فقه المعاملات المالية المعاصرة (5) الأوراق النقدية
الشيخ سعد بن تركي الخثلان
الأوراق النقدية هي موجودة من قديم الزمان، وكانت في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - تسمى بالدراهم والدنانير، الدراهم تمثل الفضة والدنانير تمثل الذهب، وأول من ضرب النقود في الإسلام هو عبد الملك بن مروان سنة 74، وقد أشار إلى ذلك الطبري وغيره، وذكروا أن سبب ذلك هو لما ساءت العلاقات بينه وبين الروم وقام عبد الملك بن مروان - في قصة طويلة - وأمر بأن تضرب النقود في الدولة الإسلامية، ويكتب عليها قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ بدل ما كان يكتب من عبارات خاصة بالروم، ويقال أيضا: إنه وضع صورته بدلا من صورة القيصر.
المقصود أنه أول من أمر بضرب النقود، فسكت النقود في عهده، وأصبحت تسك النقود وتضرب إلى وقتنا هذا.
هذه الأوراق النقدية، التي تسمى الآن عندنا بالريالات، ما تكييفها الفقهي وما الأحكام المترتبة على ذلك التكييف؟ اختلف في هذه المسألة اختلافا كثيرا على أقوال:
فذهب بعض العلماء إلى أن الأوراق النقدية هي سندات بدين على جهة مصدرها، فمثلا هنا الريالات تعتبر سندات على الجهة المصدرة التي هي مؤسسة النقد العربية السعودية، فهي تعتبر إذا سندات بدين، ولكن اعترض على هذا بأن التعهد بسداد ما تمثله هذه الأوراق النقدية أصبح الآن تعهدا صوريا وليس حقيقيا، وإن كان حقيقيا في بداية استعمالها لكن الآن أصبح صوريا.
في السابق يمكن ربما بعضكم يذكر كان يكتب على الأوراق النقدية تتعهد مؤسسة النقد العربي السعودي بأن تتدفع لحامل هذه الورقة قيمتها، كان هذا يكتب في السابق، الآن لم يعد يكتب فأصبح هذا التعهد تعهدا في الحقيقة صوريا وليس تعهدا حقيقيا، ولذلك لو أن شخصا ذهب الآن إلى مؤسسة النقد وقال: أعطوني بدل هذا الريال أو بدل المائة ريال أعطوني بدلا عنه ما يمثله من ذهب أو فضة ما أعطوه شيئا، ربما سخر منه، فأصبح الآن هذا تعهدا صوريا ليس تعهدا حقيقيا، هذا هو القول الأول في المسألة.
القول الثاني: أن هذه الأوراق النقدية تعتبر عرضا من العروض، ونسب هذا القول للشيخ عبد الرحمن السعدي - رحمه الله - أنه يرى أن الأوراق النقدية بمنزلة العروض والفلوس المعدنية إلا أنه لا يباع منها حاضر بمؤجل...هذا من كلام الشيخ في الفتاوى السعدية صفحة 30، 35، أنها بمنزلة العروض والفلوس المعدنية إلا أنه لا يباع منها حاضر بمؤجل.
والحقيقة أن هذا القول لو قيل به لانفتح باب الربا في البنوك على مصراعيه، يصبح خلاص ما في ربا وتصبح هذه بمثابة العروض كأنك تبيع عرض بعرض أو عرض بنقد مثلا، فهذا يفتح باب الربا على مصراعيه، وتفرح البنوك بمثل هذا القول؛لذلك هذا القول فيه خطورة في الحقيقة، وفيه إشكلات كثيرة، ولذلك هو يعتبر من أضعف الأقوال.
القول الثالث: أن الأوراق النقدية كالفلوس التي ذكرها الفقهاء، فما ثبت للفلوس من أحكام ثبت للأوراق النقدية، والفلوس قد اختلف فيها الفقهاء، فمنهم من قال: إنها تعتبر كعروض التجارة، ومنهم من قال: إنها يثبت لها ما يثبت للنقدين، ومنهم من قال: إنها تلحق بالنقدين في وجوب الزكاة وجريان ربا النسيئة، ولا تلحق بالنقدين في ربا القرض.
ولكن أيضا إلحاق الأوراق النقدية بالفلوس محل نظر؛ لأن هذه الأوراق النقدية هي عملة رائجة ليست كالفلوس التي ذكرها الفقهاء، فإن الفلوس الحديدية لا يتعامل بها غالبا إلا في المحقرات والأشياء اليسيرة، بخلاف الأوراق النقدية فإنها قد حلت محل الذهب والفضة، بل إنها ربما تفوق الذهب والفضة.
