فقه المعاملات المالية المعاصرة (15) قبض الأوراق التجارية

الشيخ سعد بن تركي الخثلان

 

القبض عند الفقهاء يعني حيازة الشيء والتمكن منه، سواء كان التمكن باليد أو بعدم الممانع، أو بعدم المانع، وهو ما يسمى بالتخلية، أو القبض الحكمي.

والقبض مطلق في الشرع فيرجع فيه إلى العرف، فمثلا قبض الذهب غير قبض العقار، غير قبض الأغنام، يعني كل شيء بحسبه، ويرجع في ذلك إلى العرف، ما عده الناس قبضا فهو قبض، ولهذا قال الموفق ابن قدامة: القبض مطلق في الشرع، فيجب الرجوع فيه إلى العرف كالإحراز...والتفرق.

وإذا أردنا أن نبحث مسألة قبض الأوراق التجارية، أما ما كان مستحق الوفاء بعد مدة، يعني إذا كانت الأوراق التجارية مؤجلة كما في الكمبيالة والسند لأمر، إذا كانا مؤجلين هنا ظاهر أنه لا قبض، وبناء على ذلك لا يجوز مثلا بيع الذهب بكمبيالة مؤجلة، أو بسند لأمر مؤجل، لكن إذا كانت الورقة التجارية واجبة الدفع لدى الاطلاع، كالشيك مثلا، هل يعتبر تسلم الشيك في حكم القبض لمحتواه، وبناء على ذلك يجوز مثلا شراء الذهب بالشيك، لو ذهبت لمحل تجاري واشتريت كمية كبيرة من الذهب وكتبت لصاحب محل الذهب شيكا، هل هذا يجوز؟ هذا يرجع لهذه المسألة، وهي هل يعتبر تسلم الشيك قبض لمحتواه، أو أنه لا يعتبر؟ اختلف العلماء المعاصرون في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:

القول الأول: أن تسلم الشيك يعتبر قبضا لمحتواه، وبناء على ذلك يجوز أن تشتري بهذا الشيك ذهبا أو فضة مثلا، فيعتبر قبضا لمحتواه، وعللوا ذلك بأن الشيك يحاط بضمانات كبيرة، تجعل القابض له مالكا لمحتواه، ويستطيع أن يتصرف فيه فيبيع ويهب ويشتري إلى آخره.

القول الثاني: أن تسلم الشيك ليس في معنى القبض لمحتواه، أن تسلم الشيك ليس في قوة القبض لمحتواه، وبناء على ذلك لا يجوز أن يحرر به ما يشترط فيه التقابض كالذهب.

ومن أبرز من قال بهذا القول الشيخ محمد العثيمين - رحمه الله -، حتى ولو كان الشيك مصدقا فيقول: تسلم الشيك ليس في قوة القبض لمحتواه، سواء كان الشيك مصدقا أو غير مصدق، وأذكر أنني ذهبت للشيخ محمد بن العثيمين - رحمه الله - وسألته عن هذه المسألة فذكر لي رأيه هذا، قال: إن تسلم الشيك ليس بقوة القبض لمحتواه، فقلت: حتى ولو كان مصدقا؟ قال: حتى ولو كان مصدقا. وقال: أرأيت لو أن هذا الشيك ضاع، أليس يرجع صاحبه على البنك فيسلم له بدله، فإذن هو لا يقوم مقام النقد، بينما النقود لو ضاعت لما أمكن الرجوع على أحد، تضيع على صاحبها، وهذه هي وجهة أصحاب هذا القول، فيقولون: إن تسلم الشيك ليس في قوة القبض لمحتواه، سواء كان مصدقا أو غير مصدق؛ لأنه لو ضاع لأمكن الرجوع إلى مُصدِره، وهو المسحوب عليه الذي هو البنك، وبينما الأوراق النقدية لو ضاعت فإنها تضيع على صاحبها، ولا يمكن الرجوع على أحد، ولأن الشيك يتعرض لعدة احتمالات من جهة كونه ليس فيه رصيد، أو لا يقبله البنك أو نحو ذلك، فالقابض لمحتوى الشيك ليس له التصرف، يعني متسلم الشيك توقف بعض تصرفاته على الوفاء الفعلي، قد لا يكون للشيك رصيد ونحو ذلك من الاحتمالات.

القول الثالث في المسألة هو التفصيل، وذلك للتفريق بين الشيك المصدق والشيك غير المصدق، فتسلم الشيك المصدق في معنى القبض لمحتواه، بينما تسلم الشيك غير المصدق ليس في معنى القبض لمحتواه، وإلى هذا الرأي ذهبت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله -.

إذن القول الثالث أن تسلم الشيك المصدق في معنى القبض لمحتواه، وتسلم الشيك غير المصدق ليس في معنى القبض لمحتواه.

ومعنى التصديق في الشيك: أنه يحرز المبلغ، يذهب مثلا صاحب الشيك ويطلب حجز هذا المبلغ للمستفيد، وبالتالي لا يستطيع أن يتصرف فيه، يُحجز للمستفيد، لمن حُرِّرَ له هذا الشيك، وجمع أصحاب هذا الرأي بين وجهة القول الأول ووجهة القول الثاني، فقالوا: إن الشيك إذا كان غير مصدق فهو يرد عليه عدة احتمالات، يرد عليه ما ذكره أصحاب الرأي الثاني، وأما إذا كان مصدقا فإنه لا يرد عليه أي احتمال، ويكون في قوة القبض لمحتواه.

