فقه المعاملات المالية المعاصرة (9) بطاقات الائتمان
الشيخ سعد بن تركي الخثلان
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبة ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا.
بطاقات الائتمان، نريد أولا أن نعرف بطاقات الائتمان ونبين المقصود بها، فنذكر أولًا تعريفها اللغوي ثم الاصطلاحي.
بطاقات: جمع بطاقة وهي بمعنى الورقة، والبطاقة كلمة عربية فصيحة، وقد جاء في الحديث المشهور الذي يسمى حديث البطاقة كما عند الترمذي وابن ماجة وغيرهما بإسناد جيد وفيه: فتخرج له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله فهي إذا قد وردت من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهذا يدل على أنها كلمة عربية فصيحة.
أما الائتمان "بطاقات الائتمان" الائتمان فلم يرد هذا اللفظ في اصطلاحات الفقهاء المتقدمين لم يرد بهذا اللفظ، وإنما ورد في الاصطلاح المعاصر وصف لهذه البطاقات، وترجمة للمصطلح الإنجليزي cardet فإن هذه البطاقات تسمى باللغة الإنجليزية Caradet Cards، Cards معناها، Card بطاقة، Cards بطاقات. أما Caradet فالمقصود بها الائتمان.
واعترض بعض الباحثين على هذا المصطلح، وذكروا أنه يراد بذكر هذا المصطلح والعدول عن مصطلح الإقراض صرف أنظار الأمة عن أحكام الإقراض وآثاره الشرعية، وما يترتب عليه من عمولات وزيادات ربوية محرمة؛ نقول: إن بعض الباحثين اعترض على هذا الاصطلاح "بطاقات الائتمان" وقال: إن الصحيح أن يقال: بطاقات الإقراض، وقال: إن تسمية هذه البطاقات " بطاقات الائتمان" والعدول عن تسميتها ببطاقات الإقراض إنما يراد به صرف أنظار الأمة عن أحكام الإقراض وآثاره الشرعية وما يترتب عليه من عمولات وزيادات ربوية. هكذا قال بعض من كتب في هذا الموضوع، وقال: إن بطاقات الإقراض هو الوصف المناسب لها الدال على حقيقتها؛ لأن كلمة ائتمان مأخوذ من الأمانة والثقة التي يمنحها المصرف لعميله، بإعطائه أو بمنحه هذه البطاقات، والوصف المناسب لهذه البطاقات هو الإقراض، فيقول: الأصح أن نسميها بطاقات الإقراض وليس بطاقات الائتمان.
ولكن هذا محل نظر؛ نقول هذا لأنه يوجد بعض الإخوة ينادي فيقول: لا تسمونها بطاقات ائتمان هي بطاقات إقراض، وأنه يراد بهذا الاصطلاح بطاقات الائتمان صرف أنظار الأمة عن أن هذه البطاقات إنما تمثل قرضا في الحقيقة. ولكن هذا محل نظر؛ إذ أن حقيقة الائتمان عند الاقتصاديين -كما جاء في موسوعة المصطلحات الاقتصادية- حقيقة الائتمان عندهم: هو منح دائن لمدينٍ مهلة من الوقت يلتزم المدين بانتهائها دفع قيمة الدين، هذا هو حقيقة الائتمان " منح دائن لمدينٍ مهلة من الوقت يلتزم المدين بانتهائها دفع قيمة الدين" فهو التزام من المصرف بمنح عميله دينًا؛ نظرًا للثقة التي يشعر بها نحوه، وحينئذ فالائتمان أقرب للدين منه للقرض.
ومعلوم أن هناك فرق بين الدين والقرض، فالدين أوسع من القرض؛ كل قرض دين، وليس كل دين قرضًا، القرض: دفع مال لمن ينتفع به ويرد بدله. أما الدين: كل ما ثبت في الذمة. كل ما ثبت في الذمة من حقوق الله وحقوق الآدميين يسمى دينا، فكل قرض يعتبر دينا وليس كل دين قرضا. فالائتمان أقرب للدين منه للقرض، ومما يؤيد هذا وجود فوارق بين القرض والائتمان منها: أن المقترض يعطى المال مباشرة، لو اقترضت من شخص يسلم لك المال مباشرة، بينما في الائتمان يعطى القدرة على قضاء حوائجه دون دفع الثمن؛ ثقة فيه أنه سيسدد في وقت لاحق.
ومنها: أن مبلغ القرض يثبت في ذمة المقترض كاملًا، من حين قبضه. أما في الائتمان فإنه لا يثبت في ذمة من منح له الائتمان إلا ما تم صرفه فعلًا. إذا في القرض مبلغ القرض يثبت في ذمة المقترض كاملا من حين قبضه، بينما في الائتمان لا يثبت في ذمة من منح له الائتمان إلا ما تم صرفه فعلًا.
ثم إذا أتينا لترجمة القرض باللغة الإنجليزية لعل بعضكم ربما يتقن اللغة الإنجليزية أو يكون عنده اهتمام بها، ما ترجمة القرض باللغة الإنجليزية؟ هل ترجمته هو cardet، يقولون: ليست هذه الترجمة الدقيقة للقرض، القرض في اللغة الإنجليزية Loan هذه الترجمة الدقيقة للقرض، بينما هذه البطاقات كما ذكرنا يطلق عليها باللغة الإنجليزية Caradet Cards، Cards كما ذكرنا بطاقات، و Card بطاقة والعامة تسميه الكارت يعني بالتاء وهي مأخوذة من اللغة الإنجليزية هذه ليست فصيحة كارت هي Card فجمعها Cards.
أما Caradet فقد جاء في المعجم الإنجليزي أن لها عدة معان ومنها: قدرته على الحصول على حاجاته قبل دفع الثمن؛ بناءً على الثقة بوفائه بالدفع، وهذا في الحقيقة هو معنى الائتمان، بينما لم يرد هذا المصطلح بمعنى القرض؛ فإذا نحن أتى إلينا هذا المصطلح بطاقات الائتمان ترجمة لـ " Caradet Cards" وعندما نأتي للترجمة الدقيقة لها فهي تعني بطاقات الائتمان وليس بطاقات الإقتراض، وبهذا نعرف أن قول من قال من الباحثين أن الصحيح أن نسميها بطاقات الإقراض وليست بطاقات الائتمان أنه ليس دقيقًا.
وبكل حال لا مشاحة في الاصطلاح، لكنني أحببت يعني فصلت فيها؛ لأن بعض الإخوة يثيرها، بل وربما يلقي تهمًا يقول: إن من يقولون بطاقات الائتمان ربما -يعني- أخذوها من أناس يريدون صرف الأمة عن أحكام القرض، وأن هذه البطاقات تمثل قروضًا، وهذا ليس بصحيح هذا كله ليس بصحيح.
أما التعريف المركب لبطاقات الائتمان فعرفت بعدة تعريفات من أحسنها: أنها أداة دفع وسحب نقدي يصدرها بنك تجاري أو مؤسسة مالية تمكن حاملها من الشراء بالأجل على ذمة مصدرها، ومن الحصول على النقد اقتراضًا من مُصدِرها أو من غيره بضمانه وتمكنه من الحصول على خدمات خاصة.
تقسم بطاقات الائتمان إلى قسمين:
1- بطاقات الائتمان المغطاة.
2- بطاقات الائتمان غير المغطاة.
والمراد بالغطاء هنا الرصيد، فالمغطاة معناها يعني يوجد لك رصيد يقابل استخدامك لهذه البطاقات، فالمغطاة يشترط فيها مصدر البطاقة على حاملها أن يودع لديه في حساب مصرفي مبلغًا من النقود، ولا يستخدمها في مشتريات تزيد عن ذلك المبلغ، من أبرزها: بطاقات الصرف الآلي وهي نوعان: بطاقات الصرف الآلي الداخلية التي تؤدي وظائفها داخل دولة واحدة، وبطاقات الصرف الآلي الدولية وهي التي يستطيع حاملها أن يستخدمها في جميع دول العالم، ومن أمثلتها بطاقة فيزا ألكترون التابعة لفيزا، وبطاقة ماسيترو التابعة لماستر كارد.
هذه البطاقات معروفة لدى الجميع يستخدمها أكثر الناس اليوم يعني بطاقات الصرف الآلي، وتتميز بإمكانية استخدامها في جميع أجهزة الصرف الآلي وكذلك في نقاط البيع؛ المحلات التجارية، وترتبط هذه البطاقات بالحساب الجاري سحبًا وشراء؛ ولهذا لا يصدرها إلا البنوك، وعندنا مسائل متعلقة بهذا النوع من البطاقات، المسألة الأولى: حكمها. المسألة الثانية: هل تقوم مصارفة يدا بيد يعني، هل تقوم هذه البطاقات مقام المصارفة يدًا بيد في شراء الذهب ونحوه؟ المسألة الثالثة: هل يجوز لحاملها أن يسحب بها من جهاز غير مصدر البطاقة؟
أما المسألة الأولى وهي حكمها:
لا إشكال في جوازها، وحكمها ظاهر وهو أنه يجوز استخدامها؛ لأنك في الحقيقة إنما تسحب من رصيدك، فلا حرج ولا إشكال في جوازها باتفاق العلماء المعاصرين.
المسألة الثانية:
هل تقوم هذه البطاقات مقام المصارفة يدًا بيد، وعلى هذا يجوز شراء الذهب والفضة عن طريقها أم لا؟
تعرفون الذهب والفضة عند بيعهما بأوراق نقدية لا بد من التقابض يدًا بيد؛ لأن العلة واحدة والقاعدة: فإذا اختلفت الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد والعلة واحدة وهي الثمنية، فلا بد من المصارفة يدا بيد لا بد من التقابض يدًا بيد، لو ذهبت واشتريت ذهبًا وقلت لصاحب محل الذهب: أعطيك المبلغ غدًا أو حتى قلت: أعطيك المبلغ بعد ساعة؛ وقعت في الربا، وهكذا بالنسبة للفضة.
لكن لو ذهبت لصاحب محل الذهب واشتريت منه ذهبًا وأعطيته بطاقة الصرف الآلي وخصم المبلغ الذي يستحقه عن طريق هذه البطاقة، فهل هذا يجوز أم لا؟ نرجع لأصل المسألة وهي: هل تقوم هذه البطاقات مقام المصارفة يدًا بيد؟
الجواب:
نعم. تقوم هذه البطاقات مقام المصارفة يدًا بيد، وينصرف كل من البائع والمشتري وليس بينهما شيء، وتقع مبرئة لذمة الطرفين، ولم نجد أن بائعًا باع عن طريق هذه البطاقات ولو بنسبة واحد من المليون وأعطي نتيجة صحيحة -لاحظ هذا القيد- وأعطي نتيجة صحيحة ثم لم يحصل على حقه، هل وجدتم من باع عن طريق هذا البطاقة وأعطي نتيجة صحيحة ولم يحصل على حقه ولو بنسبة واحد في المليون؟ الواقع لا نجد، وبعض الإخوان يقول: إنه يوجد، لكن السبب في هذا أن يكون عنده إشكالية فنية؛ بأن يكون لم يدخل الرقم صحيحًا، أو يكون الرقم السري فيه خطأ، أو يكون هناك إشكالية في الآلة التي عنده، لكن إذا أعطي نتيجة صحيحة وإشعارًا بقبول العملية، فإننا لم نجد ولو بنسبة واحد من المليون أن بائعًا باع عن طريق هذه البطاقات ولم يحصل على حقه.
وإذا كان ذلك كذلك فلا شك أن هذه البطاقات تقوم مقام المصارفة يدا بيد، وبهذا أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله - فتوى مدونة في مجموع فتاوى اللجنة، أفتت: بأن هذه البطاقات تقوم مقام المصارف يدًا بيد، وعلى هذا يجوز شراء الذهب والفضة عن طريقها، فلا مانع من أن تذهب لصاحب محل ذهب وتشتري منه ذهبا وتعطيه بطاقة الصرف الآلي من هذا، والله - تعالى -أعلم.
المسألة الثالثة
والحقيقة هي مسألة مهمة يكثر السؤال عنها وهي: هل يجوز لحامل هذه البطاقة أن يسحب بها من غير جهاز مُصْدِرِهَا؟
صورة المسألة:
تكون بطاقة الصراف بالنسبة لك من الراجحي مثلًا، لك حساب في الراجحي وأعطاك بطاقة صرف آلي، ومررت بصراف أي بنك آخر الأمريكي مثلا أو البريطاني أو أي بنك آخر، هل يجوز لك أن تسحب من صرّاف غير صرّاف الراجحي أو أنه لا يجوز؟
اختلف العلماء المعاصرون في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنه لا يجوز لحامل البطاقة أن يسحب بها من غير جهاز مصدرها. إذًا القول الأول عدم الجواز، وقال به بعض أهل العلم، وقد نسب هذا القول إلى سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز - رحمه الله -، حدثني من أثق به أنه سأل الشيخ عن هذه المسألة فقال: إنه لا يجوز؛ لأنه من قبيل القرض الذي جر نفعًا. ولكن نقل عن الشيخ بعض طلابه الكبار أنه أفتى بالجواز وقال: إن هذا إنما يسحب من ماله. وحين إذا اختلف النقل عن سماحة الشيخ، قول نقل ينقل عنه القول بالمنع، ونقل آخر ينقل عنه القول بالجواز. بعض الإخوة خرجها على أن للشيخ في المسألة قولين. وعلى كل حال مادام أنه قد اختلف النقل وقد نقل هذه الآراء عنه ثقات؛ فلا نستطيع أن نجزم بأن رأي الشيخ هو الجواز أو عدم الجواز.
أقول هذا لأن بعض الإخوة يطرح هذه المسألة وينسب القول بعدم الجواز للشيخ مع أنه نقل عنه عن طريق بعض المشايخ الكبار أنهم سألوه فقال بالجواز، ومادام أنه قد اختلف النقل عنه فأرى أنه لا نجزم بنسبة القول إليه بالجواز أو بعدم الجواز.
والقول الثاني في المسألة:
هو القول بالجواز، أي أنه يجوز لحامل البطاقة أن يسحب بها من غير جهاز مصدرها، وذهب لهذا القول أكثر العلماء، ومنهم الشيخ محمد العثيمين رحمة الله - تعالى -على الجميع.
نأتي لبيان أدلة كل قول ثم بيان القول الراجح في المسألة.
أصحاب القول الأول الذين قالوا: إنه لا يجوز أن تسحب من جهاز صراف آخر غير مصدر البطاقة لهم ثلاثة أدلة:
الأول: قالوا: إن هذا يؤدي إلى الوقوع في شبهة الربا، والقرض الذي جر نفعًا، ووجه ذلك أن البنك مصدر البطاقة وهو في مثالنا السابق الراجحي مثلًا يؤخذ منه على كل عملية سحب أربعة ريالات وستون هللة. ستون هللة تذهب لمؤسسة النقد وأربعة ريالات للبنك صاحب الصرف الآلي، فإذا كان للإنسان بطاقة صرف من الراجحي مثلًا -في مثالنا السابق- وصرف بها خمسمائة ريال من البنك البريطاني مثلًا، قالوا: حقيقة هذا السحب أنه يجمع بين عقدين: القرض والحوالة. أما القرض فلأن الساحب قد أخذ المال من صندوق البنك البريطاني على هذا المثال، ويتحول البنك البريطاني إلى غريم مصدر البطاقة وهو الراجحي في هذا المثال، وحينئذ عندما يستوفي البريطاني من الراجحي يستوفي منه خمسمائة ريال وأربعة ريالات، في مثالنا السابق يقولون: البنك البريطاني يستوفي من الراجحي خمسمائة ريال وأربعة ريالات. قالوا: وهذا يعتبر من النفع في القرض، وكل قرض جر نفعًا فهو ربا.
دليلهم الثاني الذي استدلوا به أيضا من النظر قالوا: إن هذا فيه إعانة على الإثم إذا كنت تسحب بهذه البطاقة من صراف بنك ربوي فهذا فيه إعانة على الإثم.
