الحياة العريضة
عبد اللطيف بن عبد الله التويجري
أولاً: تمهيد:
• حقيقة الحياة الدنيا والأدلة على ذلك:
إن المتأمل لهذه الحياة، وما يجري فيها من تحركات وتقلبات وحوادث وغيرها، وينظر إلى نهايتها ومآلها، لَيستيقن أنها متاع قليل؛ يتمتع به الإنسان برهة ثم ينقطع ويفنى.
فالدنيا مـا عِـيبت بأكثر من ذكر فنائها، وتقلب أحــوالـهـا، فتـتـبدل صحـتـها بالسـقـم، ووجــودهـا بالعـدم؛ وشبابها بالهرم، ونعيمها بالبؤس، وحياتها بالموت، وعمارتها بالخراب، واجتماعها بفرقة الأحباب. ولقد جاء الحديث عنها وعن حقيقتها في شرعنا الحنيف في كثير من الآيات والأحـاديـث؛ فوصـفها القرآن بعـدة أوصاف وضرب لها عـدة أمثـلة، قـال ـ تعـالى ـ: {إنَّمَا مَثَلُ الْـحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَاللَّهُ يَدْعُو إلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم} [يونس: 24 - 25].
وقال ـ سبحانه ـ : {وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْـحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا} [الكهف: 45]، وقال ـ سبحانه ـ: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْـحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْـحَيَاةُ الدُّنْيَا إلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ} [الحديد: 20].
وجاء في سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - القولية والعملية ما يوضِّـح حقيقة هذه الحياة، وما ينبغي من عدم الاغترار بها؛ لكونها لا تساوي عند الله شيـئاً، فقـد ثبت في جامع الترمذي وغيره مرفوعاً إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِراً مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ»[1]. وصح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يوصي أصحابه ـ رضي الله عنهم ـ بعدم الركون إلى الدنيا والاستعداد للآخرة، كما جاء في صحيح البخاري عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أنه قال: أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمنكبي وقال: «كُنْ في الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيـبٌ، أَوْ عَابِرُ سَبِيـلٍ»[2].
وقد ثبت عنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ كذلك أنه ضرب لهذه الدنيا مثلاً بليغاً؛ ليـبين لأمتـه مقـدارها فقال: «واللهِ ما الدُّنْيَا في الآخِرَةِ إِلاَّ مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ في الْيَمِّ فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ؟»[3].
• الواجب على المسلم عدم الاغترار بالدنيا:
إن هذه الآيات والأحاديث السابقة تدل دلالة واضحة على عدم الاغترار بالدنيا ومظاهرها؛ لأن عاقبتها ونهايتها غير محمودة. ولذلك «شبهها ـ سبحانه وتعالى ـ في أنها تتزين في عين الناظر، فتروقه بزينتها، وتعجبه فيميل إليها، ويهواها اغتراراً منه بها، حتى إذا ظن أنه مالك لها، قادر عليها، سُلِبَهَا بغتة أحوجَ ما كان إليها، وحيل بينه وبينها، فشبهها بالأرض التي ينزل الغيث عليها، فتعشب ويحسن نباتها، ويروق منظرها للناظر، فيغتر به، ويظن أنه قادر عليها، مالك لها، فيأتيها أمر الله، فتدرك نباتَها الآفةُ بغتة، فتصبح كأن لم تكن قبل، فيخيب ظنه، وتصبح يداه صفراً منها، فهكذا حال الدنيا والواثق بها سواء؛ وهذا من أبلغ التشبيه والقياس. ولما كانت الدنيا عرضة لهذه الآفات، والجنة سليمة منها قال ـ تعالى ـ: {وَاللَّهُ يَدْعُو إلَى دَارِ السَّلامِ} [يونس: 25]، فسماها هنا دار السلام لسلامتها من هذه الآفات التي ذكرها في الدنيا، فعمَّ بالدعوة إليها، وخص بالهداية من يشاء، فذاك عدله، وهذا فضله»[4].
• الدنيا مزرعة الآخرة:
علينا أن نعلم ونتيقن بأن الحياة الدنيا زائلة وقصيرة، وأنها لن تبقى لأحد، وكلٌّ مردُّه فيها إلى الزوال، وقد جعلها الله ـ عز وجل ـ مزرعة للآخرة، والتجارة التي يظهر ربحها في الآخرة لمن أخلص وأحسن. ولهذا قد أكّد أكثر من ألَّف من العلماء في الوعظ والسلوك ـ كالغزالي وابن الجوزي وابن القيم وغيرهم ـ هذا المعنى العظيم، وهو أن الدنيا مزرعة للآخرة؛ وذلك لأن الإنسان إذا عمل في هذه الدنيا حسب ما أمره الله ـ تعالى ـ ورسوله - صلى الله عليه وسلم - وترك ما نهى عنه الله ـ تعالى ـ ورسوله - صلى الله عليه وسلم - تكون نتيجة ذلك في الآخرة على حسب عمله واجتهاده وطاعته.
وإذا قصَّر الإنسان في ذلك قصرت عنه نتيجته، وكل ذلك عائد إلى عمله في الدنيا، ولا بد؛ لأن الحياة الدنيا أمد، والآخرة أبد، وعمر الإنسان الحقيقي هو: ما يكتب له عند الله ـ سبحانه ـ من عمل الصالحات وفعل الخيرات.
يـقول ابـن القـيم ـ رحمه الله تعالى ـ: «تأمل حكمة الله ـ سبحانه ـ في الدارين تعلم حينئذٍ علماً يقيناً لا شك فيه أن الدنيا مزرعة الآخرة وعنوانها وأنموذجها، وأن منازل الناس فيها من السعادة والشقاوة على حسب منازلهم في هذه الدار في الإيمان والعمل الصالح وضدها...»[5].
• ضابط الزهد في الدنيا:
من المهم هنا الإشارة إلى أن الزهد في الدنيا لمجرد أنها دنيا لا حمد فيه، كما لا حمد أيضاً للرغبة فيها، وإنما الحمد على إرادة الله ـ عز وجل ـ والدار الآخرة، وعلى ذلك جاءت دلالة الكتاب والسنة، قال ـ تعالى ـ: {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ} [الشورى: 20].
ولذلك حـين سمـع رسـول الله - صلى الله عليه وسلم - عـن بعض الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ ترك النساء واللحم والزهد فيهما قال قولته المشهورة: «لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي»[6].
يقول ابن تيمية: «المحمود في الكتاب والسنة إنما هو إرادة الدار الآخرة، والمذموم إنما هو من ترك إرادة الدار الآخرة واشتغل بإرادة الدنيا عنها، فأما مجرد مدح ترك الدنيا فليس في كتاب الله ولا سنة رسوله»[7].
• المراد بالحياة العريضة:
إذا أدرك المؤمن أن الدنيا مزرعة الآخرة، فعليه أن يسعى جاهداً لأن يزرع فيها زرعاً نافعاً يحصده في الآخرة. والمقصود بهذا الزرع هو جميع ما يفعله المسلم في الدنيا من أعمال صالحة بكافة أنواعها وأشكالها. ومن ذلك جاء في هذا المقال الدعوة إلى جعل حياة المسلم مباركةً منتجةً مستثمرةً لكل فرصة في هذه الدنيا. وعُبِّرَ عن هذا بالحياة العريضة؛ إشارةً إلى وجود أعمال الخير والبر والإحسان فيها حتى أصبحت عريضة، فالعبرة فيها بإحسان العمل وليس بكثرته، قال ـ تعالى ـ: {الَّذِي خَلَقَ الْـمَوْتَ وَالْـحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} [الملك: 2].
ويمكننا باختصار أن نقول: الحياة العريضة هي الحياة المباركة المثمرة التي يسعى صاحبها جاهداً لعمل الخير حسب توفـيق الله ـ عز وجل ـ له، ولهذا جاء في معنى قول عيسى ـ عليه السلام ـ: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ} [مريم: 31] أقوال مختلفة ذكرها أكثر المفسرين، ولو نظرنا إلى معانيها لوجدناها كما يلي[8]:
ـ جعلني نافعاً.
ـ جعلني آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر أينما كنت.
ـ جعلني معلم الخير.
ـ جعلني داعياً إلى الله في الأقوال والأفعال.
ـ جعلني في جميع الأشياء زائداً عالياً منجحاً.
فإذا تأملنا جميع الأقوال وجدناها تجتمع في معنى واحد وهو: المسارعة لفعل الخيرات في الدنيا ابتغاء وجه الله تعالى، والاستمرار عليها، فالإنسان المبارك هو الذي قال عنه ابن القيم: «كثير الخير في نفسه الذي يحصله لغيره تعليماً ونصحاً وإرادةً واجتهاداً، ولهذا يكون مباركاً؛ لأن الله بارك فيه، وجعله كذلك، والله ـ تعالى ـ متبارك؛ لأن البركة كلها منه، فعبده مبارك، وهو المتبارك»[9].
وأجدني لا أستطيع تجاوز هذه النقطة قبل الإشارة إلى حديث عظيم يمثل هذا المفهوم عملياً، فقد جاء في صحيح مسـلم من حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قَالَ: قَالَ رَسُـولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَـنْ أَصْبَـحَ مِنْـكُمُ الْيَوْمَ صَائِماً؟». قَالَ أَبُو بَكْرٍ ـ رضي الله عنه ـ: أَنَا. قَالَ: «فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جَنَازَةً؟». قَالَ أَبُو بَكْرٍ ـ رضي الله عنه ـ: أَنَا، قَالَ: «فَمَنْ أَطْعَـمَ مِنْـكُمُ الْيَـوْمَ مِسْكِــيناً؟». قَالَ: أَبُو بَكْرٍ ـ رضي الله عنه ـ: أَنَا. قَالَ: «فَمَـنْ عَادَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مَرِيضاً؟» قَالَ أَبُو بَكْرٍ ـ رضي الله عنه ـ: أَنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا اجْتَمَعْنَ في امْرِئٍ إِلاَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ»[10].
فتأمل هذا التنوع في فعل الخير ليوم واحد فقط من حياة الصديق ـ رضي الله عنه ـ فكيف لو تأملنا حياته في الإسلام كلها؟ إذن لوجدنا في ذلك مثالاً عظيماً يجسد هذا المعنى من جميع نواحيه، فرضي الله عنه وأرضاه.