قالوا: ولهذا نجد أن الناس في الصفقات الكبيرة إنما يتعاملون بالشيكات، فلو اشتريت بيتا بمليون ريال وأردت أن تدفع نقدا فإن البائع لا يقبل، يقول: أعطني شيكا، ما أريد أن تعطيني نقدا، فإذا كان الناس يفضلون الشيك على النقد في الصفقات الكبيرة معناه أنه يريد يقول: أعطني شيكا مصدقا وليس نقدا، إذا كان الناس يفضلون الشيك على النقد في الصفقات الكبيرة بالملايين فلا شك أنه في قوة القبض لمحتواه.

 

ولذلك هذا هو القول الصحيح في المسألة، القول الصحيح أن الشيك إذا كان مصدقا فهو في قوة القبض لمحتواه، وإلا فلا، وإذا كان الشيك مصدقا فهو قد أحيط بضمانات كبيرة، ولا نعرف أن أحدا من الناس سحب له شيك مصدق ولم يستطع الحصول على حقه، اللهم إلا إذا كان لها إشكالات خارجة عن الطبيعة القانونية للشيك، منها مثلا التزوير أو السرقة أو نحو ذلك، أما أنه يحرر له شيك مصدق ثم لا يحصل على قيمة هذا الشيك، فهذا بعيد جدا.

 

ولهذا فإن الشيك المصدق في قوة القبض لمحتواه، بل إن الناس يفضلونه على النقد في الصفقات الكبيرة، وهذا دليل كامل على أن الشيك المصدق في قوة القبض لمحتواه.

 

وأما قولهم - قول أصحاب القول الثاني - أنه لو ضاع لأمكن لصاحبه أن يرجع على البنك، فنقول: إن طبيعة الشيك هكذا؛ لأن طبيعة الشيك هي أن اسم المستفيد يحرر فيه، وبالتالي لا يستطيع أن يصرفه إلا صاحبه، وإذا ضاع فيمكن الرجوع إلى البنك أولا لإيقافه وصرف بدله، يعني فيمكن للمستفيد من هذا الشيك أن يذهب للبنك ولا يضيع حقه بهذا، لا يضيع حقه، فنقول: طبيعة الشيك تقتضي هذا، بينما الأوراق النقدية هي لحاملها.

 

ولهذا لو أن الشيك كتب لحامله، فإذا ضاع فيضيع على صاحبه، يضيع على المستفيد، على حامله، وهذا يعني لا مانع منه نظاما، لكن الناس لا يستعملونه، لو كتب: ادفعوا لأمر حامل هذا الشيك، هذا نظام لا مانع منه، وإن كان غير شائع، فهو في الحقيقة يضيع على حامله، فنقول: طبيعة الأوراق النقدية أنها لحاملها، وطبيعة الشيك أنه يكتب فيه اسم المستفيد، وهذا غير مؤثر في الحكم.

ولهذا نقول - بناء على هذا: أنه يجوز أن يشترى الذهب والفضة بالشيك إذا كان مصدقا، ولا يجوز إذا كان الشيك غير مصدق.

ولكن هنا أنبه إلى مسألة، وهي أنه في بعض الدول تحاط الشيكات غير المصدقة بحماية كبيرة جدا، بحيث تكون في قوة الشيكات المصدقة، وهنا ربما يقال: إنه في تلك الدول تكون الشيكات كلها سواء كانت مصدقة أو غير مصدقة في قوة القبض لمحتواها، وأما عندنا هنا في المملكة فلا زال الشيك غير مصدق وإن كان قد أحيط بحماية صارمة من الناحية النظرية، ولكن الإشكالية في الناحية التطبيقية والتنفيذية.

ولهذا مثلا في سنة من السنوات بلغت قيمة الشكاوى المقدمة للغرفة التجارية بالرياض للشيكات بدون رصيد أكثر من مليار ومائتي مليون، فكيف نقول: إن الشيك غير المصدق في قوة القبض لمحتواه؟ إذا كانت الشيكات غير المصدقة بدون رصيد في سنة واحدة فقط بلغت أكثر من مليار ومائتي مليون، هذا في الحقيقة يزعزع الثقة في الشيك غير المصدق.

والإشكال عندنا هنا كما ذكرت في الناحية التنفيذية، فمع كثرة الشيكات غير المصدقة لا نسمع بأن أحدا قد طبقت عليه العقوبة، لكن في بعض الدول هناك حماية صارمة للشيكات، فربما في تلك الدول يقال بأن الشيك سواء كان مصدقا أو غير مصدق في قوة القبض لمحتواه، بل ربما عندنا هنا في المملكة ربما يتحسن الوضع وتوفر حماية كبيرة للشيكات، وتصبح الشيكات المصدقة والغير مصدقة في قوة القبض لمحتواها، لكن أتكلم عن وضع الشيكات الآن هنا في الوقت الحاضر.

 

http://www.taimiah.org              المصدر: