلاث خصال في شأن الإيمان والتوحيد وكمال هذا الدين:

أولها: كمال الإسلام وتمام الشرائع {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} فالإسلام دين كامل شامل لجميع نواحي الحياة.

 

والثاني: الرسول الخاتم - صلى الله عليه وسلم -

فإنه لا رسول بعد محمد - عليه الصلاة والسلام - ختمت به الرسالات، وختم به الأنبياء..والختام لا يكون إلا على كمال وتمام، وعلى اشتمال على كل ما سبق من الخير.

والثالث هو: العصمة والحماية والحفظ لكتاب الله - سبحانه وتعالى - {إن نحن نزلنا الذكر و إنا له لحافظون}.

 

دين كامل، ورسول خاتم، وكتاب محفوظ.. معنى ذلك أنها أمة توفرت لها أسباب القوة، فاعتقادها ومبدأها وأسباب الشمول في تشريعها وأحكامها، وأسباب اليقين في قلوبها ومعتقداتها.

 

وهي أمة فيها قوة وثبات واستمرارية.. وهكذا اقتضت حكمة الله - عز وجل - أن يختم بهذه الأمة لتكون آخر الأمم وهي كما أخبر عليه الصلاة والسلام في حديثه (نحن الآخرون السابقون يوم القيامة).

 

وننظر نظرة - أيضاً - على أهم خصائص الإيمان والتوحيد عند أهل الإسلام أنها:

 أولاً: عقيدة فطرية

تتوافق مع طبائع الفطر السليمة التي تتوجه بفطرتها إلى وجود القوة العظمى إلى الخالق، الذي هو أكبر وأجل وأعظم وأقوى وأقدر على كل شيء من كل الخلق، وهذا أمر لا يتوافق مع العقائد الأخرى التي تنكرها الفطر السليمة، وتأباها العقول الراشدة.

 

وأمر ثان هو: عقيدة ساطعة واضحة.

 قد قامت عليه البراهين بالأدلة القرآنية، والأحاديث النبوية، وشهدت لها أيضاً مقاييس العقول السليمة الراشدة، فليست هي بأمر فيه شيء من الغموض، ولا شيء من الحيرة، ولا تثليث يقال، إن الثلاثة يساوي واحد، ولا عصمة مطلقة، ولا غيبة منتظرة، ولا شيء من ذلك، وإنما نحن على بينة من أمرنا في شأن هذا الإيمان والتوحيد بما بسط الله - عز وجل - من أدلة كثيرة، وبراهين عديدة في كل جانب من جوانب الحياة، وعلى كل ركنٍ من أركان الإيمان.

 

وأمر ثالث أيضاً هو: أنها عقيدة وسطية.

ليس فيه ذلك الإفراط ولا التفريط، فهي في كل جانب من الجوانب تأخذ الوسط الحق الذي أراده الله - عز وجل - لهذه الأمة.

وكما قلت: ليس حديثنا عن هذا وإنما هذه الخصال وتلك المزايا الثابتة هي التي تحرك في الآخرين الذين ليس عندهم مثل هذا تحركهم؛ لينزعوا عنا ما أكرمنا الله به، وليحاولوا أن يحرفونا عما مَنَّ الله - جل وعلا - به علينا. وهذه قضية مهمة ينبغي أن ننتبه لها.

 

وسنرى كم هي المداخل الكثيرة التي يراد بها نقض الإيمان، أو إدخال الشرك في التوحيد، أو سلخ الأمة عن دينها وانحرافها في الأحكام أو التصورات، أو في التطبيقات أو في الأقوال أو في الأحوال؛ حتى لا يكون لها تلك الخصائص الميزة، والوحدة المتماسكة، والمنهج الواضح الساطع القوي الصراط المستقيم.

 

وهناك أبواب كثيرة، ومداخل عديدة في هذا الوقت الذي نعيشه، وهي أيضاً معروفة في تاريخ الأمة الإسلامية، ومن كمال هذا الدين أنه جاء بعلاجها، وحذّر من خطرها، وأوجد العقوبات المناسبة لحسمها وردعها.