وأخـتم هـذا العـنصر بكلام لطيـف للشـيخ ابـن عثيمين ـ رحمه الله تعالى ـ حول مفهوم البركة حيث يقول: «البَرَكة: كثرة الخيرات ودوامها واستمرارها، ويشمَلُ البَرَكَة في العمل والبَرَكة في الأثر. أما البَرَكَة في العمل: أن يُوفِّق الله الإنسان لعمل لا يُوفَّق له مَن نُزعت منه البَرَكة. وأما البَرَكَة في الأثر: بأن يكون لعمله آثار جليلة نافعة ينتفع بها الناس، ولا شَكَّ أن بَرَكَة النبيِّ ـ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ ـ لا نظيرَ لها، وذلك لأن أمَّته أكثر الأمم، ولأن اجتهادهم في الخير أكثر من اجتهادِ غيرهم، فَبُورِكَ له ـ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ ـ فيمن اتبعَه، وبُورِكَ له في عَمَلِ من اتبعَه»[11].
ثانياً: مقارنة بين حياتين:
قال ـ تعالى ـ: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [النحل: 76].
فرقٌ كبير بين حياتين: حياة طويلة لكنها غير مباركة ضعيفة الإنتاج والعمل والعلم والإصلاح، وقد تكون سلبية على صاحبها لاقترافه المنكرات والمحرمات، والأخرى: حياة مليئة بالأعمال والأقوال الصالحة، زاخرة بالتقوى والصلاح والإصلاح والدعوة، مباركة منتجة، صاحبها يرجو ما عند الله والدار الآخرة.
فالأولى: صاحبها مخدوع في الدنيا معاقب في الآخرة، لم يعرف وزن وقدر هذه الدنيا.
والأخرى: صاحبها موفق في الدنيا مثاب في الآخرة، على حسب عمله، وجهده، وإخلاصه في الدنيا، وكل ذلك عائدٌ على عمر الإنسان، وأعماله في الدنيا، التي قد تكون حجة له أو عليه. ومن هذا الباب جاء قول قتادة وغيره: اعلموا أن طول العمر حجة[12]. وذلك ما كان القرآن أكده. يقول الله ـ عز وجل ـ: {وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِـحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَ لَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ} [فاطر: 37].
وغاية المراد: أن طول العمر حجة للمرء أو عليه بسبب أعماله وأقواله؛ فإذا كان طول العمر مع عمل صالح كان حجة للإنسان، وإذا كان طول العمر مع عمل سيِّئ كان حجة على الإنسان. فالخيرية الواردة في طول العمر في حديث المصطفى - صلى الله عليه وسلم - مقيدة بحسن العمل، وذلك حين سئل الرسول - صلى الله عليه وسلم -: أيّ الناس خير؟ قال: «مَنْ طَالَ عُمْرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ». فقيلَ: فأي النَّاسِ شَرٌّ؟ قَالَ: «مَنْ طَالَ عُمْرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ»[13].
قال ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ: «العبد على جناح سفر: إما إلى الجنة وإما إلى النار. فإذا طال عمره وحسن عمله كان طول سفره زيادة له في حصول النعيم واللذة، فإنه كلما طال السفر إليها كانت الصبابة أجلَّ وأفضل. وإذا طال عمره وساء عمله كان طول سفره زيادة في ألمه وعذابه ونزولاً له إلى أسفل. فالمسافر إما صاعد وإما نازل. وفي الحديث المرفوع: خيركم من طال عمره وحسن عمله، وشركم من طال عمره وقبح عمله»[14]. ولا شك أن الأوقات والساعات التي تمر على المرء كرأس المال للتاجر، فينبغي أن يتَّجر فيما يربح فيه. وكلما كان رأس ماله كثيراً كان الربح أكثر؛ فمن انتفع من عمره بأن حسن عمله فقد فاز وأفلح، ومن أضاع رأس ماله لم يربح وخسر خسراناً مبيناً[15].
ولهذا؛ فإن من طال عمره وحسن عمله قد يفوق منزلة الشهيد في سبيل الله ـ تعالى ـ الذي يموت قبله إذا أحسن العمل واجتهد بالطاعة. وقد بوب الإمام ابن حبان في صحيحه باباً في ذلك[16].
وجاء في سنن أبي داود عن عبيد بن خالد السلمي قال: «آخى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين رجلين، فقُتل أحدهما ومات الآخر بعده بجمعة ونحوها، فصلينا عليه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما قلـتم له؟ قالوا: دَعَوْنا له وقلنا: اللهم اغفر له وألحقه بصاحبه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فأين صلاته بعد صلاته وصومه بعد صومه وعمله بعد عمله؟ إن بينهما كما بين السماء والأرض»[17].
قال ابن عبد البر: يفسر هذا المعنى ويوضحه قوله - صلى الله عليه وسلم -: «خير الناس من طال عمره وحسن عمله»[18].
فتأمل كيف كانت حياة الآخر الذي مات بعده بوقت قصير خيراً له، وزيادة في رفع درجاته: {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الجمعة: 4].
ثالثاً: أبنـاء الآخرة:
قَالَ عَلِي بْنُ أَبِي طَالِبٍ ـ رضي الله عنه ـ: «ارْتَحَلَتِ الدُّنْيَا مُدْبِرَة، وَارْتَحَلَتِ الآخِرَةُ مُقْبِلَةً، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَنُونَ، فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الآخِرَةِ، وَلا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلا حِسَاب، وَغَداً حِسَابٌ وَلا عَمَلٌ»[19].
حين داوى القرآن العظيم والرسول الكريم قلوب الصـحـابــة ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ بـهذا الدواء المـؤثـر ـ وهو عمارة الآخرة وترك الركون إلى الدنيا ـ كان نتيجة ذلك كثرة أعمالهم وخيراتهم، فصارت أفعالهم أكثر من كلامهم، ففتحوا البلدان ونشروا العلم، وبلَّغوا الدعوة، فكانوا حقاً أبناء الآخرة، فعبروا الدنيا ولم يعمروها[20]، وعرفوا حقيقتها ولم يغرهم زخرفها.
وقد حازوا ذلك بتقواهم وامتثالهم لأمر الله ـ عز وجل ـ وأمر رسوله - صلى الله عليه وسلم -. وقد جاءت نصوص كثيرة من الوحيين تربِّيهم على هذا، كما في قوله ـ تعالى ـ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْـحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْـحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إلاَّ قَلِيلٌ} [التوبة: 38]، وكما في قوله ـ عز وجل ـ: {إنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْـحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [لقمان: 33].
إن لمثل هذه الخطابات والتوجيهات أثراً عظيماً في تربية النفوس وتهذيبها، بل إنها من الأسباب الرئيسة في تحديد الأهداف وعلو الهمة لجعل الحياة مباركة. فما أحوجنا في مجتمعاتنا إلى من يتدبر هذا الأمر تدبراً واعياً؛ حيث يكون هو همه وشغله الشاغل، يطبقه عملياً في حياته، كلٌّ حسب ما أعطاه الله ـ عز وجل ـ ووهبه من المواهب، مستحضراً نعيم الجنة وزوال الدنيا، كما كان الرعيل الأول.
ما أجمل أن تعالج المظاهر السيئة الموجودة في مجتمعاتنا الإسلامية من الفوضى والفساد والظلم والحسد والكذب والاحتيال بهذا العلاج الناجع؛ بأن نكون أبناء الآخرة، متذكرين مصير الدنيا وزوالها، وما أعده الله لنا في الجنة، بحيث نكون ممن يرجو ثواب الله ـ عز وجل ـ ويخشى عقابه؛ في عمله ومتجره وبيته وبيعه وشرائه ومعاملته وفي كلامه وفي شأنه كله، نريد مجتمعاً صادقاً مقـدراً للحـياة قـدرها ومـدركاً عاقبـتها ومخلصاً لخالقها عز وجل، همُّ الواحد منهم رفع رصيده في الآخرة من الحسنات والدرجات، شعاره تقوى الله والمسارعة في الخيرات وبذل الخير للغير، راجياً قول الله ـ تعالى ـ: {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِـحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْـجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا}
[النساء: 124].
رابعاً: أمثــلة:
إن الواجب على المسلم أن يعرف حقيقة هذه الحياة، ويقدرها قدرها ويعمل على استغلالها استغلالاً جيداً ينفعه يوم لا ينفـع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، محاولاً أن يبـني له عملاً صالحاً يفوز به ويفلح، فيقتدي بهدي القرآن وهدي النبي - صلى الله عليه وسلم - وهدي الصالحين من قبله الذيـن عرفوا حقيقة هذه الحياة، وعملوا فيها أعمالاً عظيمة، فصارت حياتهم مباركة رغم قصرها ورغم مصاعبها. والناظر في كتب السِّيَر يجد الأمثلة في ذلك كثيرة لا تحصى، ولكن من باب: ما لا يدرك كله لا يترك جُلّه، نشير إلى بعض النماذج من سير هؤلاء العظماء؛ لشحذ الهمم، ولنعرف كيف تعاملوا مع هذه الدنيا.
• الرعيل الأول:
حسبنا قبل كل شيء في هذا الباب سيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي أخرج الناس من الظلمات إلى النور، وغيَّر وجه التاريخ، وأقام ديناً قويماً، وربَّى عليه جيلاً فريداً، وأنشأ أمة عظيمة، وأسس دولة عالمية، في زمن يسير، وعمر محدود، ثم أتى الخلفاء الراشدون من بعده، الذين فتحوا الآفاق، ونشروا العلم والإسلام، وعلموا الأمم، ونقلوها من أديانها الجاهلية وعاداتها الموروثة إلى نور الهداية والإسلام حتى وقف المؤرخون حيارى أمام هذا التقدم والتغيير الذي أحدثه الإسلام في العالم: دينياً ونفسياً وفكرياً واجتماعياً وسياسياً في أقل من قرن من الزمان. ونظراً لأنهم ـ رضوان الله عليهم ـ تربوا على يد الرسول - صلى الله عليه وسلم - فسمعوا كلامه ورأوا أفعاله وعرفوا حاله، أصبحت حياتهم مباركة، حتى صارت لمن بعدهم مثالاً يحتذى وأثراً يقتفى. ولو وقفنا على أخبارهم في ذلك لطال بنا المقام، لكن نكتفي بمثال واحد منهم؛ لنرى ذلك المنهج واضحاً جلياً فيه، وهو: سعد بن معاذ ـ رضي الله عنه ـ فحين نتأمل سيرته نجد فيها ما يلي:
ـ كان من أعظم الناس بركة على قومه في الإسلام؛ فحين أسلم ذهب إليهم، وقال: كلام رجالكم ونسائكم عليَّ حرام حتى تسلموا، فأسلموا.
ـ وافق حكمَ الله ـ عز وجل ـ من فوق سبع سماوات، كما في قصة حكمه على يهود بني قريظة المشهورة[21]، حتى وصفه الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالرجل الصالح[22].
ـ أُثر عنه أقوال تنبئ عن علو همته ويقينه بالله ـ عز وجـل ـ مـثـل قوله: «ثـلاث أنا فـيما سـواهـن بعد ضعيف: ما سمـعت رسـول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول قولاً قط إلا علمت أنه حق، ولا صلـيت صـلاة قط فألهاني عنها غيرها حتى أنصرف، ولا تبعت جنازة فحدثت نفسي بغير ما هي قائلة أو يقال لها حتى نفرغ».
قال الزهري ـ رحمه الله تعالى ـ لما حُدِّث بذلك: يرحم الله سعداً إن كان لمأموناً، وما كنت أرى أن أحداً يكون هكذا إلا نبي»[23].
ـ اهتز عرش الرحمن لموته ـ رضي الله عنه ـ كما جاء في الصحيحين وغيره أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: «اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ»[24].
وهنا لفتة مهمة: أن رجلاً كسعد بن معاذ ـ رضي الله عنه ـ يعيش خمس سنوات في الإسلام، ويهتز عرش الرحمن لموته، ويحزن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لفراقه؛ ليدل ذلك دلالة واضحة على أن الله ـ عز وجل ـ بارك له في عمره القصير فوفقه لأعمال عظيمة من جهاد وبذل وعطاء، حين علم منه الصدق والإخلاص والتقوى والصلاح، فرضي الله عنه وأرضاه.
• أحوال السلف الصالح:
لو نظرنا إلى من جاء بعد الصحابة من التابعين والسلف الصالح من الفقهاء السبعة والأئمة الأربعة وغيرهم ممن تبعهم بإحسان؛ لوجدنا حياتهم مباركة علماً ودعوةً وأخلاقاً وتأليفاً وجهاداً وصدقةً وأعمالاً حتى إذا سمعناها أو قرأناها ظننا ذلك ضرباً من الخيال والمبالغة، حتى كانوا يتأسفون عند موتهم على انقطاع أعمالهم بالموت، كما في قصة بكاء يزيد الرقاشي عند موته حيث قال: أبكي على ما يفوتني من قيام الليل وصيام النهار، ثم بكى وقــال: من يصلي لك يا يزيد بعدك؟ ومن يصوم ومن يتقرب لك بالأعمال الصالحة؟ ومن يتوب لك من الذنوب السالفة؟! وجزع بعضهم عند موته. وقال: إنما أبكي على أن يصوم الصائمون لله ولست فيهم، ويصلي المصلون ولست فيهم، ويذكر الذاكرون ولست فيهم، فذلك الذي أبكاني[25].
فلما كان حالهم بهذه المثابة جعل الله ـ عز وجل ـ لهم لـسان صـدق في الآخرين، فانتشرت سيرهم وأخبارهم حـتـى صـاروا كأنـهم أحـيـاء بيننا من كثـرة نتاجهم، فكانوا لا يرضون إلا بالازدياد من أعمال الخير في كل يوم، ويحزنون إذا فقد ذلك، ويعدونه خسراناً، فحالهم كما قيل:
أليس من الخسران أن ليالياً *** تمر بلا نفع وتحسب من عمري
حتى أخرجوا لنا جيلاً من التلاميذ والأتباع، تربوا على منهجهم، وأخذوا من علومهم. ولخشية الإطالة سأكتفي بمثال واحد من هؤلاء العلماء المباركين؛ لنرى كيف كانت حياته مباركة حتى وصل إلينا ثمارها.
وهو العالم الإمام أبو إسحاق الشاطبي المغربي المالكي صاحب التصانيف التي سارت بها الركبان واشتهرت بأقصى البلدان. وحديثنا عن الإمام الشاطبي من ناحيتين:
1 ـ حياته العلمية.
2 ـ حياته العملية.
فحياته العلمية حافلة بالعطاء. وبارك الله له في فهمه وكتاباته، حتى برع في كثير من الفنون وخاصة علم المقاصد والأصول حتى عُدَّ من المجددين فيه حيث ألف كتابه الشهير في هذا الفن (الموافقات) فكتب الله ـ عز وجل ـ له القبول والانتشار وكثرة بركته على القاصي والداني، فبنى به هرماً شامخاً لمعاني الشريعة وأسرارها، وأصبح المتكلمون في هذا الفن عالة عليه. قال عنه التنبكتي: «كتاب الموافقات في أصول الفقه كتاب جليل القدر جداً، لا نظير له، يدل على إمامته وبُعد شأوه في العلوم؛ سيما الأصول»[26].
وله كتاب آخر عظيم النفع المسمى بـ: (الاعتصام) وهو في ذم البدع والمحدثات، وفيه دعوة صريحة للرجوع إلى الكتاب والسنة وعمل السلف الصالح، قال فيه: «لم أزل أتبع البدع التي نبه عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحذر منها وبيّن أنها ضلالة وخروج عن الجادة... وأبحث عن السنن التي كادت تطفئ نورها تلك المحدثات لعلِّي أجلو بالعمل سناها وأُعدّ يوم القيامة فيمن أحياها»[27]. فبدأ يحذر من البدع والمحدثات ويؤصل ويرد ويراسل في ذلك. ولا شك أن مواجهة الناس، وما أحدثوه من البدع جهاد عظيم. ونظراً لصدقه وإخلاصه جعل الله لهذا الكتاب ولسابقه القبول والانتشار فذاع صيتهما وصارا مرجعين في بابهما.
ثم تنوع عطاؤه فكتب في الأدب والثقافة (الإفادات والإنشادات) وفي النحو والصرف. وجُمعت له فتاوى جمعها أحد المعاصرين[28]. وإن كان ـ رحمه الله تعالى ـ مقلاً في التأليف عن غيره من العلماء إلا أن هذا القليل منه مبارك، وخير من كثير من غيره.
وأما من الناحية العملية؛ فقد كان مكثراً ـ رحمه الله تعالى ـ من الدعوة إلى الله من كتابة وخطابة وإمامة وتدريس ونفع. وحدث عن نفسه فقال: «دخلت في بعض خطط الجمهور من الخطابة والإمامة ونحوها، فلما أردت الاستقامة على الطريق وجدت نفسي غريباً في جمهور أهل الوقت لكون خططهم قد غلبت عليها العوائد ودخلت على سننها الأصلية شوائب من المحدثات الزوائد»[29].
هذا؛ وقد امتُحن الإمام الشاطبي في حياته لأجل دعوته هذه، فأوذي وتوالت الاتهامات عليه والتلفيقات، وكثرت المراسلات بينه وبين بعض علماء عصره حول بعض المسائل، فكان يؤلف ويرد ويراسل، كل ذلك يريد به رجوع الناس إلى هدي الكتاب والسنة، فلما صدق في دعوته ورسالته جعل الله له لسان صدق في الآخرين في الذين أتوا من بعده، فسبحان من وهبه هذه الحياة المباركة والسيرة العطرة.
• أحوال بعض المتأخرين:
وقد يظن بعض الناس أن إيراد مثل هذه السِّيَر والأخبار مثالية وبعدٌ عن الواقع والموضوعية؛ لأسباب كثيرة: من تغير الزمان والمكان والحياة.. إلخ.
والجواب عن ذلك: أن الذي يقرأ ويسمع عن سِيَر بعض المتأخرين من علماء ومفكرين ودعاة ومجاهدين مخلصين وغيرهم؛ ليرى أنهم لم يتأثروا بهذه الدنيا وتغيراتها، فكانوا في الدنيا بأبدانهم وفي الآخرة بقلوبهم وأرواحهم؛ ولم تغبر أرجلهم في طلب الدنيا قط!! أعطوا وبذلوا وجددوا وعملوا وقضوا ما عليهم، فنسأل الله لهم الرحمة والمغفرة.
هؤلاء هم الذين يحسن بنا أن نتأمل سيرهم وندرسها ونعلمها تلاميذنا وأبناءنا؛ لنقول لهم: هؤلاء عظماؤنا وقدواتنا، اعرفوا فضلهم، واقتدوا بهديهم؛ لتكون سيرهم معالم في حياتكم، انظروا كيف صنعوا لهم هذا المجد، وهذه الحياة المباركة، اقرؤوا سيرة الشيخ عبد الرحمن السعدي العلمية والعملية، أو حياة المفسر الأصولي محمد الأمين الشـنقيطي صـاحـب الكتاب الجليل: (أضواء البيان) أو سيرة إمام العصر ابن باز، الذي كان يقضي حوالي سـبع عشـرة سـاعة يـومياً في عـمـل وبـذل وعـلم وتعليم، أو الإمام المحدث الألباني، أو الفقيه المربي الشيخ ابن عثيمين، أو الداعية الشيخ علي الطنطاوي، وغيرهم من العلماء والعظماء والزهاد والعُبَّاد، الذين إذا قرأنا في سيـرهم وأخـبارهم ظننا أنهم من عصر السلف. ولكن كل ما في الأمر هو: سيرة أناس عاشوا بيننا، وأثّروا فينا، وأصبحوا إيجابيين في مجتمعاتهم وحياتهم، حتى صاروا رموزاً يُقتدى بهديهم وأعلاماً يُقتفى أثرهم.
قومٌ سمت بهم العوارفُ والنهى *** أن يرغبوا في كل فانٍ قـالــي
قومٌ أبت بهم المفاخرُ والعلا *** أن يشتروا غير النفيسِ الغالــي[30].
خامساً: الأسباب العملية:
هنـاك بعـض النقـاط العمـلية العامـة الـتي قـد تسـاعـد ـ بمشيئة الله تعالى ـ على جعل حياة الإنسان زاخرة بالأعمال الصالحة التي تنفعه ـ بإذن الله ـ في الآخرة، منها:
1 ـ الإكثار من سؤال الله ـ عز وجل ـ التوفيق والإعانة في جميع الأعمال والأقوال؛ مع مراعاة وجوب تحقيق الإخلاص لله ـ عز وجل ـ والمتابعة لرسوله - صلى الله عليه وسلم - فيهما، وهذا مطلب مهم في كل عمل يراد به وجه الله ـ عز وجل ـ في هذه الدنيا، قال ـ تعالى ـ: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِـحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110].
ومن المعلوم أن شروط العمل الصالح كما قررها أهل العلم هي: الإخلاص لله تعالى، والمتابعة للرسول - صلى الله عليه وسلم -.
ولهذا نجد بعض من آثر الاشتغال بالبدع والكلام وترك اتباع سـنة المصـطفـى - صلى الله عليه وسلم - قـد نـدم على ذلك فــي آخر حياته وتمـنـى أنــه ما ضيـع وقـته وجهـده فـي ذلك كمـا هو حال أبـي الحسـن الأشعري والغزالي وإمام الحرمين الجويني والرازي الذي كان يتمثل في آخر حياته الأبيات المشهورة:
نهاية إقـدام العقول عقالُ*** وأكثر سعي العالمين ضــلالُ
وأرواحنا في وحشةٍ من جسومنا** وحاصلُ دنيانا أذىً ووبــالُ
ولم نستفدْ من بحثنا طولَ عمرنا*** سوى أن جمعنا فيه قيلَ وقالوا[31]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وتجد عامة هؤلاء الخارجين عن منهاج السلف من المتكلمة والمتصوفة يعترف بذلك، إما عند الموت، وإما قبل الموت، والحكايات في ذلك كثيرة معروفة»[32].
2 ـ فعل الأسباب التي تبارك في العمر وتطيله؛ من كثرة الصلاة وقراءة القرآن والذكر والصيام والصدقة والعلم وحسن الخلق وقضاء الحوائج وصلة الرحم[33] وغيرها. وقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ في رِزْقِهِ، وَأَنْ يُنْسَأَ لَهُ في أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ»[34]. وروى الإمام أحمد في مسنده عن عائشة ـ رضي الله تعالى عنها ـ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لها: «إنه من أعطي من الرفق فقد أعطي حظه من الدنيا والآخرة، وصلة الرحم وحسن الخلق وحسن الجوار؛ يعمران الديار، ويزيدان في الأعمار»[35].
وثبت في صحيح مسلم من حديث أبي أمامة الباهلي مرفوعاً إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «اقْرَؤوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ وَلاَ تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ»[36].
3 ـ من الأسباب الكبرى في ذلك: الحرص على القيام بالأعمال التي تبقى للإنسان بعد موته، ووصفها بعض العلماء بـ: العمر الثاني للإنسان. وهي من الأشياء المهمة في هذا الموضوع، التي حاز عليها عباد الله الصالحون، وهي كثيرة جداً، وجامعها قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ سَنَّ فِي الإسلام سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ»[37]. وهذا يدخل فيه الميت بلا شك فيستمر له الأجر والثواب إلى يوم القيامة؛ نسأل الله الكريم من فضـله. وجـاء في صحـيح مسلم مـن حـديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ مرفوعاً: «إذَا مَاتَ الإنسان انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ»[38].
4 ـ الارتقاء والعلو بالهمة، والإنسان الطموح هو الذي ينتج غالباً.
قال ابن القيم: «العامة تقول: قيمة كل امرئ ما يحسنه، والخاصة تقول: قيمة المرء ما يطلبه، وخاصة الخاصة تقول: همة المرء إلى مطلوبه»[39].
5 ـ الصبر وعدم استعجال النتائج والثمار في أي عمل يعمله المسلم، قال ـ تعالى ـ: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَـمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24].
أَخلِقْ بذي الصبر أن يحظى بحاجته *** ومدمن القرع للأبواب أن يلجا
6 ـ توظيف الطاقات والملكات؛ فقد يفتح الله ـ تعالى ـ على إنسان في الصلاة، وآخر في الصوم، وآخر في صلة الأرحام، وآخر في كتابة وتعليم... ولهذا كانت أبواب الجنة الثمانية مقسمة على أنواع الخير. فينبغي على كل مسلم أن يستغل ما فتح الله عليه، ويوظفه توظيفاً إيجابياً ينفعه في الآخرة. ولا شك أن الموفق من يدخل من الأبواب الثمانية كلها؛ كحال أبي بكر الصديق، رضي الله عنه. وانظر إلى فقه الإمام مالك ـ رحمه الله تعالى ـ حين كتب إليه عبد الله العمري العابد يحضه على الانفراد والعمل، فردَّ عليه الإمام مالك بأن الله قسم الأعمال كما قسم الأرزاق، فرُبَّ رجل فُتِحَ له في الصلاة ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الصدقة ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الجهاد. فنشر العلم من أفضل أعمال البر، وقد رضيت بما فتح لي فيه، وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه، وأرجو أن يكون كلانا على خير وبر[40].
7 ـ ترتيب الأولويات والمهام في الأعمال التي يريد أن يعملها المسلم، فالمشروع تقديم الفاضل على المفضول، والواجب على المستحب، وهكذا حتى يكون المسلم مرتباً منتجاً. ومن تأمل سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - يجد في ذلك الشيء الكثير منها على سبيل المثال: ما جاء في صحيح البخاري وغيـره من حـديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أنه قال: لَمَّا بَعَثَ النبي - صلى الله عليه وسلم - مُعَاذاً نَحْوَ الْيَمَنِ قَالَ لَهُ: «إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ تَعَالَى، فَإِذَا عَرَفُوا ذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ في يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذَا صَلُّوا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً في أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ غَنِيِّهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فَقِيرِهِمْ، فَإِذَا أَقَرُّوا بِذَلِكَ فَخُذْ مِنْهُمْ وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ»[41].
فتأمل كيف رتَّب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعوتهم ترتيباً منسقاً على حسب أهميتها. ومن المؤسف أن نجـد بعـض الناس مـن أهــدر عــمـره في بـعـض الأمور المفـضـولة وتـرك الفاضلة، أو اشتغل بما لا ينفع، وهؤلاء غالباً يقل نفعهم ويضعف نتـاجـهم. وقـد ذكر ابن الجوزي في كتابه النفيس المسمى بـ (تلبيس إبليس) كلاماً جميلاً في ذلك فقال في ذكر تلبيس إبليس على بعض القراء: «من ذلك أن أحدهم يشتغل بالقراءات الشاذة وتحصيلها، فيفني أكثر عمره في جمعها، وتصنيفها والإقراء بها، ويشغله ذلك عن معرفة الفرائض والواجبات»[42].