والقول الرابع: أن الأوراق النقدية بدل لما استعيرت عنه، وهما النقدان الذهب والفضة فيكون حكمها حكم الذهب والفضة، ولكن هذا القول مبني على افتراض أن الأوراق النقدية مغطاة غطاء كاملا بذهب أو فضة، وهذا غير صحيح. فليست الأوراق النقدية الآن المتداولة مغطاة جميعها بالذهب والفضة.
ولما بحثت هذه المسألة في هيئة كبار العلماء أول ما بحثت قبل أكثر من ربع قرن أحضر بعض الخبراء وبعض الاقتصاديين، وكان بعض العلماء يتجه إلى هذا القول، وهو أن الأوراق النقدية بدل عن الذهب والفضة باعتبار أن لها غطاء في مؤسسة النقد، فبين الخبراء أن هذا ليس بصحيح، وأن ليس جميع الأوراق النقدية مغطاة بذهب أو فضة، قد يكون جزء منها مغطى لكن جزء آخر ليس مغطى بالذهب أو الفضة، فيكون إذا هذا القول محل نظر.
القول الخامس: أن الأوراق النقدية نقد مستقل بذاته، فيعتبر نقدا قائما بذاته كقيام النقدية في الذهب والفضة وغيرها من الأثمان. وهذا هو القول الصحيح في المسألة أن الأوراق النقدية، نقد قائم بذاته كقيام النقدية في الذهب والفضة، وهو الذي استقرت عليه الآن الفتيا في العالم الإسلامي، واستقر عليه آراء المجامع الفقهية والهيئات العلمية، بل أصبح الآن هو قول عامة العلماء.
أما الأقوال الأخرى فكان قد قيل بها فيما سبق ولكن الذي استقر عليه الأمر الآن هو هذا القول الأخير، وهو أن الأوراق النقدية نقد قائم بذاته كقيام النقدية في الذهب والفضة.
وهذا كما ذكرت هو الذي أقرته المجامع الفقهية أقرته أولا هيئة كبار العلماء بالمملكة وأقره أيضا مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي وجاء في قرار المجمع بناء على أن الأصل في النقد هو الذهب والفضة، وأن علة جريان الربا فيها هي مطلق الثمنية في أصح الأقوال، قالوا: يعتبر الورق النقدي نقدا قائما بذاته كقيام النقدية في الذهب والفضة وغيرهما من الأثمان، كما يعتبر الورق النقدي أجناسا مختلفة، لا حظ هنا كما يعتبر الورق النقدي أجناسا مختلفة تتعدد بتعدد جهات الإصدار، بمعنى أن الورق النقدي السعودي جنس، والورق النقدي الأمريكي جنس، والليرة جنس، والجنيه جنس، واليورو جنس إلى آخره.
وبذلك يجري فيها الربا بنوعيه فضلا ونسيئة، كما يجري الربا بنوعيه في النقدين الذهب والفضة. وهذا كله يقتضي ما يأتي.
المسائل المترتبة على هذا القول ما يأتي:
أولا: لا يجوز بيع الورق النقدي بعضه ببعض إذا كانا من جنس واحد، فمثلا الريالات السعودية بالريالات السعودية لا بد من التقابض والتماثل، وعلى هذا ترد مسألة في صرف العملات، فحينما تريد أن تصرف مبلغا، ولنفترض أنه خمسمائة ريال ذهبت للمصرف لك... هذه خمسمائة، قال له: الآن ما عندي إلا أربعمائة أعطيك الآن الأربعمائة، وباقي الريالات أعطيك إياها فيما بعد، فإن هذا لا يجوز؛ لأنه يشترط التقابض والتماثل.
وهذه المسألة يحصل فيها الخطأ من بعض العامة عند الصرف تجد من يصرف الفئة النقدية من جنس واحد ولا يحصل التقابض والتماثل، فيصرف خمسمائة مثلا بأربعمائة، والباقي يقول: أعطيك إياه فيما بعد، يكون هنا قد وقع في الربا، فلا يجوز مثل هذا التعامل وينبغي التنبه والتنبيه على هذه المسألة.
لكن لو أنه اشترى - انتبه للفرق بين هذه المسألة والمسألة السابقة - لو أنه اشترى من محل - من بقالة مثلا - اشترى سلعا وأعطاك خمسمائة، وكان قيمة ما اشتراه أربعمائة ريال، وقال: الباقي فيما بعد هذا لا بأس به، لأن هذا ليس صرفا، ليس هنا مصارفة، إنما فقط أعطاه قيمة هذه السلع التي اشتراها، وما تبقى بقي دينا في ذمة البائع. هذا ليس صرفا.
المسألة الممنوعة هي مسألة الصرف، يصرف خمسمائة بأربعمائة، والباقي يعطيك إياه فيما بعد، هذا هو الممنوع.
أما عند بيع الورق النقدي مع اختلاف الجنس، فيشترط التقابض؛ لأن القاعدة إذا اختلفت الأجناس، فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد.
فإذاً نقول: الورق النقدي لا يخلو إما أن يكون جنسا واحدا أو مختلفا، فإن كان واحدا يشترط التقابض والتماثل، وإن كان مختلفا اشترط التماثل فقط، مثال ذلك أردت أن تصرف ريالات بدولارات فهنا يشترط التقابض فقط، ولا يشترط التماثل.
ثالثا: ما يترتب على هذا. قالوا: يجوز بيع بعضه ببعض من غير جنسه مطلقا إذا كان يدا بيد، فيجوز بيع الليرة السورية واللبنانية بالريال السعودي مثلا، وهذا أشرنا إليه لأن ذلك يعتبر بيع جنس بغير جنسه، ولا أثر لمجرد الاشتراك في الاسم.
لكن ترد علينا مسألة في صرف العملات، إذا أراد أن يصرف ريالات سعودية ورقية بريالات معدنية مثلا، يقول: اصرف لي هذه العشرة ريالات بأحد عشر من المعدن، أو العكس مثلا، فهل هذه المسألة تجوز أو لا تجوز؟
اختلف العلماء في هذه المسألة، فمنهم من أجازها، وقال: لأن الجنس هنا مختلف، فهنا ورق وهنا معدن، والقاعدة: إذا اختلفت الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد، فيصرف عشرة ريالات ورقية بأحد عشر معدنية أو العكس، ومنهم من منع هذه المسألة، وقال: إن الجنس في الحقيقة هو واحد، والجهة المصدرة هي واحدة، فالريالات مثلا الجهة المصدرة هي مؤسسة النقد، ثم إن القيمة الشرائية واحدة أيضا، فقيمة هذا الريال الورقي هي قيمة هذا الريال المعدني، فكيف نعتبرهما جنسين؟ وهذا القول هو الأظهر، والله - تعالى -أعلم، وحينئذ بناء على هذا القول: لا يجوز في صرف العملات أن تصرف ريالات ورقية بأخرى معدنية مع التفاضل. هذا هو الأظهر في هذه المسألة، وإن كانت محل خلاف بين أهل العلم.
*أيضا من الأحكام المترتبة على هذا: وجوب زكاة الأوراق النقدية إذا بلغت قيمتها أدنى النصابين من ذهب أو فضة أو كانت تكمل نصابا مع غيرها من الأثمان والعروض المعدة للتجارة، وجوب زكاة الأوراق النقدية فيجب أن تزكى الأوراق النقدية.
وتجب الزكاة في الأوراق النقدية إذا حال عليها الحول بغض النظر عن الغرض الذي ادخرتها لأجله، ادخرت أوراقا نقدية مثلا لأجل بناء مسكن أو لزواج أو لنفقة أو لأي غرض فمتى حال عليها الحول وجب فيها الزكاة.
وبعض العامة يخطئ في فهم المسالة يظن أنه لا تجب الزكاة إلا إذا قصد بها التجارة، وهذا ليس بصحيح، إذا كان عندك أوراق نقدية بلغت نصابا وحال عليها الحول وجبت فيها الزكاة بغض النظر عن الغرض الذي جمعتها لأجله؛ لأنها أصبحت نقدا لذاته، والعلة فيها الثمنية، فتجب فيها الزكاة متى حال عليها الحول.
وهذا يقودنا إلى مسألة نصاب الأوراق النقدية، معلوم أن نصاب الزكاة في الذهب عشرون مثقالا وهي تعادل خمسة وثمانين جراما، ونصاب الفضة مئتا درهم وهي وتعادل خمسمائة وخمسة وتسعين جراما، لكن نصاب الأوراق النقدية؛ لأنا نحن اعتبرناها نقدا قائما بذاته، مثلا من عنده خمسمائة ريال، هل بلغت النصاب خمسمائة ريال؟ هل تجب فيها الزكاة؟ بل ربما لو عنده مائة ريال وحال عليها الحول، عنده ألف ريال حال عليها الحول. إذا كيف نعرف نصاب الأوراق النقدية؟
نصاب الأوراق النقدية كما ذكرت قبل قليل أقره المجمع وهو أيضا قرار هيئة كبار العلماء إذا بلغت قيمتها أدنى النصابين من الذهب أو الفضة، يعني أن نصاب الأوراق النقدية هو أدنى النصابين من الذهب أو الفضة.
وفي الوقت الحاضر الفضة أرخص بكثير من الذهب، بل إن الجرام من الفضة لا تصل قيمته إلى ريال، بينما جرام من الذهب تصل إلى عشرات الريالات، فالفضة إذن أرخص بكثير من الذهب في وقتنا الحاضر، وحينئذ نستطيع أن نقول: إن نصاب الأوراق النقدية في الوقت الحاضر هو نصاب الفضة.
كم نصاب الفضة؟ نصاب الفضة هو خمسمائة وخمسة وتسعين جراما، فننظر كم تعادل خمسمائة وخمسة وتسعين جراما من الريالات، فيكون هذا هو نصاب الأوراق النقدية. طيب كم تحديدا؟
هذا يختلف يعني لا نستطيع أن نضع رقما معينا. وأنا حسبتها بالأمس من واقع سعر الفضة المنشور في الصحف، فطلع نصاب الأوراق النقدية بتاريخ أمس الموافق للتاسع عشر من جمادى الأولى ألف وأربعمائة وستة وعشرين للهجرة النصاب خمسمائة واثنين وعشرين ريالا بتاريخ أمس خمسمائة واثنين وعشرين ريالا، وكنا قد حسبناها قبل سنتين، وكانت الفضة رخيصة أرخص من الآن كانت ثلاثمائة وستة عشر ريالا قبل سنتين ثلاثمائة وستة عشر ريالا، والآن خمسمائة واثنين وعشرين ريالا.
فهي إذا تتراوح ما بين ثلاثمائة إلى خمسمائة، ولكن ينبغي أن أنبه على مسألة: السعر الموجود المكتوب في الصحف والذي ينشر عبر وسائل الإعلام ليس هو سعر الفضة بالجرام، وإنما هو سعرها بالأنصة تحتاج إلى تحويلها إلى جرامات، ثم أيضا هو ليس سعر الفضة بالريالات هو سعرها بالدولارات تحتاج إلى تحويلها بالريالات، هي تحتاج إلى عملية حسابية تستطيع من خلالها تحويلها إلى جرامات ثم تحويلها ثم إلى ريالات، فإن أردتم أن نشرح هذه العملية أو ما هي محتاجة على كل حال هي تحتاج، لعلها في درس قادم (1)، تحتاج إلى سبورة إن أردتم أن نشرح هذه العملية، كيف تستطيع من خلال إلقاء نظرة على سعر الفضة في الصحف وعبر وسائل الإعلام معرفة نصاب الأوراق النقدية.
وهذه الطريقة استفدتها من أهل الخبرة وهم حقيقة قلة، الآن لو ذهبت إلى كثير من أصحاب محلات الذهب ما يعرف، تقول كم سعر الفضة بالجرام يعني أكثر المحلات ما تبيع فضة تبيع ذهبا، ثم أيضا قد لا يفيدك، ثم المقصود هنا الفضة الخالصة، لكن هناك مجموعة من المحلات أو من يملكون الخبرة أفادوني بهذه الطريقة، هذه الطريقة لا تجدها في كتاب لكن عند أهل الخبرة فقط، فعلى كل حال لعلنا إن شاء الله - تعالى -نشرح هذه المعادلة التي تستطيع من خلالها تحويل الأنصة إلى جرامات، وأيضا تحويل الدولارات إلى ريالات، ويمكن من خلالها إذا ضبط هذه المعادلة الحسابية تستطيع أن تعرف نصاب الأوراق النقدية يوميا؛ لأن سعر الذهب والفضة ينشر يوميا في الصحف، يوميا ينشر في الصحف سعر الذهب والفضة، لكن كما ذكرت هو بالأنصة و أيضا بالدولارات، تحتاج إلى عمليات التحويل.