 

وهذا في كل الأبواب؛ ولعلنا نذكر أهم الأبواب التي سنتحدث عن بعضها ويتوالى حديثنا عنها:

أولاً: الردة ونقض الدين وسنرى صور كثيرة تعرض له.

والثاني: أمر الابتداع في الدين.

وأثره وخطره في نقض عرى هذا الإسلام، وإدخال الشرك إلى مباني التوحيد.

وأمر ثالث وهو: أمر التشبه والمولاة لأعداء الله - عز وجل -.

وما يدخل به هذا أو ما يدخله هذا المدخل على الناس في شأن إيمانهم واعتقادهم.

وأمر رابع وهو: الغلو والتشديد والزيادة غير المشروعة، وما يفضي به ذلك أيضاً إلى المروق من الدين.

 

 أما الأمر الأول فهو الذي نتحدث عن بعض صوره في واقعنا حرية التدين دعوى عظيمة مندرجة ضمن ما هو منصوص عليه في النظام الدولي في حقوق الإنسان:

إنه من حق كل إنسان أن يختار أي دين شاء، وأنه من حقه أن لا يكون مؤمناً بأي دين مطلقاً، وهذا من مفردات الحرية الشخصية - كما يقولون - و أيضاً يقولون لنا إن الإسلام يقرر ذلك فيقول {لا إكراه في الدين}.

 

ومعنى ذلك من الناحية العملية - كما ينص عليه في أقوالهم - أنه لكل إنسان أن يغير دينه متى شاء، وأن يخرج من دينه ويدخل في غيره بحسب ظروفه و تصوراته وتفكيره.. ومعنى ذلك - أيها الأخوة الأحبة - أن تكون الأديان - إذا صحت وجود هذه الأديان على ما عندها من انحراف - أنه تصبح الأديان لعبة، يمكن أن يدخل فيها من شاء، ويخرج من شاء؛ وذلك لأن القوم ليس عندهم في عقائدهم وضوح، وليس عندهم في كتبهم حفظ ولا صيانة، وليس عندهم في واقعهم ربط بين عقائدهم وحياتهم؛ فإنهم قد فصلوا الدين عن الدولة كما يقولون؛ لذلك هؤلاء الذين تعددت مشاربهم يقولون بمثل هذا.

 

والمقصد الأعظم هو أهل الإيمان والإسلام؛ لأنه عندهم من يعبد البقرة، وعندهم من يعبد الشجرة، وعندهم من يعبد كذا و كذا في هذا العصر.. فهذا ما الذي يجعله لا يرى في مثل هذه الحرية شيئاً نافعاً ومفيداً له.. إنه قد تعطيه هذه الحرية فرصة أن يخرج من هذا الضلال إلى الحق، ولكن كيف يكون ذلك في شأن الإسلام؟ وبدعوى {لا إكراه في الدين}؟!

 

إن قول الله - جل وعلا - {لا إكراه في الدين} أي في اعتناقه ودخوله ابتداءً.

والإسلام هو الدين العظيم الذي لم يسجل في التاريخ أنه عندما فتح بلاداً، أو عندما ملك أرضاً أجبر أهلها على أن يدخلوا فيه معتنقين لمبدئه، ومقرين بعقائده؛ بل إن الإسلام دخل إلى بقاع شتى من بقاع الأرض، دون أن تأتي جيوش الإسلام، ودون أن يأتي علماء الإسلام، ودون أن يأتي أهل الإسلام بقضهم وقضيضهم، وإنما بمجرد بقدوات من المسلمين ذهبوا في تجارة أو في عمل.. دخل الناس في دين الله - عز وجل - أفواجاً بالإقناع لا بالإكراه.

 

فأصل الدخول لا يكون كذلك والذين يقولون بهذه الحرية وعدم الإكراه.. تاريخهم مسود بصفحات من الخزي أشهرها وأظهرها دخول النصارى إلى بلاد الأندلس وكيف قتلوا كل من لا يريد الدخول في النصرانية وكيف فعلوا فضائع ليست داخلة مطلقاً في قوانين الإنسانية ولا البشرية؛ فضلاً عن العقائد الدينية أو السماحة الدينية - كما يزعمون - والتاريخ الذي يشهد بهذا من كتابهم ومن علمائهم وليس من أقوالنا والتاريخ كما يقولون لا يجامل أحداً.