8 ـ من الأسباب المهمة: استثمار الأيام والمواسم الفاضلة؛ كشهر رمضان وخاصة العشر الأواخر منه، وعشر ذي الحجة وغيرها من الأعمال التي تُضاعف أجورها.
9 ـ وجود البيئة الصالحة التي تشجع الإنسان وتعينه على القيام بأعمال الخير، قال ـ تعالى ـ: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْـحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28].
10 ـ الزهـد فـي أمـور الدنـيا ابـتغـاء الآخـرة. وتيقن أن الراحة الحقيقـية لن تكون إلا في الجنة، قال ـ تعالى ـ: {تِـلْـكَ الــدَّارُ الآخِـــرَةُ نَجْــعَـلُــهَا لِلَّذِيـنَ لا يُــرِيــدُونَ عُـلُـوًّا فِــي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83].
خـتـاماً: أسأل الله أن يجـعـل حـياتـنا مـباركة طيـبة، وأن يجـعـلـنا مـباركـين أينـما كـنـا وحيـثُ توجـهـنـا. اللـهـم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آلـه وأصحابه أجمعين..
___________________________________
[1] أخرجه الترمذي: (2320) وغيره، وصححه الألباني بمجموع طرقه في الصحيحة: (686).
[2] صحيح البخاري: (6416).
[3] صحيح مسلم: (2858).
[4] إعلام الموقعين: (1/182 ـ 183).
[5] الجواب الكافي: (ص 85).
[6] ينظر: صحيح البخاري: (5063).
[7] مجموع فتاوى ابن تيمية: (20/ 147 ـ 148).
[8] ينظر في معاني ذلك: تفسير الطبري: (18/190 ـ 191)، وتفسير البغوي: (5/230)، وتفسير القرطبي: (11/103)، وتفسير ابن كثير: (5/229)، وفتح القدير: (4/454)، وتفسير ابن سعدي: (ص 492).
[9] ينظر: جلاء الأفهام: (ص 168).
[10] ينظر: صحيح مسلم: (1028).
[11] الشرح الممتع على زاد المستقنع: (3/126).
[12] ينظر: تفسير ابن كثير: (6/553).
[13] أخرجه البيهقي في سننه بهذا اللفظ: (6763)، وأخرجه أحمد والترمذي وقال: حديث حسن صحيح، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (11/82): إسناده جيد.
[14] الفوائد: (ص 331 ـ 332).
[15] ينظر: تحفة الأحوذي: (6/114).
[16] بقوله: ذكر البيان بأن من طال عمره، وحسن عمله قد يفوق الشهيد في سبيل الله تبارك وتعالى، ينظر: صحيح ابن حبان: (12/453).
[17] ينظر: سنن أبي داود: (2524)، وسنن النسائي: (1985)، والحديث صححه الألباني في صحيح أبي داود: (2278).
[18] التمهيد: (5/195).
[19] ذكره البخاري معلقاً مجزوماً به في أوائل كتاب الرقائق: (ص 1233، بيت الأفكار الدولية)، ورواه ابن أبي شيبة: (34495)، وأحمد في فضائل الصحابة: (850)، وينظر: جامع العلوم والحكم: (2/278).
[20] ذكر الحافظ ابن رجب في كتابه جامع العلوم والحكم: أن من وصايا المسـيح عـيسى ابن مـريـم ـ علـيهما السلام ـ لأصحابه قوله: «اعبروها ولا تعمروها». يعني: الدنيا، وأخرج هذا الأثر أبو نعيم في الحلية عن وهيب المكي: (8/145).
[21] أخرجها النسائي في «الكبرى»: (5939)، والحاكم: (2/124)، وصححها الألباني في الصحيحة: (2745).
[22] ينظر: السلسلة الصحيحة: (3348).
[23] ينظر: مصنف ابن أبي شيبة: (34796).
[24] صحيح البخاري: (3803)، وصحيح مسلم: (2466).
[25] ينظر: لطائف المعارف: (ص 499 ـ 500).
[26] نيل الابتهاج: (49).
[27] الاعتصام: (30).
[28] وهو الدكتور محمد أبو الأجفان.
[29] الاعتصام: (19).
[30] التذكرة في الوعظ لابن الجوزي: (ص 41).
[31] ينظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: (4/72 ـ 73).
[32] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: (4/72).
[33] جاءت أحاديث وأخبار تدل على ذلك، وللرجوع إليها ينظر كتاب: كيف تطيل عمرك الإنتاجي؟ للدكتور: محمد النعيم، فإنه مفيد في بابه
[34] أخرجه البخاري: ( 2067)، ومسلم: (2557).
[35] أخرجه أحمد في المسند: (19/53) وأخرج البيهقي في الشعب نحوه: (6/226). والحديث حسَّنه المناوي في فيض القدير: (4/195)، وصححه الألباني في الصحيحة: (519).
[36] صحيح مسلم: (1910).
[37] أخرجه مسلم: (2398).
[38] أخرجه مسلم: (1631).
[39] مدارج السالكين: (3/147).
[40] سير أعلام النبلاء: (8/114).
[41] ينظر: صحيح البخاري: (7372)، وصحيح مسلم: (19).
[42] تلبيس إبليس: (ص 152).