المقصود أن النصاب يوم أمس خمسمائة واثنان وعشرون ريالا ريال فمن كان عنده مثلا خمسمائة ريال حال عليها الحول بناء على هذا ليس فيها زكاة، من كان عنده أربعمائة ريال ليس فيها زكاة، من كان عنده ثلاثمائة ريال ليس فيها زكاة، لكن قد ترخص الفضة، قد يقل سعرها لذلك نقول إن النصاب يتراوح ما بين ثلاثمائة إلى خمسمائة، وفي الغالب أنه لا يقل عن ثلاثمائة، لأنه قبل سنتين حسبنا النصاب فكان ثلاثمائة وستة عشر، وكانت الفضة رخيصة في ذلك الوقت، ولا أظنها يعني تقل عن هذا.
لكن قد توجد بعض الأسباب التي تجعل الفضة يهبط سعرها، ولذلك لا بد من متابعة هذا السعر وبالتالي تحديد نصاب الأوراق النقدية.
بعض الإخوة تلتبس عليهم هذه المسألة يجدون أنه يكتب في بعض الكتب في بعض الفتاوى من بعض مشايخنا: إن نصاب الأوراق النقدية 650 بالريال العربي الفضي السعودي، ولا يقصد به هذه الريالات الموجودة الآن، إنما يقصد به الريالات الفضية، وهي الآن غير شائعة وغير منتشرة، ولذلك فهذا الحساب ما دام غير معروف للناس وغير شائع وغير منتشر فلا يذكر الآن، الناس الآن لا يعرفون إلا الجرام في الذهب والفضة، لا يعرفون إلا التعامل بالجرام، ولذلك لابد أن يذكر لهم سعر الفضة بالجرام فيضربوا في نصاب الفضة وهو 595 جرام فيخرج نصاب الأوراق النقدية.
وكما ذكرت هذا النصاب وهو يعني مختلف، يختلف من يوم لآخر، لكن الغالب أن التفاوت بين يوم ويوم يسير، وأحيانا يثبت أسبوع أو أسبوعين أو وربما أكثر من هذا، فالتفاوت يكون كلما طالت المدة يعني يكون بين شهر وشهر يكون التفاوت أكثر، بين كل ستة أشهر يكون التفاوت أكثر أيضا وهكذا يتغير نصاب الأوراق النقدية بناء على هذا.
إذاً من ملك 1000 ريال هذا تجب عليه الزكاة بكل حال، من ملك 900 ريال 800 ريال 700 ريال إلى 600 ريال تجب عليه الزكاة بكل حال، من ملك ما بين ثلاثمائة إلى أربعمائة هذا محل نظر ربما نقول تجب عليه الزكاة، وربما نقول لا تجب تبعا لحساب نصاب الأوراق النقدية.
قال: أو كانت تكمل نصابا مع غيرها من الأثمان والعروض المعدة للتجارة يعني هذه أيضا المسألة مهمة يعني لو كان عند الشخص عروض تجارة كأن يكون عنده محل مثلا وعنده نقود، فإن هذه النقود - الأوراق النقدية تضم إلى عروض التجارة فيزكي الجميع.
مثال أخر: باع شخص محلا له أو قام بتصفيته، وكان يحول عليه الحول في واحد رمضان، وقام بتصفيته في واحد شعبان وهذا المبلغ الذي حصل عليه من تصفية هذا المحل أو من بيع مثلا هذا المحل، بقي عنده، فنقول: تجب عليه الزكاة. يزكي هذا المبلغ، ولا يقول: أستأنف بهذا المبلغ حولا جديدا؛ لأن الأوراق النقدية يكمل بها نصاب عروض التجارة، فنقول: حتى لو ما مضى عليك إلا شهر واحد، وهذا المبلغ عندك تزكيه، ولا تقول: أنتظر إلى شعبان العام المقبل؛ لأن في الحقيقة عروض التجارة هي يعني بمثابة النقد، المقصود منها النقود، وهذه المسألة أيضا يحصل فيها لبس عند بعض الناس، تجده مثلا يبيع عروض التجارة يعني تكون عنده أثمان وعروض تجارة ويبقى المبلغ الذي باع به عروض التجارة عنده ويستأنف به حولا جديدا، وهذا خطأ، يفترض هنا أن يكمل حول عروض التجارة بهذا المبلغ، صحيح أنه لو تصرف في هذا المبلغ انقطع الحول، لو أنه لما باع هذا المحل مثلا تصرف في هذا المبلغ تصرف فيه بنى به مثلا عقارا أو نحو ذلك هنا ينقطع الحول، أما أن هذا المبلغ باق عنده فهنا يكمل به نصاب عروض التجارة.
رابعا: جواز جعل الأوراق النقدية رأس مال في بيع السلم والشركات؛ لأن رأس المال في السلم لا بد أن يكون من النقدين أو ما في معنى النقدين وهو الأوراق النقدية، وهكذا أيضا في الشركات، على قول بعض الفقهاء أيضا، الشركات فيها تفصيل، على قول بعض الفقهاء، يشترطون أن يكون رأس المال من النقدين المضروبين على أن المسألة فيها خلاف، لكن بكل حال الأوراق النقدية تقوم مقام الذهب والفضة في كونها رأس مال في السلم وفي الشركات كذلك، ونكتفي بهذا القدر ونسأل الله - عز وجل - للجميع الفقه في الدين والعلم النافع والعمل الصالح والتوفيق لما يحب ويرضى.
الأسئلة
س: أحسن الله إليكم فضيلة الشيخ سؤال... يقول: بعد أن يقوم بنك البلاد بالعمل ويتم اكتشاف أن موجودات البنك أقل من الأموال ما هو المخرج؟
ج: نعم. لا يجوز تداول أسهم شركة أو بنك إلا بعد التحقق من كون الموجودات أكثر من النقود، وإلا أصبحت المسألة من قبيل بيع نقد بنقد مع التفاضل، وبيع نقد بنقد مع التفاضل ربا صريح وهذا يقودنا للحديث عن أسهم بنك البلاد.
بنك البلاد أسس على أنه بنك إسلامي أموره يعني طيبة، وقد وقفت على أمور هذا البنك، ولكن الإشكالية هنا هو أنه اشترط أن تكون موجودات البنك أكثر من النقود وإلا لم يجز تداول أسهمه، فهل الآن موجدات البنك أكثر من النقود؟
يعني هذه المسألة تحتاج إلى تحقيق المناط في الحقيقة، يعني الحكم الشرعي فيها واضح أنه لا بد أن تكون الموجودات أكثر من النقود، لكن تحتاج إلى أن نحقق مناط هذه المسألة، هل بالفعل الآن الموجودات أكثر من النقود؟ تحتاج إلى تحقيق، وإن كان الإخوة في الهيئة الشرعية بالبنك يذكروا بأن الموجودات أكثر، ويقولون: إن تصريح البنك في حد ذاته له قيمة كبيرة، وأيضا فروع البنك والعقود التي يعني قام بها البنك وهي عقود كبيرة بمبالغ كبيرة إلى غير ذلك مما ذكروه، ولكن مع ذلك تبقى المسألة محل نظر؛ لأن الأموال التي حصلوها من المساهمين أموال بالمليارات ليست بالملاين فقط بالمليارات.
وأما بالنسبة لفروع البنك التي كانت فروعا للمصارف الثمانية الموجودة من قبل فهي في الحقيقة كانت محلات صرافة، والموجود فيها نقود أو أكثره نقود، وتبقى المسألة فيها إشكالية؛ ولذلك نقول: إذا أراد من يتملك أسهما في هذا البنك أن يحتاط لا يتعجل في البيع حتى ينهض البنك ويقوم ويكون له مشاريع ويغلب على ظنه أن موجدات البنك أكثر من النقود.
ولكن لو احتاج للبيع، وكما ورد في السؤال ما المخرج؟ المخرج هو أن يبيع الأسهم بعملة أخرى أو بعَرض من العروض، يعني لا يبيعه بنقد حتى لا تصبح المسألة بيع نقد بنقد، وإنما يبعه بعرض من العروض أو بعملة أخرى، فيقول يا فلان: أن أملك مثلا كذا سهم في البنك الفلاني أبيعك إياها بهذه السلعة، بهذه السيارة مثلا، بعملة أخرى: كالجنيه مثلا أو الليرة أو الدولار أو اليورو؛ لأن عند اختلاف العملة، كما قال - عليه الصلاة والسلام -: فإذا اختلفت الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد.
س: أحسن الله لكم وهذا يقول: سبق وأن ساهمت في شركة الاتحاد للاتصالات وبعت الأسهم وأخذت أموالها ولكن في نفسي منها شيء فما توجيهكم؟
ج: نعم. إذا شك المسلم في أية معاملة فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - وضع لنا قاعدة عظيمة قال: إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام و دع ما يريبك إلى ما لا يريبك الإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك.
فإذا كان الإنسان يشك في معاملة من المعاملات فيترك هذه المعاملة، يتركها، وهذا هو المطلوب من المسلم أن يكون ورعا وأن يدع المشتبهات؛ لأن من تجرأ على الوقوع في المشتبهات فإنه يوشك أن يتجرأ على الوقوع في الحرام، كما قال - عليه الصلاة والسلام -: ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام.
الأخ سأل عن هذه الشركة وظاهر حال هذه الشركة السلامة، هذا هو الظاهر؛ لأنه لم يظهر في القوائم المالية حتى الآن أي شيء فيه إشكالات أو قروض ربوية حتى الآن، وقد يكون هناك أشياء أخرى لا نعلم بها في الباطن أو أشياء ستظهر في المستقبل الله - تعالى -أعلم.
لكن المقصود أن الأخ ما دام عنده شيء يعني لم تطب نفسه بهذا، فنقول له تصدق بما تطيب به نفسك من الأرباح، تصدق بما طابت به نفسك أو ما جادت به نفسك، وهذا يكون إن شاء الله مبرئا للذمة.
س: أحسن الله لك يقول: لو أن شخصا تعمد الدخول في بنك ربوي ليخرج النصيب الربوي لينتفع منه المسلمون. فهل له ذلك؟
ج: لا يجوز للإنسان أن يدخل في بنك ربوي بنية التخلص من الربا؛ لأن دخوله في الحقيقة في البنك الربوي يوجب غضب الله - عز وجل -. لعن النبي - صلى الله عليه وسلم - آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه فهو سبب للعنة الله - عز وجل - وغضبه، ولا يبرئ الذمة أن ينوي التخلص من الربا.
نعم لو وقع من غير علم، لو وقع جاهلا مثلا الله - تعالى -يقول: "وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ" هذا في المال الربوي الذي لم يقبض والذي تاب الإنسان منه، أما ما قد قبضه وانتهى، فقد قال الله - تعالى -: "فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ" لا شيء عليه. لكن المال الربوي الذي لم يقبض هذا هو الذي يضع الإنسان الربا ويكتفي برأس المال.
فحينئذ نقول: لا يجوز الدخول في الربا أصلا. إذا علمت بأن هذا البنك ربوي، لا يجوز لك أن تدخل وتساهم فيه؛ لأن الإشكالية هنا والمساهمة في البنوك الربوية يعني إشكالية كبيرة جدا جميع أعمال البنك ومنها التعاملات الربوية تنسب إليك أنت إيها المساهم شئت أم أبيت؛ لأن هذا البنك من الذي يمثله هؤلاء المساهمون، من الذي يملك هذا البنك؟ هؤلاء المساهمون، فأنت أحد ملاك هذا البنك وتنسب لك جميع أعمال هذا البنك من التعاملات الربوية شئت أم أبيت، وإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لعن شاهد الربا وكاتبه، فكيف بمن يمارس الربا بالوكالة. فالربا أمره عند الله - عز وجل - عظيم جدا؛ لذلك لا يجوز الدخول في مثل هذه البنوك الربوية.
أحسن الله إليكم وأثابكم، ونفعنا بكم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
ـــــــــــــــــــــ
(1) تم نقل المعادلة إلى هنا تسهيلا للفائدة:
قلنا: إن نصاب الأوراق النقدية هو أقل نصابين الذهب أو الفضة.
في الوقت الحاضر، الفضة أرخص بكثير من الذهب، فيكون نصاب الأوراق النقدية في الوقت الحاضر هو نصاب الفضة، ونصاب الفضة هو خمسمائة وخمس وتسعين جرام، معنى ذلك نسأل كم سعر الجرام؟ ثم نضرب في خمسمائة وخمس وتسعين يخرج لنا نصاب الأوراق النقدية.
ولكن الفضة التعامل بها ليس شائعًا، وإنما تتعامل بها محلات معينة، ولهذا ربما لو سألت كثيرا من محلات الذهب ما يعرف سعر الفضة، ولا يعطيك سعر الفضة بالجرام، كم سعر جرام الفضة ما يعطيك، ويعطيك سعر الفضة بالأنصبة فقط.
تنشر أسعار الذهب والفضة يوميًّا في الصحف، ولكن كيف نستطيع أن نعرف من خلال معرفة سعر الفضة بالأنصبة أن نعرف مقدار سعر الجرام من الفضة، هذا يحتاج إلى معادلة حسابية، يحتاج أن نعرف مقدار الأنصبة بالجرامات أولاً، ثم نقسمها على سعر الأنصبة ونضربها في سعر قيمة الريال بالدولار، فتكون المعادلة على هذا النحو: نكتبها على السبورة، واحد وثلاثون فاصل عشرة (دولار... ) فتكون المعادلة على هذا النحو: الأنصبة تساوي 31.10، فتكون المعادلة على هذا النحو: سعر الأنصبة الموجود في الصحف، الرقم الموجود في الصحف، الرقم المدون، على واحد وثلاثين، فاصل عشرة، هذا ثابت، هذا الرقم ثابت، في 3.75 وهذا الرقم ثابت؛ لأن سعر الدولار بالريال 3.75، الناتج نضربه في 595، الذي هو نصاب الفضة، والنتيجة هي نصاب الأوراق النقدية.
نريد أن نطبق هذا، سعر الأنصبة كان قبل أمس 7.29، في الأيام هذه الفضة مرتفعة، بينما كان قبل سنة أو سنتين كانت منخفضة، فلذلك سوف يرتفع نصاب الأوراق النقدية، سعر الأنصبة المدون الموجود الآن في الصحف وغيرها، المعلن عنه، هو 7.29 / 31.10، 13.10 هذا رقم ثابت، في 3.75، هذا أيضًا رقم ثابت، طيب نطلع النتيجة الآن، مين معاه آلة حاسبة، يضرب لنا الآن 7.29 في 3.75 ويقسم النتيجة على 31.88 بعد التقريب، طيب 88، هذا هو سعر الجرام من الفضة، يعني سعر الجرام من الفضة ما وصل حتى ريال واحد،... نضرب هذا 88، في 595 يساوي 523.6 طيب على كل حال نقول: 523 تقريبًا، يكون هذا الآن 523 ريال، هذا هو نصاب الأوراق النقدية هذه الأيام، معنى ذلك من ملك خمسمائة ريال حال عليها سنة، حال عليها الحول يجب فيها الزكاة، فيكون نصاب الأوراق النقدية الآن هو خمسمائة وثلاثة وعشرين ريال، لكن قبل سنتين كان سعر الأنصبة من الفضة كان 4.44، وحسبنا نصاب الأوراق النقدية فكان 316، فنستطيع أن نقول باختصار أن نصاب الأوراق النقدية يتراوح ما بين ثلاثمائة إلى خمسمائة تقريبًا، لكن الأيام هذه سعر الفضة مرتفع، فيكون نصاب الأوراق النقدية هنا 523 ريالاً.
إذا أردت أن تعرف نصاب الأوراق النقدية على مدار العام، هذا الرقم ثابت، وهذا الرقم ثابت وهذا ثابت، فقط الرقم المتغير هو هذا اللي هو 7.29 هذا هو الرقم المتغير، هذا تأخذه موجود في الصحف، يوميا ينشر 7.29 هذا هو المتغير، اكتب المعادلة عندك، وهذا هو المتغير، والنتيجة طبعا سوف تتغير، وأيضا 595 ثابت، فاضبط عندك هذا المعادلة، وخذ هذا الرقم هو المتغير، وبذلك تستطيع معرفة نصاب الأوراق النقدية يوميًّا.
نعم 595 هذا هو نصاب الفضة، مائتا درهم تعادل 595 جرام، فهذه الأرقام كلها ثابتة31.10، 3.75،
595 هذه كلها ثابتة الذي يتغير هو فقط سعر الأنصبة من الفضة هذا يتغير يعني من حين لآخر غالبا التغير لا يكون يوميا يكون مثلا كل أسبوع إلا إن كان هناك أسباب للتغير.
المقصود أنك تستطيع معرفة نصاب الأوراق النقدية على مدار العام من خلال هذه المعادلة، ومجرد إلقاء نظرة يعني على الصحف أو حتى البنوك أيضا، تخبرك بسعر الأنصبة من الفضة، وبتطبيق هذه المعادلة تستطيع أن تعرف نصاب الأوراق النقدية.
وبهذا نعرف أيها الإخوة أن 530 فيها زكاة الآن، وربما أيضا إذا قل النصاب تكون 500 نفسها فيها زكاة كما ذكرت لكم من قبل سنتين كان النصاب 316، بعض الناس يكون عنده شيء من هذا المبلغ، ولا يزكيه يعني يكون عنده ألف ريال يحول عليه الحول ولا يزكي ظنا منه أنه دون النصاب وهذا ليس بصحيح.
فعرفنا إذا مقدار نصاب الأوراق النقدية، ومن هذا نعرف أنه ليس ثابتا بل متغيرا، لكن إذا ضبطت هذه المعادلة تستطيع معرفة نصاب الأوراق النقدية على مدار العام.