 

ثم أنظر أيضاً إلى قضية خطيرة في هذا الأمر وهي: أنه إذا دخل الإنسان في الإسلام - ومبدأ الإسلام أنه لا يدخل بالإكراه - بل يدخل بالإقناع فماذا يعني هذا؟

يعني أنه قد آمن، وأيقن بأحقية الإسلام، وبأنه دين حق وكامل، وأن أدلّته كافية وشافية، وأن تشريعه كامل وشامل.. فمعنى خروجه من بعد ذلك أنه نقض لهذا أو تلاعب به، وهذا هو فعل اليهود - عليهم لعائن الله - قد فعلوه وأرادوه في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وسجّله القران لنا {وإذ قالت طائفة منهم آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون}، هكذا يصوّر لنا القران ما هو المقصد من فتح هذه الحرية المزعومة بعد الدخول في الإسلام..

 

ماذا يقول هؤلاء؟

ادخلوا في الإسلام يوماً أو يومين، أو شهراً أو شهرين، وفي آخر الأمر اخرجوا منه.. فماذا يقول الناس؟

قالوا هؤلاء أهل كتاب وعندهم معرفة بالأديان، دخلوا في الإسلام ثم خرجوا منه.. إذن هذا الإسلام فيه نقص أو فيه خطأ، يجعلون هذا الدخول والخروج زندقة عرفها أهل الإسلام وحكموا بردة من دخل فيها، ومن خاض فيها أوجبوا عليه حد الإسلام بالقتل كما سنذكره.

 

لماذا يفعلون ذلك؟

لينقضوا عرى الإيمان، ويحطموا قواعد التوحيد، ولينزعوا من القلوب مهابة وعظمة الإيمان والإسلام؛ فيصبح من شاء دخل، ومن شاء خرج، كأن الأديان كلأً مباحاً، وكأن الاعتقاد أمرٌ قابل للتغير..

وهذا أمر يتنافى مع حقيقة الواقع الإنساني؛ فإن من اعتقد شيئاً وثبتت له أحقيته وصدقه على ما اعتقده؛ فإنه لا يغيّر ذلك، فإذا غيّر وهو يعتقد أنه على الحق وغير بالباطل فهذا يعني أنه يتلاعب، ولابد من وقف لذلك!

 

وهنا ننتبه إلى ما يزعمونه أو يوصمون به الإسلام - وهو منه بريء - وهذا الذي يتهمونه به هو ألصق بهم وأليق بهم؛ فإنهم يدعون شيئاً من العنصرية أو العصبية في هذا التشريع، فيقولون: لما يمنع المسلمون من شاء منهم أن يخرج إلى غير دين آخر، وهم في واقع الأمر هم الذين يفعلون ذلك.

وأما من حيث الواقع العملي؛ فإن الإسلام يقيم حدّ الردة على ذلك، ومن الذين ارتدوا في تاريخ الإسلام وأقيم عليهم الحد.. هل هم آلاف مؤلفة؟ هل جموع غفيرة؟ إنهم أفراد في الأصل في غالب الأحوال دخلوا لغرض الإفساد في الدين، فلما ظهر زيغهم وبرزت زندقتهم كان حكم الإسلام لهم بالمرصاد ليحسم مادة الفتنة كما هو مقرر في منهج الوقاية.

 

ومن الحريات المزعومة: حرية الفكر

الذي يتناول كل شيء بالنظر والعقل والتفكير والاجتهاد، وهو قابل للأخذ والرد وللترك والنقض.. ليس هناك شيء ثابت لا يتغير، وليس هناك حق لا يخالطه باطل، وليس هناك ثبات لا يمكن أن يتبدل.. ماذا يقصدون بمثل هذا إنهم يعلمون أن الإسلام وأهله يوقنون بأن القرآن حق ثابت لا يتغير في كلمة من كلماته، بل ولا حرف من حروفه، بل ولا في حركة من حركاته.. لماذا يكون لهم هذا الثبات فلنزعزع ذلك.. فلنقل أن كل شيء قابل للتغيير عندهم.. لا بأس بذلك فهم يقرون به، يطبعون الأناجيل ويقولون طبعة مزيدة ومنقحة، ليس عندهم في ذلك شيء!

عندهم مؤتمرات يغيرون فيها ما شاءوا من الأديان، وما شاءوا من الأحكام، ويريدون لهذه الأمة التي قد عصمت من هذا أن لا تكون متميزة بذلك، فباسم حرية الفكر ننظر في أي نص ولو كان آية قرآنية ثبتت بالتواتر القطعي، ولم تتغير على مدى عشرات من القرون وإن كان ذلك.

 

لماذا يقولون لك ليس هناك نص مقدس - والعياذ بالله - كفر محض عندما يقصدون به القرآن، أو ما صح وثبت عن سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -؟

إنهم يريدون بذلك أن لا يجعلوا مقدس عند النفوس ولا في القلوب، فحتى الأحكام التي ثبتت في القرآن أو الآداب أو غير ذلك من التواريخ - كما قال قائلهم - عصا موسى خرافة!

ما هذا الذي يذكر في القرآن عصى تنقلب إلى حية وتفعل كذا وكذا، أين عقولنا؟ هل نحن مغفلون أو مجانين؟

هكذا يزعمون ويدعون فيسلبون من القرآن حقائقه، ويصرفونه عن دلالاته ويدخلون فيه التأويل.

 

والباطنية التي كانت من أعظم أسباب البلاء الذي وقع في تاريخ الإسلام، والمسلمين وسترى ذلك كثيراً، ولكن لنسأل أولئك القوم على اختلاف مذهبهم.. هل يؤمنون بهذه الحرية فيما يتعلق بمبادئهم، أم أنك تعلم اليوم وتسمع وترى أن من يتكلم كلمة - ولو بطريق غير مباشر - على ما سمي بمجازر اليهود النازية؛ فإنه لا بد أن يعتذر ولا بد أن يحافظ بل دول تغرم وتلزم بدفع التعويضات.. لماذا؟

قالوا لأن هذا اجتراء !

هل هو اجتراء على الله - عز وجل -؟ أو هل اجتراء على رسول الله - عليه الصلاة والسلام -؟ هل هو قضية متاحة للتفكير مع إثبات الحقائق؟

كل ذلك يلغى بل حتى المذاهب التي صنعوها في بلاد الإسلام وفي بلاد العرب لا تعترف بذلك استمع إلى بعضها.

 

البعثية التي قدست القومية..

ماذا يقول أربابها؟ يقولون: " البعث العربي حركة قومية تتوجه إلى العرب كافة، على اختلاف أديانهم ومذاهبهم، وتقدس حرية الاعتقاد، وتنظر إلى الأديان نظرة مساواة في التقديس والاحترام.. " ما معنى هذا الكلام؟

قضية خطيرة ما الذي يربط المسلمين في شرق الأرض و غربها، من الصين إلى الهند إلى السند؟

إنه الإسلام والإيمان، فلنخرج هذه القاعدة، ولنلغي هذه الرابطة فيكن العرب مع العرب والهند مع الهند وهؤلاء مع هؤلاء حتى تتقطع الأوصال!

هذه دعوى أيضاً من الدعاوى.

 

ولكن لننظر هؤلاء الذين يقولون إنهم يحترمون الأديان، ويريدون أن يساووا بين الناس ماذا يقولون في قضاياهم التي أخذوها ويقدسونها ويجعلونها عقيدة، لا يقبلون فيها صرفاً ولا عدلاً، يقولون عن البعثية والقومية إنها حب قبل كل شيء.. إنها العاطفة نفسها التي تربط الفرد بأهل بيته، وإنها مثل الدين تنبع من القلب، وتصدر عن إرادة الله، جعلوها ديناً غير دين الله، جعلوا نصوصاً أرادوها أن تكون هدياً غير هدي الله - عز وجل - في كتابه - سبحانه وتعالى -.

 

ثم انظر ماذا يفعل هؤلاء؟ ماذا يقولون في أحكامهم التي طبقوها في الواقع العملي؟

يقولون يحكم بالإعدام على كل من ينتمي إلى حزب البعث الاشتراكي إذا أخفى عن عمد ارتباطاته الحزبية والسياسية السابقة لذلك، يعني إذا أخذ مع غير الحزب الاشتراكي وعقيدته آمن بفكرة أو فعل شيئاً يتناقض معه؛ فإنهم يقتلونه.. يقتلونه على مخالفة آرائهم وأهوائهم ويريدون أن لا يقتل إذا خالف أمر الله ونص القرآن وهدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما ثبت من الدين بالقطع.

 

هذه هي صور من ذلك وهناك وصور كثيرة أخرى ومنها الاستهزاء الذي يهونون فيه شأن الأحكام، و يمتهنون شأن النصوص، ويجعلون هناك أموراً يرون أنها لغرض في نفوسهم، يمكن أن تكون ذات أثر في شأن نقض الدين ونزع هيبته من قلوب الناس، كما نرى في أنهم يقولون كلاماً، ويكتبون أشعاراً، ويؤلفون روايات.. فإذا قيل لهم في ذلك قالوا هذا أدب، وهذا نوع من السخرية الأدبية، وهذا نوع من التلاعب بالألفاظ.. فلماذا تعقدون الأمور ونحن لا نعني ذلك، وكلما جاء أحد بكلام ظاهر واضح في نصه في مناقضته لآيات الله وأحاديث رسول الله، وبمسلّمات الدين؛ فإنهم يقولون لا نعني هذا وإنما نعني هذا!

 

والله - عز وجل - قد أخبرنا عن المنافقين وما فعلوا، وعن حكم الله - عز وجل - فيهم عندما جاء الحدث المشهور في غزوة تبوك مجتمع المنافقين، فقالوا: " ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء - يعنون رسول الله - عليه الصلاة والسلام - وصحابته - أرغب بطوناً، وأجبن عند اللقاء.. " استهزاء وسخرية، فنزلت الآيات بكفرهم، قالوا نحن نستهزئ {قل أبالله و آياته ورسوله كنتم تستهزئون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا قوماً فاسقين}.

 

إن أمر الإيمان والاعتقاد والتوحيد والإسلام ليس مجالاً للتلاعب، ولا شيء للاستهزاء، ومن هنا ننظر إلى الحكم الذي جاء به الإسلام؛ ليكون وقاية وحماية من هذا التلاعب، ومن نزع الدين من قلوب الناس.. استمع أو انتبه إلى هذا المنهج.. إنه لم يأت فقط بمجرد القتل وإنما بجوانب كثيرة مختلفة:

أولها: التدليل على إبطال الكفر وبيان ضلال الشرك

وآيات القران في ذلك عظيمة وكثيرة، وهدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا بين وواضح، بل والشاهد والواقع يثبت ذلك، فعندما حكم القران، وجزم بنص قاطع بأن التحريف قد وقع في التوراة والإنجيل فإنه واقع؛ فإنك عندما تنظر إلى هذه الكتب ما وقع فيها من التحريف تجزم قطعاً بالعقل والفطرة قبل النص والدليل بأنها محرفة، وأن الإنسان أن يقبل ما هو مكتوب في نصوص هذه الكتب من نسبة الكفر إلى الأنبياء، أو من نسبة ذكر أن بعض الأنبياء شربوا الخمر، وأن بعضهم اقترفوا الزنا مع بناتهم ومحارمهم.. فأي كتاب يمكن أن يصدق في هذا فضلا ً من أن ينسب مثل هذا لكتاب الله - عز وجل -.

 

فالقران بسّط في أول الأمر الأدلة المبينة أن غير الإسلام والإيمان فيه بطلان، وفيه ضلال، وفيه انحراف..

ثم أيضاً بين الله - جل وعلا - ذلك في آيات كثيرة وبين الزيغ والانحراف فيها كما في قوله - عز وجل -: {واتخذوا من دونه آلهةً لا يخلقون شيئاً ولا يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعا ولا يملكون موتاً ولا حياة ولا نشورا}.. إنها آيات تخاطب العقل، وتقيم الحجة؛ حتى تثبت ذلك وغيرها و غيرها من الآيات..