ودليلهم الثالث من النظر أيضًا، قالوا: إن العقد بين أطراف الشبكة مشتمل على الغرر؛ لأن المؤثر في العقد بين البنكين هو طرف ثالث وهو حامل البطاقة فهو المؤثر في غرم البنك أو غنمه. أما طرفا العقد فيجهلان العاقبة. هذه هي أدلتهم ولا أعرف لهم أدلة غير هذه.
أما أصحاب القول الثاني القائلون بالجواز قالوا: إن صاحب البطاقة إنما يسحب من رصيده في الواقع ومن حسابه ولا يسحب من حساب البنك الآخر، ففي المثال السابق إذا كان مصدر بطاقة الصراف هو الراجحي وحسابك عند الراجحي، وذهبت وسحبت عن طريق صراف بنك آخر كالبريطاني مثلًا، فهل أنت تسحب من خزينة البنك البريطاني؟ في الواقع ليس كذلك إنما تسحب من حسابك من رصيدك لدى الراجحي لكن عن طريق جهاز البنك الآخر الذي هو في هذا المثال البنك البريطاني. قالوا: وبهذا لا إشكال في المسألة؛ لأن كل واحد إنما يسحب من رصيده، فالقول أنك تسحب من رصيد بن آخر ثم أن هذا البنك يتقاضى من البنك الذي تتبعه. هذا ليس بصحيح.
ومما يدل على هذا لو كان رصيدك خمسة آلاف ريال وقد أصدر بطاقتك الراجحي لك حساب جار عند الراجحي ورصيدك خمسة الآف ريال، ثم إنك مررت بصراف بنك آخر وهو في مثالنا البريطاني مثلا، وسحبت منه بهذه البطاقة خمسة الآف ريال، وذهبت مباشرة للراجحي طلبت منه خمسة الآف ريال، فماذا سيقول لك؟ يقول: ليس عندك رصيد أنت سحبت رصيدك، وهذا يدل على أنك إنما تسحب من رصيدك -في الواقع- مباشرة، ولست تسحب من خزينة البنك البريطاني ثم البنك البريطاني يأخذ من الراجحي، وهذا كما ترون استدلال ظاهر.
قالوا: وأما الأربعة ريالات والستون هللة التي تؤخذ فهي رسم خدمة؛ لأن هذه الأجهزة لها كلفة من جهة اسئجار المكان التي توضع فيه، فإنها مثلًا توضع في بعض محطات الوقود بمبالغ كبيرة، ومن جهة أيضًا صيانتها، ومن جهة ما تحتاج إليه من كهرباء وهاتف ونحو ذلك، فهي تحتاج إلى كلفة، فهذا الرسم الذي يؤخذ هو رسم خدمة، والدليل على أنه رسم خدمة أنه لا يزيد بزيادة المبلغ، فسواء سحبت مائة ريال أو خمسة آلاف ريال فالرسم ثابت أربعة ريالات وستون هللة، وهذا دليل على أنه رسم خدمة، وما كان مقابل رسم خدمة فعلية حقيقية، فإنه لا بأس به؛ لأنه لا يلزم الناس بأن يخدموا غيرهم مجانًا، ما كان مقابل رسم خدمة فعلية حقيقية فإنه لا بأس به، وهذا هو القول الصحيح في المسألة: أنه يجوز الصرف من جهاز صرف آخر غير مصدر البطاقة لا حرج في ذلك ولا إشكال فيه.
وأما ما استدل به القائلون بالمنع، أولا قولهم: أن المسألة تشتمل على قرض جر نفعًا، فغير صحيح لأن هذا بني على تصور للمسألة غير صحيح، وهذا التصور أن أصحاب القول الأول يتصورون أنك عندما تسحب من صراف بنك آخر أنك تسحب من خزينة ذلك البنك، ثم إن ذلك البنك يرجع على البنك الذي تتبعه ويعمل معه مقاصة ويسترد المبلغ وزيادة أربعة ريالات، وهذا التصور غير صحيح؛ إذ أنك إنما تسحب من رصيدك مباشرة من البنك مصدر البطاقة ولكن عن طريق جهاز بنك آخر، وبناء على ذلك يمتنع هذا الإيراد، والقول أنه قرض جر نفعًا ليس بصحيح؛ لأنه بني على تصور للمسألة غير صحيح.
وأما القول بأن فيه إعانة على الإثم، فغير مسلم أيضًا؛ لأنه ليس كل تعامل مع بنك ربوي يكون إعانة، وإلا فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - تعامل مع اليهود وهم أكالون للسحت، وتوفي - عليه الصلاة والسلام - ودرعه مرهونة عند يهودي، فلماذا لم يقل النبي - صلى الله عليه وسلم -: أشترى طعام الشعير من مسلم حتى لا أعين هذا اليهودي على الإثم؟ فتبين أنه ليس كل تعامل مع بنك ربوي يكون إعانة على الإثم، إنما الذي يكون فيه إعانة هو الذي تكون تلك الإعانة ظاهرة؛ بحيث لو لم تقدم لما قام لذلك البنك قائمة مثل الحسابات الجارية، الحسابات الجارية الإعانة فيها ظاهرة؛ لأن البنوك تعتمد اعتمادًا كبيرا على هذه الحسابات، ومقاطعة الناس للبنوك الربوية بعدم فتح حسابات فيها لا شك أنه أقوى رادع لها عن الوقوع في الربا، لكن مثل هذه العملية لا يظهر أن فيها إعانة.
وأما القول بأن فيه غرر، فكما ذكرنا أيضا هذا مبني على تصور غير صحيح للمسألة، مبني على تصور أنك تسحب من خزينة البنك الآخر ثم إن هذا البنك يرجع إلى البنك الذي تتبعه، وهذا التصور غير صحيح، والواقع أنك إنما تسحب من رصيدك مباشرة عند البنك الذي تتبعه، ولكن عن طريق جهاز البنك الآخر، وذلك عن طريق الشبكة السعودية.
وبهذا نعرف أنه لا حرج في هذه المسألة، ولا إشكال من أن تسحب من أي جهاز صرف آلي وليس في ذلك أي محظور، والله - تعالى -أعلم.
لا ما يسحب، أنت تسحب من رصيدك، فقط يحصل بينهم احتساب رسوم الخدمة هذه مقاصة بالنسبة لرسوم الخدمة. أنت تسحب من رصيدك مباشرة عند الراجحي. لأ، رسوم خدمة فعلية حقيقية؛ ولذلك حتى لو تعاملت حتى مع غير مسلمين فتعطيهم أجرتهم فأنت خدمت بهذا الجهاز مع أنه لا يؤخذ من العميل شيء وإنما يؤخذ من البنك الذي يتبعه العميل بتنظيم وضعه ولي الأمر في هذا؛ ولهذا لا حرج في هذا السحب ولا إشكال فيه.
هذا ما يتعلق بهذه المسألة. إذا هذه بطاقات الائتمان المغطاة.
القسم الثاني من البطاقات: بطاقات الائتمان غير المغطاة وعرفها المجمع الفقهي طبعا درسها مجمع الفقهي الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في الدورة الثانية عشرة بالرياض، وأصدر قرارًا في البطاقات غير المغطاة، لم يتعرض للبطاقات المغطاة لوضوح الحكم فيها، البطاقات المغطاة الأمر فيها واضح كما ترون، لكن جعل البحث كله منصبا على بطاقات الائتمان غير المغطاة.
عرفها المجمع: بأنها مستند يعطيه مُصدره -أي البنك المصدر- لشخص طبيعي أو اعتباري -وهو حامل البطاقة- بناء على عقد بينهما يمكنه من شراء السلع أو الخدمات ممن يعتمد المستَنَد -وهو التاجر- دون دفع الثمن حالًّا لتضمنه التزام المصدر بالدفع، ويكون الدفع من حساب المصدر، ثم يعود على حاملها في مواعيد دورية، وبعضها يفرض فوائد ربوية على مجموع الرصيد غير المدفوع بعد فترة محددة من تاريخ المطالبة، وبعضها لا يفرض فوائد، ومن أمثلتها: بطاقات الفيزا بأنواعها، بطاقات الفيزا بأنواعها تعتبر من هذا القسم.
والبطاقة الائتمانية غير المغطاة تجمع عدة أطراف لا تزيد على خمسة:
أولا: الطرف الأول: المنظمة العالمية، وهي التي تملك العلامة التجارية للبطاقة وتشرف عليها وتشرف على إصدار البطاقات وفق اتفاقيات مع البنوك المصدرة، ومن أشهر هذه المنظمات العالمية منظمة فيزا ومنظمة ماستر كارد ومنظمة أمريكان إكسبرس.
الطرف الثاني: مُصدِر البطاقة وهو البنك أو المؤسسة التي تصدر البطاقة بناء على ترخيص معتمد من المنظمة العالمية بصفته عضو فيها، ويقوم بالسداد وكالة عن حامل البطاقة للتاجر التي تمثل البنوك مثلا الآن، هذا هو مصدر البطاقة.
الطرف الثالث: حامل البطاقة وهو العميل عميل البنك الذي صدرت البطاقة باسمه.
الطرف الرابع: قابل البطاقة، وهو التاجر أو صاحب المحل الذي يتعاقد مع مصدر البطاقة على تقديم السلع والخدمات التي يطلبها حامل البطاقة.
الطرف الخامس: البنوك الأخرى قد تدخل طرف وقد لا تدخل، وذلك كبنك التاجر الذي يتسلم مستندات البيع من التاجر ويقوم بتسديد وبمتابعة؛ تسديد البنوك الأعضاء للديون المترتبة على استخدام البطاقة مقابل رسوم يأخذها من التاجر.
وهذه الأطراف -كما أشرت- قد تنقص بحسب تعامل البنك المصدر وحامل البطاقة والتاجر.
إذا هذا القسم هو البطاقات الائتمانية غير المغطاة وعرفنا تعريفها وأطرافها.
هل يجوز إصدار هذه بطاقات، هل يجوز إصدار بطاقات الفيزا بأنواعها أو أنه لا يجوز؟
قبل أن أذكر الحكم أشير إلى أن بطاقات الفيزا وبطاقات الائتمان غير المغطاة عمومًا قد تتضمن شرطًا ربويًا؛ لأن هذه البطاقات تمنح حاملها أو تمكنه من أن يأخذ عن طريقها، يسحب عن طريقها مبلغًا ماليًا ولو لم يكن في رصيده شيء؛ يعني لو كان رصيدك صفر ومعك بطاقة الفيزا تستطيع أن تسحب بها مبلغًا ماليًا وفق سقف معين، هذا المبلغ المالي بعض البنوك تعطي فترة سماح مجانية للعميل لكي يسدد هذا المبلغ، فإن سدد لم يحتسب عليه فوائد ربوية.
وهذه الفترة تترواح ما بين أربعين إلى خمسة وخمسين يوما بحسب اختلاف البنوك على اختلاف البنوك فيما بينها، فإذا مضت فترة السماح المجانية -من أربعين إلى خمسة وخمسين يوما تقريبا- بدءوا في احتساب الفوائد الربوية عن كل يوم تأخير. أما إذا سددت خلال فترة السماح المجانية لم يحسب عليك شيء، وبعض البنوك لا تفعل هذا؛ بعض البنوك كالبنوك الإسلامية تصدر بطاقات الفيزا من غير هذا الشرط، لاحظوا أن الإشكال في هذه البطاقات هو هذا الشرط هو شرط ربوي لا شك بل هو ربا الجاهلية "إما أن تقضي وإما أن تربي" كأنهم يقولون: نقرضك قرضًا، وعند حلول موعد سداد هذا القرض إما أن تقضي وإما أن تربي، وهذا بعينه هو ربا الجاهلية.
وهذا يقودونا إلى معرفة حكم إصدار هذه البطاقات، قرر المجمع الفقهي: أنه لا يجوز إصدار بطاقات الائتمان غير المغطاة، ولا التعامل بها إذا كانت مشروطة بزيادة فائدة ربوية، حتى ولو كان طالب البطاقة عازمًا على السداد ضمن فترة السماح المجاني.
إذا: لا يجوز إصدار بطاقات الائتمان غير المغطاة، ولا التعامل بها إذا كانت مشروطة بزيادة ربوية، حتى ولو كان طالب البطاقة عازمًا على السداد ضمن فترة السماح المجاني.
لماذا لا يجوز؟ لأن من يصدرها قد يقع في الربا؛ عندما تمضي فترة السماح المجانية ولا يسدد ما عليه، ثم أيضًا عند توقيعه على قبول هذه البطاقة يوقع على قبول الربا، هذا التوقيع في حد ذاته فيه إشكال؛ ولذلك فإنه لا يجوز إصدار هذه البطاقات إذا كانت مشروطة بهذا الشرط، والبنوك الربوية تشترط هذا الشرط.
وبعض الناس يقول: أنا سوف أصدر هذه البطاقة بطاقة الفيزا من بنك تقليدي وأعرف من نفسي أني أستطيع السداد خلال فترة السماح المجانية، فهل يجوز لي هذا؟ نقول: لا يجوز حتى ولو كنت تعرف من نفسك هذا، لماذا؟
أولا: لأن مجرد توقيعك على العقد وقبول هذه البطاقة إقرار منك بالربا، فأنت الآن عندما تطلب إصدار هذه البطاقة توقع على الشروط ومن ضمنها أنه يحتسب عليك فوائد ربوية عند تأخرك في سداد ما عليك، فأنت الآن توقع على قبول الربا والإقرار به، ثم أيضًا قد يكون الإنسان عازمًا على السداد في فترة السماح المجانية ثم تعرض له عوارض في المستقبل ولا يستطيع معها أن يسدد؛ فقد اتصل بي أحد الناس وقال: إنه أصدر بطاقة من إحدى هذه البنوك التقليدية يقول وكنت عازمًا على السداد خلال فترة السماح المجانية، يقول: ولكن حصل لي ظروف لم أستطع معها السداد، فألزموني بدفع الربا، خاصة أنه يوجد البديل ولله الحمد وهو البنوك الإسلامية التي لا تشترط هذا الشرط، على سبيل المثال بنك الراجحي مثلًا يصدر بطاقات الفيزا بأنواعها من غير أن يشترط هذا الشرط، وحينئذ إذا لم يوجد هذا الشرط الربوي فإنه لا بأس بها لا بأس بإصدار هذه البطاقات؛ لأن الإشكال فيها فقط هو هذا الشرط، يشترط عليك أن تدفع الربا عند التأخر عن فترة السماح المجانية.
فما دام أنه يوجد البديل نقول: لا يجوز إصدار هذه البطاقات من بنوك تشترط هذا الشرط، ولكن قد يوجد في بعض الدول -وأنا قد وقفت على هذا- أنه لا يوجد بنك يصدر هذه البطاقات من غير اشتراط هذا الشرط، ويعتمدون في تلك الدول على هذه البطاقات اعتمادًا كبيرًا، ويلحقهم حرج لو قيل بأنه لا يجوز استخدام هذه البطاقات -ولعله يتابعنا عبر الإنترنت بعض الإخوة، وأنا وقد وقفت على واقعهم في هذا- فمثل هذه المسألة قد أفتى بعض العلماء المعاصرين ومنهم الشيخ محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله - بأنه يجوز لمن كانوا في تلك الدول استخدام تلك البطاقات بشرط أن يكونوا عازمين على السداد خلال فترة السماح المجانية؛ وذلك للضرورة لأنهم مضطرين إلى حمل هذه البطاقات. وما قد يورد عليها من إشكال وهو أنهم قد يقعوا في الربا أمر محتمل، فتدفع الضرورة ولا ينظر لهذا الأمر المحتمل، وعند توقيعهم على العقد ينون بأنهم غير مقرين بالربا، وأنهم عازمون على السداد خلال فترة السماح المجانية، ولكن هذا للإخوة في تلك الدول الذين هم مضطرون إلى إصدار هذه البطاقات وفي الوقت نفسه عازمون على السداد خلال فترة السماح المجانية، ومعلوم أن الضرورة تقدر بقدرها.
أما من كان مثلا موجودا هنا في المملكة فنقول: لا يجوز إصدار هذه البطاقات مطلقًا، لكن من كان موجودا في تلك الدول خاصة في الغرب، وأنا قد وقفت على شيء من هذا أنهم يكونون مضطرين إلى حمل هذه البطاقات واستخدامها، ويلحقهم حرج كبير لو قيل بعدم الجواز، وفي الوقت نفسه المحظور الذي يخشى منه -وهو الوقوع في الربا- يستطيعون تلافيه، وذلك بأن يكونوا عازمين على السداد خلال فترة السماح المجانية واتخاذ الوسائل التي تعينهم على ذلك، فنرجوا حينئذ أن يكون ذلك جائزا للضرورة، ولكن الضرورة تقدر بقدرها؛ فلا يتوسع في ذلك. إذا هذا ما يتعلق بحكم إصدار هذا النوع من البطاقات.
جاء في قرار المجمع: ثانيًا: يجوز إصدار البطاقة غير المغطاة إذا لم تتضمن شرط زيادة ربوية على أصل الدين، وهذا أشرنا إليه وقلنا: إن البنوك الإسلامية تفعل هذا، تصدر هذا النوع من البطاقات مع عدم تضمن هذا الشرط.
أيضًا أحكام هذه البطاقات، ويتفرع على ذلك أولًا: جواز أخذ مصدرها من العميل رسوما مقطوعة عند الإصدار أو التجديد بصفتها أجرًا فعليًّا على قدر الخدمات المقدمة منه، وهذه الرسوم هي رسوم خدمة، فمعلوم أنه عند إصدار بطاقات الفيزا يؤخذ من العميل رسوم: رسوم إصدار، أو رسوم تجديد، وهذه الرسوم لا بأس بها؛ لأنها رسوم خدمة فعلية حقيقية؛ لأن البنك يتكبد خسائر بإصدار هذه البطاقات ولها كلفة، فلا مانع من أن يأخذ مقابل الخدمات الفعلية الحقيقية التي قدمها كرسوم الإصدار أو رسوم التجديد.
أيضا يتفرع على ذلك: جواز أخذ البنك المصدر من التاجر عمولة على مشتريات العميل منه شريطة أن يكون بيع التاجر بالبطاقة بمثل السعر الذي يبيع به بالنقد. في بطاقات الفيزا يؤخذ من التاجر عمولة فإذا اشترى العميل مثلًا بمائة ريال عندما يريد التاجر أن يتقاضى من البنك يتقاضى منه أقل من هذا المبلغ، على خلاف بينهم في حساب النسبة، يعني ستة وتسعين ريالا أو سبعة وتسعين ريالا وبعضهم أكثر وبعضهم أقل، المقصود: أنه يتقاضى التاجر من البنك مبلغًا أقل، فما حكم هذه العمولة؟
نقول: إنه يجوز أن يأخذ البنك المصدر من التاجر عمولة على مشتريات العميل، لكن بشرط أن يكون بيع التاجر بالبطاقة بمثل السعر الذي يبيع به بالنقد، فلا يرفع التاجر من سعر المشتريات على العميل بسبب استخدامه لهذه البطاقة، لا يجوز ذلك؛ لأنه إذا فعل ذلك يكون دفع العمولة في الحقيقة من العميل، من صاحب البطاقة، ومعلوم أن العلاقة بين العميل صاحب البطاقة وبين البنك هي علاقة قرض، فيكون هذا من القرض الذي جر نفعًا، لكن إذا أخذ هذا من التاجر فإنه لا بأس به؛ لأنه يكون هذا من قبيل السمسرة، فكأنه قيل لهذا التاجر: نحن نحضر لك زبائن وتعطينا مقابل هذا الإحضار ومقابل تلك السمسرة هذه العمولة، وهذا لا حرج فيه لكن لاحظ هذا الشرط: بشرط أن يكون بيع التاجر بنفس السعر الذي يبيع به بالنقد؛ أن يكون بيع التاجر عن طريق هذه البطاقة بالسعر نفسه الذي يبيع به بالنقد، فلا يزيد التاجر على المشتري بهذه البطاقة بسبب استخدامه لهذه البطاقة، وإلا لم يجز ذلك.
ثالثا: السحب النقدي من قبل حامل البطاقة اقتراض من مصدرها، هذا هو التكييف الفقهي له " اقتراض من مصدرها " يعني عندما يكون رصيدك قليلًا، ما عندك مثلا إلا ألف ريال وسحبت عن طريق بطاقة الفيزا خمسة آلاف، فيكون هذا التكييف الفقهي له أنه قرض كأنك اقترضت من البنك أربعة آلاف، ولا حرج في هذا شرعًا إذا لم يترتب عليه زيادة ربوية، وهذا يقودنا إلى معرفة حكم الرسوم التي تؤخذ على هذا السحب، عندما تسحب عن طريق بطاقة الفيزا ويؤخذ عليك رسم، وهذا الرسم كان في السابق تسعة ريالات عن كل عملية سحب ثم تضاعف إلى ثمانية عشرة ريالًا ثم تضاعف الآن إلى ستة وثلاثين ريالًا، فعلى كل عملية سحب يؤخذ عليك أنت صاحب البطاقة ستة وثلاثون ريالًا، فما الحكم في هذه؟ وما التكييف الفقهي له؟
اختلف العلماء المعاصرون في هذه المسألة على أقوال، وقبل أن أشير لهذه الأقوال أشير هنا إلى أن السحب النقدي بهذه البطاقة البطاقة الائتمانية له حالتان: سحب يدوي وسحب آلي.
أما السحب اليدوي: فإنه لا يجوز أخذ رسوم عليه. لاحظ هنا السحب اليدوي تذهب إلى البنك مباشرة وتعطيهم بطاقة الفيزا يعطونك خمسة آلاف، هذا لا يجوز أخذ رسوم عليه، لماذا؟ لأن هذا ربا صريح؛ لأن هذه الرسوم التي تؤخذ على صاحب البطاقة لا يقابلها تكاليف، فأنت عندما تبرز لموظف البنك بطاقة الفيزا وتقول: أعطوني خمسة آلاف ريال ما هي الكلفة التي بذلها البنك حتى يأخذ ستة وثلاثين ريالا على هذه العملية؟ في الواقع أنه ليس فيه كلفة؛ ولهذا فتكاد تتفق الهيئات الشرعية في البنوك الإسلامية على حرمة استخدام البطاقة الائتمانية في السحب اليدوي من البنوك الربوية.
إذا السحب اليدوي هذا لا إشكال في عدم جوازه في عدم جواز السحب اليدوي الذي يحتسب عليه هذه الرسوم؛ لأن هذه الرسوم لا تقابل خدمة فعلية حقيقية ولا تكاليف أنت مجرد أبرزت بطاقة الفيزا لموظف البنك وقلت له: أعطني خمسة آلاف ريال، لماذا يحسب عليك ستة و ثلاثون ريالا؛ ولهذا نقول هذه المسألة الأمر فيها واضح أنها لا تجوز؛ ولهذا نجد أن بعض البنوك الإسلامية تمنع من السحب اليدوي ببطاقة الفيزا ومنها بنك الراجحي بل أنهم يأخذون تعهدا على من يصدر بطاقة الفيزا بألا يسحب بها سحبًا يديًا.
أما السحب الآلي فهو محل البحث، وهو الذي اختلف فيه العلماء المعاصرون. السحب الآلي بطاقة الفيزا عن طريق الصراف الآلي، معلوم أن الصراف الآلي هذا له كلفة من جهة استئجار المحل الذي هو فيه، ومن جهة صيانته ومن جهة ما يحتاج إليه من كهرباء وهاتف ونحو ذلك، وهذا هو وجه الفرق بينه وبين السحب اليدوي، فما حكم هذا الرسم الذي يأخذه البنك مقابل السحب ببطاقات الفيزا؟
في المسألة أربعة أقوال:
القول الأول: أنه لا يجوز أخذ هذه الرسوم مطلقًا، وقالوا: إن هذه الرسوم هي من الربا المحرم؛ لأن العلاقة بين حامل البطاقة ومصدرها الذي هو البنك هي علاقة قرض، فأَخْذ هذه الرسوم يعتبر من قبيل النفع المحرم في القرض، وكل قرض جر نفعًا فهو ربا.
القول الثاني يقابل هذا القول تمامًا: وهو جواز أخْذ هذه الرسوم مطلقًا، واعتبروا أن هذه الرسوم مقابل خدمات فعلية حقيقية، وقالوا: إن مكائن الصرف هذه لها كلفة -كما أشرنا إلى هذا- من جهة استئجار المحل التي هي فيه، ومن جهة أيضا الصيانة ومن جهة الكهرباء والهاتف ونحو ذلك.
فإذًا عندنا قولان: قول بعدم الجواز مطلقا، وقول بالجواز مطلقا.
القول الثالث: أنه يجوز أخذ الرسوم بشرط أن تكون مبلغًا مقطوعًا لا نسبة مئوية؛ يعني مثلًا يؤخذ ستة وثلاثون ريالا مقطوع على كل عملية سواء سحبت مائة ريال أو خمسمائة ريال أو ألف أو خمسة آلاف، ولا يؤخذ نسبة مئوية، لا يقال: إذا سحبت مائة ريال عليك مثلًا رسم قدره كذا، إذا سحبت ألف ريال يزيد الرسم. هذا محصل هذا القول.
فيقولون: يجوز أخذ الرسوم بشرط أن تكون مبلغا مقطوعا لا نسبة مئوية، وإلى هذا الرأي ذهبت الهيئة الشرعية بشركة الراجحي، ولكن هذا الرأي بالأغلبية عندهم ليس محل اتفاق، ذهبت الهيئة الشرعية بشركة الراجحي إلى هذا الرأي، وهو الذي عليه العمل عندهم، وأيضًا هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية. قالوا: لأن تغير الرسم بتغير المبلغ فيه شبهة ربا، وهذا المعنى منتف إذا كان الرسم مبلغا مقطوعًا.
القول الرابع في المسألة: أنه يجوز أخذ هذه الرسوم بشرط أن تكون مبلغًا مقطوعًا في مقابل النفقات الفعلية الحقيقية لعملية القرض، ولا يجوز الزيادة على التكلفة الفعلية.
ما الفرق بين هذا القول والقول الثالث؟
القول الثالث قالوا: مبلغ مقطوع فقط ولم يشترطوا شرطًا آخر. القول الرابع: اشترطوا شرطين: قالوا: أن يكون مبلغا مقطوعا، وأن يكون أيضا هذا الرسم مقابل خدمة فعلية حقيقية.
فكأننا نقول: إن الأقوال أربعة: قول بالجواز مطلقا، قول بالمنع مطلقا، قول بالجواز بشرط واحد وهو أن يكون مبلغا مقطوعا، قول بالجواز بشرطين وهو أن يكون المبلغ مقطوعا، وأن يكون الرسم مقابل الخدمات الفعلية الحقيقية.
والقول الأخير وهو القول الرابع "الجواز بهذين الشرطين" هو رأي مجمع الفقهي الإسلامي، قد نصوا في القرار قالوا: ولا يعد من قبيله الرسوم المقطوعة التي لا ترتبط بمبلغ القرض أو مدته مقابل هذه الخدمة، وكل زيادة على الخدمات الفعلية محرمة؛ لأنها من الربا المحرم شرعًا.
والقول الرابع هو القول الراجح في المسألة والله أعلم: أنه يجوز أخذ هذه الرسوم بشرطين:
الشرط الأول: أن يكون المبلغ مقطوعًا؛ لأن هذا هو الشأن في رسوم الخدمة أن يكون مبلغها مقطوعا؛ لأنه لا فرق بين كلفة سحب مائة ريال وكلفة سحب خمسة آلاف ريال، الكلفة واحدة، وجعلها بنسبة مئوية تتزايد بزيادة المبلغ لا شك أن فيه شبهة الربا.
الشرط الثاني: أن يكون مقابل خدمة فعلية حقيقية؛ لأننا إنما أجزناها لأجل هذا لأجل أنها مقابل خدمة فعلية حقيقية؛ فلا يجوز زيادة المبلغ فوق هذا، وهذا يقودنا إلى الرجوع الآن إلى بطاقات الفيزا، عندما يسحب بها مائة ريال يؤخذ عليها ستة وثلاثون ريالا، هل الستة وثلاثون ريالا رسوم هي مبلغ مقطوع لا شك، يؤخذ ستة وثلاثون ريالا سواء سحبت مائة ريال أو سحبت خمسة آلاف، لكن هل الستة وثلاثين ريالا هل هي رسوم خدمة فعلية حقيقية على سحب مائة ريال؟ في الواقع أن هذا غير مقبول، لو كان خمس ريالات أو أربعة ريالات كما في بطاقات الصراف الآلي، يعني الأمر قد يكون مقبولًا أو حتى ربما نقول: عشرة ريالات قد نتجاوز ونقول: نعتبرها رسوم خدمة، لكن أن يبلغ ستة وثلاثين ريالًا ثم نعتبرها رسم خدمة فهذا غير مقبول.
ولهذا السحب ببطاقات الفيزا فيه إشكال، وبناء على هذا التقعيد الذي ذكرناه لا يجوز؛ لأن -كما ذكرنا- أخْذ ستة وثلاثين ريالا على مائة ريال هذا فيه إشكال، والقول بأنه رسم خدمة لا يقبله عاقل، كيف يكون رسم خدمة على سحب مائة ريال؟! ستة وثلاثين ريالًا يعني ستة وثلاثين ريالًا أكثر من ثلث المبلغ، ولا يقول عاقل بأن هذا رسم خدمة حقيقية؛ ولهذا الذي نرى أنه لا يجوز استخدام هذه البطاقات بهذه الرسوم الكبيرة، لكن لو أنه في المستقبل وجدت بطاقات يلتزم فيها بهذين الشرطين"أن تكون رسوم مقطوعة، وأن تكون مقابل خدمة فعلية حقيقية" فلا بأس بها، لكن بالوضع الموجود الآن والقائم الآن نرى أن هذا لا يجوز.
وأما شركة الراجحي وغيرها من بعض البنوك الإسلامية اعتمدت على فتوى الهيئة عندهم، وهم أخذوا بالرأي الثالث؛ ولهذا بعض الإخوة يطرح هذا الإشكال ويقول: لماذا بعض البنوك الإسلامية تفعل هذا؟ نقول: لأنهم اعتمدوا بناء على فتوى الهيئات الموجودة عندهم، وبعض الهيئات الشرعية تأخذ بالقول الثالث، يشترطون فقط شرطا واحدا وهو أن يكون الرسم مقطوعا فقط يعني مبلغا مقطوعا.
ومن حيث التحقيق العلمي نقول: أنه لا بد من شرطين: أن يكون مقطوعا، وأن يكون مقابل خدمة فعلية حقيقية.
أيضًا من أحكام بطاقات الائتمان غير المغطاة وقد ورد هذا في إقرار المجمع: لا يجوز شراء الذهب والفضة وكذلك العملات النقدية بالبطاقة غير المغطاة؛ وذلك لأن هذه البطاقات غير المغطاة مثل بطاقات الفيزا بأنواعها فيها تأجيل، فعندما تشتري ذهبًا ببطاقات الفيزا فإن صاحب الذهب لا يحصل على حقه مباشرة وإنما يأخذ وقتًا حتى يحصل على حقه، وحينئذ لا يتحقق التقابض يدًا بيد، وهذا بخلاف بطاقات الصرف الآلي، بطاقات الصرف الآلي يحصل على حقه مباشرة لكن بطاقات الفيزا لا يحصل على حقه مباشرة، ومعلوم أنه عند بيع الذهب والفضة لا بد من التقابض يدًا بيد؛ ولهذا فإنه لا يجوز شراء الذهب والفضة و العملات النقدية عن طريق بطاقات الفيزا ونحوها، وإن كان ذلك جائزًا عن طريق بطاقات الصرف الآلي والفرق بينهما ظاهر، على أن من العلماء المعاصرين من أجاز شراء الذهب والفضة ببطاقات الفيزا وقال: إنها في قوة المصارفة يدًا بيد، ولكن هذا محل نظر؛ إذ أن التأجيل فيها واقع، ما دام أنه يوجد فيها تأجيل ولو لساعة واحدة، فهذا فيه إشكال، أرأيت لو بعت ذهبًا بأوراق نقدية ولم تسلم الأوراق النقدية إلا بعد ساعة أليس تقع في الربا؟ كذلك أيضا هذا من هذا القبيل.
ولهذا نقول في شراء الذهب والفضة: إنه يجوز ببطاقات الصرف الآلي، ولا يجوز ببطاقات الفيزا ونحوها، هذا هو حاصل كلام العلماء المعاصرين في هذه المسائل، ونكتفي بهذا القدر، والله - تعالى -أعلم.
الأسئلة:
س: أحسن إليكم. هذا سائل يقول: فضيلة الشيخ ساهمت في أحد البنوك ولدي مبلغ فهل أقوم بتطهيره؟ وكيف يكون ذلك؟
ج: لعل السائل يقصد أنه ساهم عن طريق أحد البنوك، وإلا المساهمة في البنك نفسه إذا كان بنكا ربويا فإنه لا تجوز المساهمة فيه؛ لأن المساهمة في البنوك الربوية حقيقة فيها خطورة كبيرة، لماذا؟ لأنك إذا ساهمت في هذا البنك تصبح أحد ملاك هذا البنك؛ لأن المساهمين يملكون البنك المساهم فيه ولو واحد من عشرة آلاف ولو واحد من مليون، المهم أنك أحد ملاك هذا البنك شئت أم أبيت، وجميع أعمال البنك تنسب إليك أيها المساهم شئت أم أبيت.
معنى ذلك أن جميع ما يفعله البنك من عمليات محرمة من إقراض بالربا من جميع التعاملات المحرمة تنسب إليك أنت أيها المساهم، لاحظ هنا، ومن هنا تأتي خطورة المسألة، والشريعة قد شددت في شأن الربا، ولعن النبي - صلى الله عليه وسلم - آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، فإذا كان شاهد الربا وكاتبه ملعونا فكيف بمن يتعامل بالربا لكن بطريق الوكالة؟!
إما إذا كان البنك غير ربوي، إذا كانت المساهمة في بنك غير ربوي يشترط لتداول أسهم البنك أن تكون موجودات البنك أكثر من النقود، وهذا لا بد من التأكد منه؛ لأن البنوك يغلب عليها أن النقود أكثر، فإذا كان النقد أكثر من الموجودات فعند تداول الأسهم يصبح هذا من قبيل بيع النقد بالنقد مع التفاضل فيقع في الربا، وهذا إشكال كبير في هذه المسألة، إلا إذا كان تداول أسهم البنك بعملة أخرى، فهنا يزول الإشكال لعموم الحديث: فإذا اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد.
أما إذا كان قصد السائل أنه مساهم عن طريق أحد البنوك في شركات مختلطة تتعامل بالربا؛ فإنه لا بد من تطهير ذلك المبلغ بعد الحصول عليه، وإن كان القول الراجح: أنه لا يجوز المساهمة في الشركات التي تتعامل بالربا ولو واحد بالمئة كما شرحنا هذا في درس سابق، وبيّنا وجه هذا، وذكرنا أن هذا هو رأي المجامع الفقهية، لكن على كل حال لو أن أحدًا دخل أو أخذ برأي أصحاب القول الثاني الذين يجوزون الدخول فيها مع التطهير فلا بد من تطهير ذلك المبلغ.
أما قول "السائل كيف أطهر؟ "
سبق أن تكلمنا عن هذا في درس سابق، وقلنا: إن التطهير على وجه دقيق قد يكون متعذرًا ولكن على وجه التقرير مع الاحتياط فيمكن عن طريق سؤال تلك الشركات خاصة أقسام المحاسبة في تلك الشركات، يتصل بهم ويسألهم كم نسبة الربا عندكم؟ وهم يعرفونها على وجه دقيق، وكل شركة مساهمة يخرج لها قائمة مالية فتجد من ضمن القوائم المالية القروض، وهذه القروض لا شك أنها قروض ربوية؛ لأن الشركات والبنوك لا تقرض القرض الحسن، لا يكون عندهم قرض حسن وليسوا بخلق لها، فهذه قروض ربوية، فيستطيع أن يسأل تلك الشركات ويعرف الإيراد المحرم ويطهره: يتصدق به بنية التخلص لا بنية التقرب.
فإن لم يستطع معرفة المال المحرم، فاختلف العلماء في هذه المسألة، وأكثر ما قيل: أنه يتصدق بنصف الربح وهو رأي الشيخ محمد بن عثيمين - رحمه الله -، أنه يتصدق بنصف الربح هذا هو أكثر ما قيل في هذه المسألة، والله - تعالى -أعلم.
س: أحسن الله إليكم. هذا يقول: الهدايا والتخفيضات التي تُعطى لأصحاب الحسابات من قبل البنوك هل تجوز؟ وهل يجوز أن أفتح حسابًا في بنك يعطي هدايا؟
ج: نعم. هذا سؤال جيد في حقيقة، التكييف الفقهي للحسابات الجارية في البنوك هو أنها قرض وليست وديعة وإن سماها الناس وديعة، عندما تعطي البنك مالًا تفتح حساب جاري عنده هذا في الحقيقة قرض؛ لأن حقيقة القرض عند الفقهاء: هي دفع مال لمن ينتفع به ويرد بدله، هكذا عرف الفقهاء القرض وهذا هو الذي ينطبق تمامًا على الحسابات الجارية ولو كانت ودائع حقيقية لكان البنك عندما يأخذ منك المبلغ يحتفظ به عنده، والواقع أن البنك من حين أن يأخذ منك المبلغ يتصرف فيه بل ربما يتصرف فيه وأنت تنظر يعطيه ويتصرف مع عميل آخر، وهذا هو القرض، فحقيقة القرض التي ذكرها الفقهاء: "دفع مال لمن ينتفع به ويرد بدله" منطبقة تماما على الحساب الجاري، وحينئذ تكون العلاقة بين صاحب الحساب الجاري وبين البنك هي علاقة مقرض بمقترض، ولا يجوز أن يدفع المقترض للمقرض أية هدية قبل الوفاء باتفاق العلماء. أما بعد الوفاء يجوز إذا لم يكن ذلك عن شرط أو عرف، ويكون من باب الإحسان في وفاء القرض.
أما قبل الوفاء فلا يجوز، لو أقرضت شخصًا عشرة آلاف ريال، فأهدى إليك المقترض هدية قبل سداد القرض ولم يكن بينكم عادة جارية؛ فإن هذا لا يجوز. أما لو كانت الهدية بعد وفاء القرض ولم يكن هناك شرط أو عرف جاز.
وعلى هذا تخرج هدايا البنوك، فالعلاقة بين البنك وبين العميل -صاحب الحساب الجاري- علاقة مقرض بمقترض، فإذا أهدى البنك للعميل يكون قد أهدى المقترض الذي هو البنك للمقرض الذي هو العميل هدية قبل الوفاء، وهذا محرم ولا يجوز؛ ولهذا نقول: جميع هدايا البنوك إلى العملاء لا تجوز هي محرمة؛ لأنها في الحقيقة هدية من مقترض إلى مقرض، وهذا مع الأسف واقع وموجود، تقوم البنوك بإهداء أصحاب الحساب الجاري خاصة ما يسمونهم بالعملاء المتميزين يعني أصحاب الأرصدة الكبيرة يهدونهم هدايا، وهذه الهدايا محرمة ويجب ردها ويجب تنبيه القائمين على البنوك بأن هذه الهدايا محرمة ولا تجوز، اللهم إلا إذا كانت هدايا لا ترتبط بالقرض وإنما تهدى لعموم الناس مثل مثلا التقاويم تهدى لأي أحد مثلا يزور البنك أو أي أحد يأتي إلى البنك، هذا لا بأس به؛ لأنها ليست لأجل القرض. أما هدايا تهدى لأجل أن هذا قد فتح حساب عندهم ولأجل أن هذا من عملاء البنك فإن هذه الهدايا محرمة ولا تجوز.
س: أحسن الله إليكم. يقول: ما هي الشيكات السياحية وما حكمها؟
ج: الشيكات السياحية هي شيكات تصدرها مكاتب لبعض من يرغب في هذا، ويأخذ هذه الشيكات ويستطيع إذا سافر إلى بلد آخر أن يحصل على ما يقابلها من النقد، ويحتسب عليها رسوم. وهذه الشيكات لا بأس بها، والرسوم التي تؤخذ عليها هي رسوم خدمة وسوف نفصل -إن شاء الله تعالى- الكلام عنها في دروس قادمة عندما نتكلم عن الأوراق التجارية. لكن هذا باختصار محصل الكلام فيها وسوف يأتي التفصيل عنها إن شاء الله.
س: أحسن الله إليكم. يقول: أنا طالب وأريد فتح حساب ولا يوجد بنك إسلامي يفتح لي حسابا إلا بنك ربوي، فهل يجوز لي فتح حساب عند هذا البنك الربوي؟
ج: على كل حال إذا كان السائل يعيش في دولة ليس فيها بنك إسلامي إنه لا حرج عليه أن يفتح حسابًا في بنك ربوي للضرورة؛ لأن فتح حساب في البنك أصبح من الضرورات في الوقت الحاضر، فلا يستطيع الإنسان أن يحفظ أمواله في بيته، فأصبح هذا من الضرورات، ولكن عند فتحه لهذا الحساب يجب عليه ألا يأخذ فوائد ربوية، يعني يجعل الحساب جاريًا ولا يجعله في حساب الودائع الآجلة وإنما يجعله حسابا جاريا بدون أخذ فوائد ربوية، ولا حرج عليه في هذه الحال لأجل الضرورة، وإن كانت العلاقة بينهما -كما ذكرت- هي قرض وليست وديعة لكن جاز هنا لأجل الضرورة.
أما لو كان في بلد يوجد فيه بنك إسلامي فنرى أنه لا يجوز أن يفتح حسابًا في بنك ربوي؛ لأن هذا فيه إعانة ظاهرة لهم على الاستمرار في الربا؛ لأن البنوك تعتمد اعتمادًا كبيرًا على الحسابات الجارية.
س: أحسن الله إليكم. يقول: يوجد في بعض محطات البنزين تعطي الزبون هدية عبارة عن علبة مناديل إذا اشترى منها؛ رغبة في التنافس مع المحطات الأخرى، فهل يجوز ذلك؟
ج: نعم. هدايا محطات البنزين لأجل من يعبي عندهم وقودًا لا بأس بها، ولا تدخل في الميسر؛ لأنها لا تنطبق عليها قاعدة الميسر، فقاعدة الميسر: هي الدخول في مسابقة أو مغالبة يتردد فيها بين الربح والخسارة بين الغرم والغنم. وإذا طبقنا هذه القاعدة على تلك الهدايا التي تضعها محطات البنزين نجد أنها لا تنطبق عليها؛ لأن محطات البنزين تبيع بنفس السعر، السعر محدد وثابت وهو تسعون هللة، ومن يعبي عندهم إما غانم وإما سالم، وقاعدة الميسر: إما غانم وإما غارم، وحينئذ نقول: لا بأس بذلك، والعملية في حقيقتها كأنها تخفيض لكن بطريق غير مباشر؛ يعني بدل ما يقول نخفض سعر التر من تسعين هللة إلى مثلا خمسة وثمانين أو إلى ثمانين يجعلون هذا بطريق غير مباشر بأن يمنحوك هذه الهدية، ولا حرج في مثل هذه الهدايا، ومثل ذلك: الهدية التي تمنح للإنسان من محل تجاري كالهدايا التي تكون مع العصائر ومع الألبان. لا بأس بها إذا كانت تباع بنفس سعرها في السوق، فإذا كان مثلا محل العصير أو الألبان قد وضع هدايا وهي تباع بنفس السعر فلا حرج في ذلك؛ لأنها لا تنطبق عليها قاعدة الميسر.
وأما قول الأخ السائل أن في هذا إضرارًا بالمحطات الأخرى التي لا تقدم مثل هذه الهدايا فهذا لا نسلم به؛ لأن أمور التجارة من قديم قائمة على التنافس بين التجار، من وقت النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ ولهذا لما غلت الأسعار في عهده - عليه الصلاة والسلام - قالوا: يا رسول الله سعر. قال: إن الله هو المسعر القابض الباسط لأن ذلك الارتفاع كان من كثرة الطلب وقلة العرض، فاختلاف الأسعار وتنافس التجار فيما بينهم موجود من قديم الزمان، فلا نمنع تاجرا من أن يخفض سعر بضاعته لا نمنعه من هذا بل نقول: دعوا الناس يرزق بعضهم من بعض ودعوا التجار يتنافسون لمصلحة المشتري منهم أو ما يسمى بالمستهلك.
والهدايا التي تكون في محطات البنزين غاية ما فيها أنها تخفيض لكن بطريق غير مباشر. نعم لو أنهم رفعوا من سعر البنزين لأجل هذا هنا قد يكون محل إشكال لكن ما دام أن سعر البنزين عندهم وعند غيرهم هو نفس السعر لكن فقط هؤلاء يمنحون من يعبي عندهم هدية؛ فإنه لا حرج في ذلك ولا تدخل تحت قاعدة الميسر.
على إن من العلماء من منع من هذا، لكن لا أرى لهذا المنع وجهًا، والصحيح هو ما أفتى به بعض مشائخنا وهم الشيخ محمد بن عثيمين وجماعة من أن هذه الهدايا لا بأس بها ولا حرج فيها؛ لأنها لا تنطق عليها قاعدة الميسر.
س: أحسن الله إليكم. يقول: ما هي العلة في عدم قبول هدايا البنوك؟
ج: نعم. العلة هي سد الذريعة المفضية للربا سد ذريعة الربا؛ لأن صورة القرض -كما ذكرنا فيما سبق- في الأصل هي صورة ربوية لكن الشريعة أجازتها من باب تشجيع الإرفاق والتعاون والتكافل بين المسلمين، فإذا أصبح القرض لا يراد به الإرفاق وإنما أصبح يراد به المعاوضة؛ رجعت صورة القرض لما كانت عليه في الأصل وهو أنها صورة ربوية، فوجود مثل هذه الهدايا يفضي إلى أن يكون القرض يراد به الربحية والنفع ولا يراد به الإرفاق.
وإن كان هذا قد لا يتحقق يعني قد لا يكون مقصودًا، قد تكون الهدية من غير قصد ولكن من باب سد الذريعة منع الفقهاء من هذا وقالوا: لا يجوز للمقترض أن يهدي للمقرض أية هدية قبل الوفاء. وورد في هذا آثار عن السلف، لما قدم أبو موسى على عبد الله بن سلام - كما هو في البخاري- قدم من أرض العراق قال: إنك بأرض الربا فيها فاشٍ، فإذا أهدى إليك أحد حمل تبن أو حمل قت فلا تأخذه فإنه ربا قالوا: والظاهر أنه لا يقول هذا إلا بتوقيف من النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذا في صحيح البخاري، ورد أيضًا آثار عن بعض الصحابة كابن عباس أنه منع من هذا، والفقهاء قد نصوا على هذا فقالوا: إنه لا يجوز للمقترض أن يهدي المقرض هدية قبل الوفاء، لم تكن العادة جارية بينهما بالإهداء. أما لو كانت من عادته أن يهدي له؛ لا حرج، لكن يهدي له لأجل القرض فإن هذا لا يجوز سدًا لذريعة الربا.
أحسن الله إليكم وأثابكم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.