 

ثم أيضاً أمرٌ آخر إثبات شمول الإسلام وكماله، وبيان مناهجه التي تغني الإنسان المعتقد له، والمؤمن به، والمتحاكم إليه عن كل شيء غيره مطلقاً في سائر جوانب الحياة، ثم إذا كان الإسلام هو الحق والأدلة قائمة على إثباته، وإذا كان غيره هو الباطل والأدلة قائمة على صور النقص والبطلان فيه؛ فإنه إن من دخل فيه بعد العلم ببطلان غيره، والاقتناع به من غير إكراه يجيء الحسم والحكم في أن من خرج عن هذا الدين وارتد عنه يقتل.

 

وقد سبق أيضاً في منهج التحذير والتنبيه على خطر ذلك، وبيان أنه صورة تعد على صاحبها بالضرر كما قال - جل وعلا -: {قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشيطان في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا}هكذا يصور الله - عز وجل - ذلك، ويقول أيضاً: {أفلا يتدبرون القران أم على قلوب أقفالها * إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم * ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر} غيروا وبدلوا، والله - عز وجل - يصور هذا ويحذر منه وينفر عنه.

 

كما قال أيضاً في قصة شعيب: {وقال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أولو كنا كارهين} وبين في سياق الآيات الرد عليهم وأن الارتداد بعد الإيمان هو أقبح وأرذل وأوصم شيء.

 

ومن هنا جاء الحكم بأنه: (من بدل دينه فاقتلوه)، وجاء حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - في الثلاثة التي تحل دم المرء المسلم قال: (... والتارك لدينه المفارق للجماعة) أما أن يبقى الأمر هكذا، ويريدون أن يتلاعبوا بالدين الحق، وبالقران المحفوظ، وبالرسول الخاتم - صلى الله عليه وسلم -، ويفعلون الأفاعيل، ويريدون أن يبيحوا لأنفسهم ما يفعلون به، وما يسيئون به إلى الإسلام، ويمنعوا غيرهم من ذلك.

 

هل في المسلمين من يتكلم أو من يسيء إلى نبي من الأنبياء، أم أن عقائد الإسلام فيها إيمان بكل الرسل والأنبياء، ومن استهزئ برسول من الرسل كما يستهزئ اليهود - عليهم لعائن الله - برسولنا - صلى الله عليه وسلم -، ويرسمون الرسومات المضحكة في هذا أو يكتبون المقالات أو يسجلون ذلك في عقائدهم ومؤتمراتهم، ونحن كلنا نؤمن برسل الله - عز وجل - وبعيسى وموسى - عليهما الصلاة والسلام - ونعرف في عقائدنا ما يجل الرسل، وما يثبت أصل هذه الأديان، ولكننا نؤمن بما أخبرنا الله به مما كان فيه الانحراف، والله - عز وجل - يخبرنا ليحذرنا فيقول: {ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا} عبر كل الوسائل ن وعبر كل الطرق والأبواب والمداخل التي يفتحونها هنا وهناك، وهذه قضية خطيرة.

ولا يزال الأمر فيها مستمراً نسأل الله - عز وجل - أن يعصمنا من الفتنة والزلل.

 

الخطبة الثانية:

أما بعد أيها الأخوة المؤمنون...

إن من أعظم التقوى تعظيم الإيمان في القلب، وتعظيم خطر الانحراف عنه أو الزيغ عنه؛ حتى يكون المؤمن دائماً على تعلق بربه وخالقه، وعلى توحيد خالص في شأن إيمانه بالله - سبحانه وتعالى -.

 

والصور - أيها الأخوة - في واقعنا كثيرة، ومنها ومن أهمها محاكمة أو المحاكمة للأحكام الشرعية بالنظر العقلي أو بالقضايا الواقعية - كما يقولون - وفي ذلك بما يعرضونه تهوين للمحرمات، أو إبطال لها، فيقولون لك: إن أحكام الإسلام في المرأة نوع من الكبت والعصر لا يحتمل مثل ذلك، بل إنهم يقولون إن حكم الشريعة للناس أو لقيام الدولة على حكم الشريعة أمر غير ممكن، فليتخلى الناس عن تلك؛ لأنها كانت في فترة زمنية، ولم تعد صالحة لهذا الزمن!

وهذا القول هو عين الكفر لمن تأمله، أو عرف دلالته.. إنه حينئذ يبطل أن القران كتاب الله - عز وجل - إلى قيام الساعة، وأن رسالة النبي - صلى الله عليه وسلم - هي الخاتمة إلى نهاية هذا العالم.. كل ذلك يبطل بمثل هذه المقالات.. وهذا أمر خطير وبيّن.

 

ونسمع في ذلك مقالات كثيرة تكتب على صفحات الصحف، أو يكتبها أولئك الأدباء المارقون في أشعارهم أو في كتبهم أو نحو ذلك، وأصبحت اليوم أيضاً تأتينا على الشاشات والقنوات الفضائية حوارات تخضع كل شيء - بلا استثناء - إلى النظر والنقاش، أو يكون أيضاً هناك أمر في الاستهزاء بالشعائر أو بالفرائض أو بالإسلام والمسلمين ن أو بصور من التزام المسلمين، وكل ذلك ضرب من ضروب الدخول على ثوابت الإسلام والمسلمين حتى تهتز.

 

ومن ذلك أيضاً: تعظيمهم لمن ثبت في التاريخ انحرافهم عن جادة التوحيد، وجعلهم قدوات، يسمونهم " ثوار الفكر " أو يسمونهم " رواد الحرية " من هؤلاء الذين اختاروهم: أبو منصور الحلاج، الذي قال بوحدة الوجود، والذي حكم أهل الإسلام في عهده بكفره، والذي قتل ردة، فيقولون إنه " شهيد حرية الفكر "!

ويختارون لنا أسماء من هنا وهناك، كـ " مهيار الديلمي " و هذا الحلاج وغيره يجعلونهم قدوات - بل ويصنعون الأفلام السينمائية - ليبرزوا حرية الفكر في تاريخ الإسلام، وكيف اضطهد هؤلاء المفكرين و الأحرار ونحو ذلك.. وكل هذا نوع من الحرب الشعواء التي جعل الله عز جل في منهج الإسلام الوقاية منها بمثل هذه الأحكام.

 

وحكم الردة وتفصيله هو باب من أبواب الوقاية؛ فإن من دخل الإسلام عن قناعة وعن اهتداء؛ فإنه ينبغي أن يعلم أن خروجه معناه نقض تلك القناعة، وإقرار ببطلان ذلك الاهتداء، وهذا لا بد له من عقوبة لذات المرء وتأديبه ولتأديب غيره؛ حتى يحفظ الدين والإيمان والاعتقاد، وكل أمة من الأمم تكذب إن قالت إنها تخالف هذا.

 

إن الشيوعية البائدة والماركسية الهالكة كان من يتكلم عن ماركس أو لينيين لا بد أن يعاقب! بل يقتلونه بلا كلمة وبلا أدنى مراجعة مطلقاً! أفيكون هذا في حق من يعتدي على هؤلاء الفسقة الفجرة الكفرة، ولا يكون مثله في حق من يعتدي على الذات الإلهية أو على شخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم -!

 

وانظر إلى ما يقولونه في كل هذا؛ فإن الواقع يكذبه، وإن كثيراً مما يدعونه من هذه الشعارات إنما يستهدف أهل الإسلام، وفي واقعهم يفعلون بغيره وبضده..

إن ظاهراً أو كان ذلك مستتراً.. نسأل الله - عز وجل - أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، وأن يحفظ علينا إيماننا، وأن يحفظ علينا يقيننا، وأن يحفظ علينا نعمة الأمن والإيمان والسلامة والإسلام والهداية والاستقامة، وأن يجعلنا بكتابه متمسكين ولهدي رسوله - صلى الله عليه وسلم - متبعين.. نسأله - سبحانه وتعالى - أن يجنبنا الفتن والمحن ما ظهر منها وما بطن، وأن يصرف عنا شبهات الفكر وشهوات النفس، وأن يعصمنا بالإيمان وأن يكمّلنا بالإسلام..

 

01-08-2007

 

http://www.islameiat.com                       المصدر: