مشروعية السوق المالية
أ. د. محمد عبد الغفار الشريف
مقدمة تعريفية
الحمد لله الذي أمر عباده المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: "يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون"، والصلاة والسلام على من بعثه الله رحمة للعالمين، فبيّن شرائع الحق، ومعالم الحلال والحرام، وبعد:
فإن الله - تعالى -أنزل آدم (- عليه الصلاة والسلام -) إلى الأرض ليكون خليفته فقال: "إني جاعلٌ في الأرض خليفة" (البقرة: 30). والاستخلاف في الأرض يعني تعميرها وتطبيق شرع الله فيها. وقد أرشد ربنا بني آدم إلى ذلك في كتابه الكريم فقال: "هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور" (الملك: 15).
وتعمير الأرض يحتاج إلى الصناعة والزراعة والتجارة والتعليم، والصناعة والزراعة يحتاجان إلى التجارة كما تحتاج هي إليهما، والكل بحاجة إلى العلم لينير لهم الطريق المستقيم.
ومعاملات الناس فيما بينهم تختلف شكلاً وصورة؛ فهي سهلة ميسرة في المجتمعات البدائية، معقدة ومتعددة في المجتمعات الراقية، وكذلك الأمر بالنسبة للأسواق. فقد جاء في الموسوعة العربية الميسرة:
سوق: قبل أن تنتشر وسائل النقل، ويتطور تسويق البضائع لم تكن فرص التعامل في الأسواق مواتية إلا في الأعياد والاجتماعات الدينية، حين يجتمع الناس من مختلف البلدان والأقطار، وعُرف عند العرب سوق عكاظ، كما كانت الأسواق معروفة عند اليونان والرومان، وفي أوروبا إبان القرون الوسطى، ولا سيما القرنين 13، و14م، ثم تقلصت هذه الأسواق وزالت مع سهولة المواصلات وانتشار المتاجر، ولم يبق منها في أوروبا إلا القليل، مثل سوق ليبزج ونزني نفجورد. وفي أمريكا سوق قي كونكتيكت، وهي من نوع خاص للمنتجات الزراعية والمنزلية التي ينتخبها محكمون..
وهو أيضاً المكان الذي يلتقي فيه البائعون والمشترون لسلعة معين.
غير أن وحدة المكان ليست شرطًا أساسيًا لقيام السوق.ويكفي وجود صلة فيما بين البائعين والمشترين، بحيث يكون الثمن الذي يقتضيه أو يدفعه أحدهم، يؤثر في الثمن الذي يقتضيه أو يدفعه الآخرون، وقد تتحقق هذه الصلة بالبرق أو بالبريد أو بأية طريقة أخرى.
ولكل سلعة سوق، فإذا كانت السلعة متماثلة الوحدات، نشأت السوق المنظمة التي تعرف بالبورصة، كذلك توجد سوق للنقود تجمع بين المقرضين، فإذا كان القرض لأجل قصير لا يتجاوز عادة مدة سنة، سُميت بالسوق النقدية، وتتداول فيها الأوراق التجارية، مثل الكمبيالات والسندات الإذنية. فإذا كان القرض لأجل يتجاوز السنة، سميت بالسوق المالية، وتتداول فيها الأوراق المالية، مثل الأسهم والسندات. ويوجد أيضًا ما يسمى أحيانًا بسوق العمل حيث يتلاقى عرض وطلب عمل معين..
والذي يهمنا ـ هنا ـ السوق المالية، أو ما يُسمَّى بسوق الأوراق المالية، أو بورصة الأوراق المالية. وقد اشتقت كلمة "بورصة" من:
أ ـ فندق في بروج ببلجيكا، كانت تزين واجهته شعار عملة عليها ثلاثة أكياس، كان يجتمع فيه عملاء مصرفيون ووسطاء ماليون لتصريف أعمالهم.
ب ـ أو من أحد صيارفة مدينة "بروج" اسمه: فان ديير بورسيه كان تجار المدينة يجتمعون في قصره. وكان شعار أسرته ثلاثة أكياس من الذهب.
وجاء في المعجم الوسيط 1/49: البرصة: المصفق، وهي سوق يعقد فيها صفقات القطن والأوراق المالية - وجمعها وفق هذا المذهب - براص.
بينما جاء في المعجم الكبير 2/667: البورصة: سوق مستمرة منتظمة، تقوم على أساس تلاقي العرض والطلب… إلخ. وفضلنا استخدام لفظ "البورصة"؛ لأنه المتداول.
أولاً البورصة نشأتها وأعمالها
البورصة: سوق يتم فيها التعامل على سلعة معينة، أو على أوراق مالية. فبورصة القطن يلتقي فيها باعة القطن ومشتروه. وبورصة الأوراق المالية يلتقي فيها بائعو الأسهم والسندات ومشتروها.
ولا تتمتع السلع ببورصة خاصة بها إلا إذا كانت متماثلة الوحدات. ولكن توجد بورصة للقطن أو القمح أو النحاس؛ لأنها ذات رتب متفق عليها عالميًا. وهناك بورصة للبضاعة الحاضرة؛ حيث يتم تسليم السلعة وتسلمها بعد عقد الصفقة. وبورصة العقود حيث يكون التعامل على سلعة غير موجودة حاليًا، ولكنها توجد مستقبلاً.
وقد عرفها قانون التجارة الفرنسي (مادة: 71) بأنها مجتمع التجار وأرباب السفن والسماسرة والوكلاء بالعمولة تحت رعاية الحكومة، وهي من النظم الاقتصادية اللازمة لكل دولة متمدنة، إذ هي للتجار بمثابة مقياس الحرارة، ينبئ بالأسعار ومقدار المطلوب والمعروض، ويمكن بواسطتها جس نبض السوق، والاحتراس من الوقوع في الأزمات.
ويرجع تاريخ نشأة هذه الأسواق إلى الرومان الذين كانوا أول من عرف الأسواق المالية في القرن الخامس قبل الميلاد. وفي العصور الوسطى اعتبرت كل من بروج وأنفير وليون وأمستردام ولندن من المراكز المالية المهمة، حيث قامت فيها "البورصات" إلى جانب الأسواق التجارية، وتم التبادل فيها على السلع والنقود والحوالات وأسهم الشركات التجارية.
وظهرت أول قائمة لأسعار الأسهم في أنفير في عام 1592، وبعدها على التوالي في كل من أمستردام بين الساعة الثانية عشرة والثانية بعد الظهر؛ حيث صار آلاف المتعاملين لعرض آخر أسعار أسهم شركة الهند الشرقية. ثم جاء دور باريس كمركز لبيع وشراء الأوراق المالية في القرن التاسع عشر. وقد احتلت لندن الدور المالي الأول في العالم. ولكن بين الحربين الاستعماريتين العالميتين تقلصت أهمية لندن، وإن كان ما زال مركز لندن المالي يحتفظ بفعاليته.
ثم نمت وول ستريت (بورصة نيويورك)، ورغم أن أزمة الكساد الكبير التي اجتاحت الولايات المتحدة ومن بعدها العالم عام 1929 أثرت على العديد من المصارف والشركات، فإن السوق الأمريكية سرعان ما عرفت الثقة والاطمئنان ثم التوسع، نتيجة الدور المتعاظم للدولار الأمريكي.
ومما لا ينكر أن هذه السوق ساهمت في نقل اقتصاد الدول الكبرى من المرحلة البدائية والزراعية إلى المرحلة الصناعية.
ثانياً - الأوراق المالية
تجدر الإشارة إلى أن الأوراق المالية تختلف عن الأوراق التجارية؛ إذ إن الأخيرة تعتبر صكوكًا تمثل نقودًا، وتقوم مقامها في وفاء الديون بسبب سهولة تداولها بطريقة التظهير والمناولة، وهي واجبة الدفع في وقت معين، وتطلق على الكمبيالة والسند الإذني والشيك، لأنه يغلب استعمال هذه الأوراق في محيط التجارة، وهذه التسمية من شأنها أن تميزها عن الأوراق المالية كالأسهم والسندات. ويمكن حصر الأوراق المالية التي يجري التعامل بها في السوق المالية بم يلي:
أ- السندات:
التعريف اللغوي: السندات جمع سند، والسند في اللغة ما قابلك من الجبل، وعلا من السفح ومعتمد الإنسان، وضرب من البرود.
التعريف الاصطلاحي: ونقصد به اصطلاح الاقتصاديين، وهو المستعمل في سوق الأوراق المالية. وهو: صك قابل للتداول يمثل قرضًا يعقد عادة بوساطة الاكتتاب العام، وتصدره الشركات أو الحكومة وفروعها، يعتبر حامل سند الشركة دائنًا للشركة، ولا يعد شريكًا فيها، على خلاف حامل السهم. ويعطى حملة السندات فائدة ثابتة سنوياً ولهم الحق في استيفاء قيمتها عند حلول أجل معين.
خصائص السندات: وللسندات خصائص مميزة لها، وهي:
(أ) يمثل السند دينًا على الشركة، فإذا أفلست أو قامت بأعمال تضعف التأمينات الخاصة الممنوحة من قبلها لحملة السند، سقط أجل الدين، واشترك حامل السند مع باقي الدائنين للشركة في استيفاء حقوقهم.
(ب) يستوفي حامل السند فائدة ثابتة، سواء ربحت الشركة أم خسرت، ويجوز أن يشترط حامل السند نسبة مئوية في الأرباح، ولا يعتبر مساهمًا، لأنه لا يحق له التدخل قي إدارة الشركة.
(جـ) لحامل السند حق الأولوية في استيفاء قيمة السند عند التصفية قبل السهم.
(د) لا يشترك حامل السند في الجمعيات العامة للمساهمين، ولا يكون لقراراتها أي تأثير بالنسبة له؛ إذ لا يجوز للجمعية أن تعدل التعاقد، ولا أن تغير ميعاد استحقاق الفوائد.
(هـ) يكون السند طويل الأجل.
(و) يكون السند قابلاً للتداول كالسهم.
(ز) قرض السندات قرض جماعي. ؛ فالشركة تتعاقد مع مجموع المقرضين، لأن القرض مبلغ إجمالي، مقسم إلى أجزاء متساوية، هي السندات.
حقوق حامل السند: لحامل السند حقان أساسيان:
(أ) الحصول على فائدة قانونية ثابتة في مواعيدها المتفق عليها، سواء ربحت الشركة أو خسرت.
(ب) استيفاء قيمة السند في الأجل المضروب. وقد يكون ذلك عن طريق الاستهلاك بالقرعة. وما عدا ذلك فله حقوق الدائن تجاه مدينه، وفقًا للأحكام القانونية.
طريقة إصدار السندات:
الإصدار هو العملية التي تمكن الشركة من طرح سنداتها على الجمهور، ويتم ذلك بطريق الاكتتاب العام، ويكون عادة بواسطة البنوك، وتعلن الشركة كل المعلومات المتعلقة بالسندات، وأهمها الوفاء بالمبلغ الذي تعهدت به، ومقدار الفائدة القانونية.
أنواع السندات: أنواع السندات خمسة، هي:
(أ) السند المستحق الوفاء بعلاوة إصدار: وهو السند الذي تصدره الشركة بمبلغ معين يسمى "سعر الإصدار"، ولكنها تتعهد برد المبلغ في ميعاد الوفاء بسعر أعلى، مضافاً إليه علاوة تسمى "علاوة إصدار" فمثلاً تصدر الشركة سعر الإصدار بمبلغ (50) وحدة نقدية (دينار / ريال / جنيه / دولار)، ولكنها توقعه بمبلغ (60) وحدة نقدية أي بعلاوة إصدار قدرها عشر وحدات نقدية
(ب) سند القبض: وهو السند الذي يصدر بقيمة اسمية وحقيقية، أي تستوفي الشركة القيمة المعينة في السند، وتحدد لصاحبه فائدة ثابتة بتاريخ استحقاق معين، ولكنها تجري القرعة في كل عام لإخراج عدد من السندات، وتدفع لأصحابها مع قيمتها مكافأة، وتجري قرعة لتعيين السندات التي تستهلك بدون فائدة، وهذا السند نوع من أنواع اليانصيب. وقد منعت القوانين إصدار هذه الأنواع إلا بقانون خاص، أو بإذن من الحكومة.
(جـ) سند النصيب بدون فائدة: وهو السند الذي يسترد حامله رأس ماله في حالة الخسارة، بخلاف سند النصيب ذي الفائدة (النوع الثاني)، فإنه لا يسترد حامله شيئًا قي حالة الخسارة.
(د) السند ذو الاستحقاق الثابت الصادر بسعر الإصدار: وهو السند العادي، إلا أن مدته تكون عادة قصيرة، ويعطى فائدة مرتفعة.
(هـ) السند المضمون: وهو السند الذي تقدم الشركة ضمانًا عينيًا للوفاء به، بأن ترهن عقاراتها في مقابل السندات المضمونة، أو ترهن عقاراً أو مالاً عينيًا لكل سند، وتلجأ الشركة إلى إصدار مثل هذه السندات إذا كانت بحاجة إلى اجتذاب رجال المال لإقراضها بالنقد، لكي تتلافى سوء أحوالها المادية، ويعرف هذا النوع في إنجلترا باسم "السندات العادية".
هذه هي أنواع السندات من حيث حقوق أصحابها، ولكنها قد تتنوع من ناحية الشكل إلى:
(أ) سند لحامله: لا يذكر عليه اسم الدائن، ويتعهد محرره بدفع مبلغ معين من النقود في تاريخ معين، أو بمجرد الاطلاع، لمن يحمل هذا السند.
(ب) السند الإسمي: يذكر فيه اسم الدائن، ويكون شأنه شأن الأسهم الاسمية.
ب- الأسهم:
التعريف اللغوي: الأسهم جمع سهم، والسهم في اللغة: النصيب، وجمعه سٌهمان وسهمة وأسهم وسهام. والقدح يضرب فيه بالمسير، وقال ابن الأثير: وهو الأصل فيه. وجمعه سهام. وواحد النبل، وجمعه أسهم وسهام. ومقياس تمسح به الأرض، وحجر يجعل على باب البيت، يُبنى ليُصطاد فيه الأسد، وجائز البيت أي: جسره.
التعريف الاصطلاحي: السهم هو النصيب الذي يشترك به المساهم في رأس مال الشركة، ويتمثل السهم في صك يُعطى للمساهم، يكون وسيلة لإثبات حقوقه في الشركة. وهناك تعريفات أخرى مقاربة.
خصائص الأسهم:
للأسهم خصائص تتميز بها، نجملها فيما يلي:
(أ) تتساوى قيمة الأسهم حسبما يحددها القانون، والحكمة من تساويها تسهيل تقدير الأغلبية في الجمعية العمومية، وتسهيل عملية توزيع الأرباح على المساهمين، وتنظيم سعر الأسهم في البورصة.
(ب) تساوي قيمة الأسهم يقتضي تساوي الحقوق بين المساهمين، إلا أن بعض القوانين تجيز إصدار أسهم ممتازة بقرار من الهيئة العامة غير العادية، تمنح أصحابها حق الأولوية في الأرباح، أو في أموال الشركة عند تصفيتها، أو كليهما، أو أية ميزة أخرى.
(جـ) تكون مسئولية الشركاء بحسب قيمة السهم، فلا يسأل عن ديون الشركة إلا بمقدار أسهمه التي يملكها.
(د) عدم قابلية السهم للتجزئة، فإذا مات الشريك أصبحت ملكية السهم مشاعة بين الورثة، ويختارون ممثلاً عنهم في الجمعية العمومية للمساهمين، لكي يباشر الحقوق المتصلة بالأسهم.
(هـ) قابلية الأسهم للتداول. وهي أهم خصيصة للسهم، فإذا نص على خلاف ذلك فقدت الشركة صفة المساهمة.
حقوق السهم أو المساهم:
يعطي متملك السهم حقوقًا أساسية للمساهم أهمها صفته شريكًا، فلا يجوز حرمانه منها، أو المساس بها. وتتلخص فيما يلي:
(أ) حق البقاء في الشركة، فلا يجوز فصل أي مساهم من الشركة؛ لأن المساهم متملك في الشركة، ولا يجوز نزع ملكيته إلا برضاه. وذلك فيما عدا حالة التأميم، التي تنتزع فيها الملكية الخاصة وتتحول إلى ملكية عامة.
(ب) حق التصويت في الجمعية العمومية، وهو سبيل المساهم إلى الاشتراك في إدارة الشركة، وهو حق يجوز له التنازل عنه لغيره، ولكل سهم صوت، إلا إذا كان لسهم امتياز أن يكون متعدد الأصوات.
(جـ) حق الرقابة على أعمال الشركة، وهو لكل مساهم، وذلك لمراجعة ميزانية الشركة وحساب الأرباح والخسائر وتقارير مجلس الإدارة، ولكل ما يتعلق بأمور الشركة قبل انعقاد الجمعية العمومية. ويكون ذلك بإذن من الجمعية، أو بقرار من المحكمة، حتى لا تفشو أسرار الشركة، وله أن يستجوب الأعضاء في الجمعية العمومية عمَّا يريده من شئون الشركة.
(د) حق رفع دعوى المسئولية على المديرين بسبب أخطائهم في الإدارة.
(هـ) الحق في نصيب من الأرباح والاحتياطات؛ وذلك لأن المساهم يقدم حصته في رأس المال من أجل الربح، فلا يصح حرمانه من هذا الحق عند توزيع الأرباح المحققة، وكذلك له الحق في الاحتياطي المتكون من الاقتطاعات من الأرباح.
(و) الأولوية في الاكتتاب: وذلك إذا قررت الشركة زيادة في رأس المال، فإن الأولوية في الاكتتاب تكون للمساهمين القدامى؛ لأنهم أولى بالأموال الاحتياطية وموجودات الشركة، فيعطي لهم الحق في المساهمة في زيادة رأس المال خلال مدة معينة، ثم يباح للمساهمين الجدد بعد ذلك.
(ز) حق التنازل عن السهم: فللمساهم أن يتصرف في البيع أو الهبة أو غيرهما، ويعد باطلاً كل شرط يحرم المساهم من هذا الحق.
(ح) حق اقتسام موجودات الشركة عند حلها: وذلك لأنه عضو في الشركة قد قدم حصته في رأس المال، فإذا صفيت الشركة كان له حقه متعلقًا بموجوداتها، لأنه نمَّى رأس المال.
ويظهر مما مضى، الفرق بين السند والسهم في النقاط التالية:
(أ) ليس لحامل السند أن يتدخل في شئون الهيئة العامة للمساهمين، بينما ذلك من حق صاحب السهم، وليس لصاحب السند حق التصويت والرقابة على الإدارة، خلافًا لصاحب السهم.
(ب) حق حامل السهم في الربح، والربح متغير، بينما حق صاحب السند في فائدة ثابتة لا تتغير.
(جـ) تستوفي قيمة السند في الوقت المحدد للوفاء، أما السهم فلا تستوفي قيمته إلا عند التصفية، أو استهلاك السهم، أو التأمين.
(د) تنقطع صلة حامل السند في الشركة عند استيفاء قيمة السند، أما حامل السهم فتبقى صلته بالشركة قائمة إذا استهلك سهمه، ويبقى له حق المساهمة في الربح والاشتراك في الجمعية العامة.
أنواع الأسهم:
تنقسم الأسهم إلى أنواع مختلفة بحسب طبيعة كل نوع:
(أ) من حيث الحصة التي يدفعها الشريك تنقسم إلى:
* نقدية، وهي التي تُدفع نقدًا.
* عينية، وهي التي تُدفع من غير النقد.
(ب) من حيث الشكل تنقسم إلى:
* أسهم اسمية: وهي التي تحمل اسم المساهم وتثبت ملكيته له.
* أسهم لحاملها: وهي التي لا تحمل اسم حاملها، ويعتبر حامل السهم هو المالك في نظر الشركة، وقد قضت القوانين التجارية العربية أن تكون جميع الأسهم اسمية، ولا يجوز أن تكون أسهمًا لحاملها.
* أسهم للأمر: وهي عبارة عن أسهم تتضمن (للأمر)، فيكون السهم حين إذ قابلاً للتظهير كسائر السندات التي تحمل شرط الأمر.
(جـ) من حيث الحقوق التي تعطيها لصاحبها تنقسم إلى قسمين:
* أسهم عادية: وهي التي تتساوى في قيمتها وتخول المساهمين حقوقًا متساوية.
* أسهم ممتازة: وهي الأسهم التي تختص بالمزايا لا تتمتع بها الأسهم العادية، وذلك أن الشركة قد ترغب في زيادة رأس مالها، فتعطي الأسهم الجديدة امتيازات لا تتمتع بها الأسهم القديمة، لتشويق الجمهور للاكتتاب بها.
ومن هذه المزايا: حق الأولوية في الحصول على الأرباح، كأن تختص الأسهم الممتازة بحصة في الأرباح لا تقل عن خمسة في المائة من قيمتها، وتوزع باقي الأرباح على الأسهم جميعًا بالتساوي أو استيفاء فائدة سنوية ثابتة، سواء ربحت الشركة أم خسرت ومنها حق استعادة قيمة الأسهم بكاملها عند تصفية الشركة قبل إجرائها بين سائر المساهمين، ومنها أن يكون للسهم الممتاز أكثر من صوت واحد في الجمعية العمومية.
(د) وتنقسم الأسهم من حيث إرجاعها إلى صاحبها أو عدم إرجعاها إلى قسمين:
* أسهم رأس المال: وهي الأسهم التي لم تستهلك قيمتها.
* أسهم تمتع: وهي الأسهم التي استهلكت قيمتها، بأن ردت قيمت السهم إلى المساهم قبل انقضاء الشركة، وهو معنى الاستهلاك، ويكون الاستهلاك بطرق متعددة.
(جـ) حصص التأسيس:
صكوك تعطي حاملها حقوقًا في أرباح الشركة دون أن تمثل حصة في رأس المال وتمنح حصص تأسيس مكافأة على خدمات أداها المؤسسون للشركة، ومن هنا جاءت تسميتها. وقد تمنح لغير المؤسسين وتُسمى عندئذٍ حصص الأرباح. وقد أعطت بعض التشريعات الحرية في إنشاء هذه الحصص لمكافأة المجهودات التي بذلت في تأسيس الشركة، أو الخدمات التي قدمت لهذا الغرض.
وليست للحصص التأسيس قيمة اسمية وإنما يحدد نصيبها في الأرباح، ولذلك لا تدخل في حساب رأس المال، ولا يكون لأصحابها نصيب في فائض التصفية عن حل الشركة. وهي لا تخول صاحبها التدخل بأي وجه في إدارة الشركة وتكون هذه الصكوك اسمية عند نشأتها لمدة سنتين من تأسيس الشركة، وقد يتغير شكلها بعد ذلك، فتصبح لحاملها، وهي قابلة للتداول بالطرق التجارية بعد سنتين على الأقل.
ثالثاً - الأحكام الشرعية لهذه الأوراق
أ ـ السندات:
التكييف الفقهي للسندات: من تعريف السند عند الاقتصاديين يتبين: أنه إثبات خطي بدين ثابت لشخص في ذمة شخص آخر.
وهذه المسألة لا حرج فيها شرعًا، بل هي مطلوبة بنص القرآن الكريم، قال - تعالى -: "يأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه" (البقرة: 282) قال القرطبي - رحمه الله -: "ذهب بعض الناس إلى أن كتابة الديون واجب على أربابها، فرض بهذه الآية، بيعاً كان أو قرضاً، لئلا يقع فيها نسيان أو جحود، وهو اختيار الطبري. وقال ابن جريج: من أدان فليكتب، ومن باع فليُشهد. وقال الشعبي: كانوا يرون أن قوله: "فإن أمن" (البقرة: 282) ناسخ لأمره بالكتب، وحكى نحوه ابن جريج، وقاله ابن زيد، وروي عن أبي سعيد الخدري. وذهب الربيع إلى أن ذلك واجب بهذه الألفاظ، ثم خففه الله - تعالى -بقوله: "فإن أمن بعضكم بعضا" (البقرة: 282).
وقال الجمهور: الأمر بالكتابة ندب إلى حفظ الأموال وإزالة الريب، وإذا كان الغريم تقيًا فما يضره الكتاب، وأن كان غير ذلك فالكتاب إثبات لدينه ولحاجة صاحب الحق. قال بعضهم: إن أشهدت فحزم، وإن ائتمنت ففي حل وسعة. قال بن عطية: وهذا هو القول الصحيح. ولا يترتب نسخ في هذا؛ لأن الله - تعالى -ندب إلى الكتاب فيما للمرء أن يهبه ويتركه بإجماع، فندبه إنما هو على جهة الحيطة للناس.
ولكن المحظور الشرعي يأتي من الفائدة التي يُعطاها أصحاب السندات، فهي زيادة في قيمة القرض مقابل الأجل وهي عين ربا النسيئة: وربا النسيئة محرم بالكتاب والسنة والإجماع.
ولا فرق بين أن تكون هذه الزيادة قليلة أو كثيرة، حيث قال ابن قدامة - رحمه الله - وكل قرض شرط فيه أن يزيده فهو حرام بغير خلاف.
قال ابن المنذر: أجمع على أن المسلف إذا شرط على المستسلف زيادة أو هدية، فأسلف على ذلك، إن أخذ الزيادة على ذلك ربا. وقد روي عن أبي بن كعب، وابن عباس، وابن مسعود أنهم نهوا عن قرض جر منفعة. ولأنه عقد إرفاق وقرضه، فإذا شرط فيه الزيادة أخرجه عن موضوعه، ولا فرق بين الزيادة في القدر أو في الصفة.
حكم التعامل بالسندات:
وأياً كان نوع السندات فهي محرمة ما دامت تصدر بفائدة ثابتة معينة؛ لذا لا يجوز إصدارها ولا تداولها، لقول رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -): "لعن الله آكل الربا، وموكله، وشاهديه، وقال: هم سواء". وعلى هذا جرت البنوك الإسلامية فهي لا تتعامل في السندات.
هذا هو الحكم الإجمالي في المسألة، وتحتاج المسألة إلى شيء من التفصيل بالنسبة لمن تورط في شيء من المعاملة في هذه السندات، وأراد التوبة والتخلص منها. فقد قال الله - تعالى -: "وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تُظلمون" (البقرة: 282). ففي هذه الحالة ليس لصاحب السند الحق إلا في رأس ماله، أما الفائدة فلا تحق له.
ويستطيع صاحب السند التخلص من سنده، بإحدى هذه الطرق:
(أ) إما أن ينتظر انقضاء مدة السند، دون أن يسعى إلى تجديده إذا طلبت الجهة المقترضة ذلك، وليس له أخذ الفائدة المترتبة على السند بل يتبرع بها إلى الجهات الخيرية ـ كما اختارت أكثر لجان الفتوى.
(ب) الصلح مع المقترض.
(جـ) وإذا قلنا: إن العقد صحيح والشرط فاسد ـ كما هو مذهب بعض الفقهاء، فلها أن يحيل بعض دائنيه على المقترض بالسعر الذي اشترى به السند، والله أعلم.
ولا يجوز التخلص من السند ببيعه لغيره؛ لأنه من بيع الدين لغير من هو عليه، وهو غير جائز عند جمهور الفقهاء، ولو قلنا بجواز بيع الدين لغير من هو عليه بشروطه، كمذهب من أجازه، فإنه لا يجوز في مسألة السندات، لما فيها من الربا، فندخل في عموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لعن الله آكل الربا، وموكله، وشاهده، وكاتبه" (السيوطي، الجامع الصغير).
زكاة السندات:
تزكى السندات زكاة الدين المرجو الأداء، بأن كان على موسر مقر بالدين وفي المسألة تفصيل ينظر في مظانِّه. أما الفائدة فلا زكاة عليها بل يتخلص منها كلها؛ لأنها لا تحل له.
ب ـ الأسهم:
التكييف الفقهي للأسهم: الأسهم عبارة عن حصة الشريك في رأس مال الشركة المساهمة، وشركة المساهمة عبارة عن شركة عنان باتفاق جمهور العلماء المعاصرين. وشركة العنان هي:
(أ) التعامل بالأسهم: وإصدار الأسهم وتداولها بالجملة جائز، بشرط خلوها مما يستوجب الحرمة. وقد قال الدكتور محمد يوسف موسى: "والغالب أن الشركات تقسم رأس مالها إلى أسهم، يكتتب فيها من يرد، وتكون أسهمه عرضة للخسارة أو الربح، تبعًا لنشاط الشركة، ولا ريب في جواز المساهمة في الشركات بملكية عدد من أسهمها، لتوفر الشروط الشرعية فيها؛ إذ إن لها حقها من الربح، وعليها نصيبها من الخسارة، فالربح يستحق تارة بالعمل، وتارة بالمال، ولا شيء من الربا وشبهته في هذه العملية".
ويمكن أن نستشهد بصحة تداول الأسهم بيعًا وشراء بقول النووي (- رحمه الله -) بالمجموع: "المال إما دين وإما عين، والعين ضربان: أمانة، ومضمون. فأما الأمانة: فيجوز للمالك بيع جميع الأمانات قبل قبضها؛ لأن الملك فيها تام، وهي كالوديعة في يد المودع ومال الشركة والقرض في يد الشريك والعامل. وهذا الكلام مجمل يحتاج إلى شي من التفصيل.
ونبدأ هذا التفصيل بالكلام على أنواع الأسهم:
أ - تقدم أن الأسهم تنقسم من حيث الحصة التي يدفعها الشريك إلى أسهم نقدية: وهي التي تدفع نقداً، وأسهم عينية: وهي التي تدفع أموالاً من غير نقد.
وقد أجمع الفقهاء على جواز الشركة بالأثمان المطلقة التي لا تتعين بتعيين في المعاوضات كالنقدين. وتعتبر العملة الرائجة، والأوراق النقدية في حكم النقدين. وعلى هذا فلا خلاف في إصدار السهم النقدي والتعامل به. واختلف العلماء في جواز الشركة بالعروض إذا قومت، فذهب المالكية إلى صحتها في العروض المقومة، وأما الشافعية فذهبوا إلى صحتها في المثليات من العروض. وعلى هذا يمكننا أن نحكم بصحة إصدار السهم العيني والتعامل به، اختيارًا لمذهب من قال به، وتيسيرًا على المسلمين في معاملاتهم، لا سيما الممانعين لم يستدلوا على المنع بدليل نقلي، والله أعلم.
ب - وتنقسم الأسهم من حيث الشكل إلى: أسهم اسمية: وهي التي تحمل اسم صاحبها، وأسهم لحاملها: وهي التي لا يذكر فيها اسم مالكها، ولكن يُذكر أنها للحامل؛ فيكون أي شخص يحمل هذا الصك هو المساهم في الشركة. وهناك أسهم للأمر: وهي التي يكتب عليها للأمر، وتتداول بطريقة تظهير.
فأما الأسهم الاسمية، فلا خلاف في جوازها؛ لأنها صكوك تحمل اسم صاحب الأسهم وتثبت ملكيته لها، وهذا هو الأصل في الشركة شرعًا.
ولا خلاف في عدم جواز إصدار الأسهم لحاملها، لجهالة الشريك، وذلك يفضي إلى النزاع والخصومة، كما يؤدي إلى إضاعة الحقوق. فإذا استولى عليها مغتصب أو ضاعت والتقطها إنسان آخر، فإن حاملها سيصير شريكًا في الشركة من غير وجه حق.
وبالنسبة للأسهم للأمر، فقد قال الدكتور عبد العزيز الخياط: "يفترق هذا النوع عن سابقه في أن الشريك يكون معروفًا في مبتدأ الاشتراك؛ إذ إن الشريك الأول صاحب السهم يكون مقيدًا لدى الشركة، وهو لا يحيل أسهم إلا إلى شخص آخر معروف لديه، ولا يعتبر الثاني مالكًا له ولو حمله، فيكون صاحب الأسهم معروفًا على كل حال، والتظهير نقل لملكية السهم إلى الشريك الثاني، أي يصبح الشريك الثاني مالكًا حقيقة للسهم، بدلاً من الأول، ويكون الأول متخليًا عن حقه قبل الشركة، بنقل ملكية السهم الثاني".
وهو نوع من انتقال الحصة إلى شريك آخر، وهذا جائز شرعًا سواء أكان بعوض كالبيع، أم بغير عوض كالهبة، ولا شيء فيه؛ لأن الجهالة منتفية بمعرفة الشريك، ولا يُفضي إلى منازعة أو ضرر، ولأن باقي الشركاء قد ارتضوا شركة الثاني بموافقتهم على نظام الشركة الذي يبيح ذلك، والمؤمنون عند شروطهم، ولا يمنع قلة تداول هذا النوع من الأسهم شرعية جوازه؛ إذ إنه في حقيقية نقل لملكية الأسهم وتنازل من الشريك الأول عما يمثله هذا السهم في أموال الشركة للشريك الثاني.
ج - وتنقسم الأسهم من حيث الحقوق إلى أسهم عادية: وهي التي تتساوى في قيمتها، وتخول أصحابها حقوقًا متساوية، وأسهم ممتازة: وهي الأسهم التي تختص بمزايا لا تتمتع بها الأسهم العادية، قد بيناها فيما سبق.
أما الأسهم العادية فليس في إباحتها أي تردد؛ لأن الأسهم إنما تمثل حصة الشريك في الشركة، وهذه الحصة هي التي تعطي صاحبها الحق في الربح وغيرها، وما دامت الأسهم متساوية في قيمتها الاسمية، فليس لأي سهم الحق في زيادة الربح.
وإصدار الأسهم الممتازة بجميع أنواعها لا يجوز؛ لأن فيها مخالفات لأصل الشركة في الشرع.
فأما إعطاء أصحاب الأسهم الممتازة حق الأولوية في الحصول على الأرباح، وذلك بأن يأخذوا 5% مثلاُ، ثم توزع الأرباح بعد ذلك على المساهمين، فغير جائز، ومخالف لأصل الشركة.
وأما أن يكون الامتياز بتقدير فائدة سنوية ثابتة لبعض الأسهم، فباطل شرعًا؛ لأن هذه الفائدة ربا، كما بينا في الكلام على السند.
وجاء في فتح القدير: ولا تجوز الشركة إذا شرط لأحد دراهم مسماة من الربح. قال ابن المنذر: لا خلاف في هذا لأحد من أهل العلم.
وكذلك منح بعض أصحاب الأسهم الممتازة حق استرجاع قيمة أسهمهم بكاملها عند تصفية الشركة، وقبل إجراء القسمة بين الشركاء، غير جائز شرعًا؛ لأن الشركة تقوم على المخاطرة، إما ربح وإما خسارة.
ومنح بعض الأسهم الممتازة أكثر من صوت في الجمعية العمومية غير جائز أيضًا؛ لأن المفروض تساوي الشركاء في الحقوق، ومنها التساوي في الأصوات بعدد الأسهم.
وبصفة عامة، طالما أن رأس مال الشركة يتجزأ إلى أسهم متساوية القيمة، فيجب أن تكون متساوية فيما لها من حقوق وما عليها من واجبات.
د - وتنقسم الأسهم من حيث إرجاعها إلى أصحابها أو عدم إرجاعها إلى أسهم رأس المال: وهي التي لم تستهلك قيمتها. وأسهم تمتع: وهي تستهلك قيمتها بأن ترد إلى المساهم قبل انقضاء الشركة.
فأما الأسهم الأولى فجائزة، ولا شيء فيها. وأما أسهم التمتع، فالاستهلاك فيها استهلاك صوري لا حقيقي، وذلك لأن الذي يأخذه المساهمون في مقابل أسهمهم، أو في مقابل أجزاء منها هو حقهم في الربح، وليس شيئًا آخر، فهم يأخذون حقوقهم، وما يُسمى بالاستهلاك لا وجود له في الحقيقة؛ لأن السهم يظل باقيًا على ملك صاحبه، وليس هناك طريق شرعية لاعتباره مبيعًا أو مسقطًا، فيبقى لأصحابه إلى أن تصفى الشركة، فيؤول إليه من موجودات الشركة عند التصفية، سواء قلت أم كثرت أم انعدمت، أو يهبه للدولة إن شرط في الشركة أنها تؤول إلى ملك الدولة، وهو ما يعرف بشركات الامتياز. فالحكم على الأسهم بالاستهلاك هو حكم قانوني لا شرعي، وكل ما يأخذه الشركاء من الربح فهو حقهم، سواء أخذوه في صورة ربح، أم في صورة ثمن للأجزاء المستهلكة للأسهم.
(ب) قيمة الأسهم:
من المعروف أن للسهم أربع قيم هي:
* القيمة الاسمية: وهي القيمة التي تكون مبينة في السهم، وذلك عندما يصدر السهم، فإنه يكون بالقيمة الاسمية، أي القيمة التي دفعت لامتلاكه ابتداء، وهذا ما يفرضه الشرع؛ إذ إن الصك الذي يثبت حصة الشريك قي رأس مال الشركة، يجب أن يكون مطابقًا للمبلغ الذي ساهم به الشريك حقيقة، خاصة أنه يترتب على مقدار قيمته حصة الشريك في الأرباح.
* القيمة الحقيقية: وهي النصيب الذي يستحقه السهم من صافي أموال الشركة من منقولاتها وعقاراتها. فهذه القيمة الحقيقية تختلف بعد ابتداء العمل في الشركة عن القيمة الاسمية، فقد تصبح القيمة الحقيقية أكبر أو أصغر من القيمة الاسمية، حسب ما تصادفه الشركة من نجاح أو فشل في أعمالها.
واعتبار القيمة الحقيقية أمر جائز شرعًا؛ لأنه إن صادفت الشركة نجاحًا وتوسعت ونمت أموالها وموجوداتها بالطرق المشروعة، يكون امتلاك مجموع المساهمين لهذه الزيادة من حقهم، وهو مقصودهم من الشركة. وإن صادفت الشركة خسارة في أعمالها فإن قواعد الشرع تقضي بأن يتحمل المساهمون الخسارة كما يأخذون الربح؛ ولذا تقل قيمة هذه الأسهم، بحسب حجم الخسارة.
* القيمة السوقية: وهي قيمة الأسهم عند عرضها للبيع، والقيمة السوقية تختلف عن القيمة الاسمية وذلك بحسب نجاح الشركة في أعمالها، وضخامة موجوداتها، وبحسب رأس مالها الاحتياطي، وبحسب الظروف والأزمات المالية والسياسية، وبحسب الرغبة والإقبال على شرائها، أو عدم الرغبة والإحجام عنها. وهذا أمر جائز شرعًا، فللإنسان أن يبيع سلعته بأي سعر يشاء، دون أي قيد عليه، إلا إذا كانت السلعة من الربويات.
* القيمة الإصدارية: تلجأ الشركات في كثير من الأحيان إلى إصدار أسهم تباع بأقل من قيمتها الاسمية، وذلك كأن تكون قيمة السهم الاسمية 4 وحدات نقدية، فتصدره الشركة بقيمة 3 وحدات نقدية، وذلك بقصد زيادة رأس المال. وهذا أمر جائز شرعًا، لأنه في الغالب تكون قيمة السهم الإصدارية قريبة من القيمة السوقية للسهم، والله أعلم.
(جـ) بيع الأسهم قبل الوفاء بكامل ثمنها: وهذا الأمر جائز شرعًا؛ لأن المشتري بمجرد العقد، وانقطاع الخيارات صار مالكًا للسلعة، فجاز له التصرف فيها بما شاء، والله أعلم.
(د) زكاة الأسهم: إذا قامت الشركة بتزكية أموالها فلا يجب على المساهم إخراج زكاة أخرى عن أسهمه، منعًا للازدواج. أما إذا لم تقم الشركة بإخراج الزكاة فإنه يجب على مالك الأسهم تزكيتها على النحو التالي:
* إذا اتخذ أسهمه للمتاجرة بها بيعًا وشراءً، فالزكاة الواجبة فيها هي ربع العشر(2.5%) من القيمة السوقية يوم وجوب الزكاة، كسائر عروض التجارة.
* أما إذا اتخذ أسهمه للاستفادة من ريعها السنوي، فزكاتها كما يلي:
أ. إذا مكنه أن يعرف ـ عن طريق الشركة أو غيرها ـ مقدار ما يخص كل سهم من الموجودات الزكوية للشركة؛ فإنه يخرج زكاة ذلك المقدار بنسبة ربع العشر (2.5%).
ب. وإن لم يعرف فعليه أن يضم ريعه إلى سائر أمواله من حيث الحول والنصاب ويخرج منها ربع العشر (2.5%) وتبرأ ذمته بذلك.
جـ ـ حصص التأسيس:
أما حصص التأسيس فيمكننا أن نعتبرها تبرعًا ـ هبة ـ التزم بها أصحاب الشركة لأناس معينين، كنسبة مقتطعة من الربح سنويًا. وإن كان هذا المبلغ مجهولاً في وقت الوهب، فإنه آيل للعلم وقت القبض.
قال الإمام مالك: تصح هبة المجهول؛ لأنه تبرع فصح في المجهول، كالنذر والوصية.
ومع قولنا بجواز إصدار حصص التأسيس، فإنه لا يجوز التعامل بها بيعًا وشراءً قبل قبض المبلغ المخصص لها من الربح، لعدم ملك حاملها لمحتواها إلا بالقبض، فينطبق عليه قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تبع ما ليس عندك".
قال البهوتي: ولا يصح بيع العطاء قبل قبضه؛ لأن العطاء مغيب، فيكون من بيع الغرر، ولا يصح بيع رقعة به: أي بالعطاء، لأن المقصود بيع العطاء. وهذا هو مذهب جمهور الفقهاء. وكذلك لا تجب الزكاة في حصص التأسيس، لعدم كمال الملك فيها، والله أعلم.
رابعاً - أنواع عمليات أسواق الأوراق المالية
تنقسم عمليات أسواق الأوراق المالية إلى عمليات عاجلة وعمليات آجلة.
أ ـ العمليات العاجلة:
وهي العمليات التي يلتزم كل من المشتري والبائع بتنفيذ عقودها، وذلك بأن يسلم البائع الأوراق المالية، ويسلم المشتري ثمنها حالاً، أو خلال مدة وجيزة جدًّا: أي خلال 48 ساعة على الأكثر. وتجري العمليات في السوق العاجلة، على أية كمية من الأوراق المالية ولو ورقة واحدة. ويعمد المتعاملون في سوق الأوراق المالية، إلى التعامل العاجل لواحد من السببين التاليين أو لكليهما:
1 - للاحتفاظ بها، والاستفادة مما تدره عليهم من أرباح عند توزيع الأرباح، وغيرها من الحقوق المتعلقة بالأوراق المالية المشتراة.
2 - للمضاربة على ارتفاع أسعارها، فيعمدون إلى بيعها لدى تحسن أسعارها في السوق، مع ملاحظة أن أسعار الأوراق المالية في السوق العاجلة أقل ارتفاعًا من أسعارها في السوق الآجلة.
ب ـ العمليات الآجلة:
وهي العمليات التي يلتزم بموجبها كل من المشتري والبائع على تصفيتها في تاريخ مقبل معين، يجري فيه التسليم والتسلم. ما عدا حالات التأجيل التي يتفق فيها الطرفان على شروط تأجيلها وتعويضها. وتجري التصفية في كل شهر مرة واحدة، حيث تسوى الصفقات نهائيًا بين المتعاملين، ويتم دفع الثمن وتسلم الأوراق المالية ـ فعليًا ـ خلال عدة أيام من تاريخ التصفية. ويشترط في الأوراق التي تشملها عمليات السوق الآجلة، أن تكون موجودة بكثرة، وأن يكون تداولها مألوفًا بصورة دائمة، وأهم العمليات التي يجري بها التعامل في السوق الآجلة العمليات التالية:
1 - العمليات الباتَّة القطعية:
يُحدد تنفيذها بموعد ثابت يُسمَّى موعد التصفية، يلتزم المتعاقدون فيه بدفع الثمن، وتسلم الأوراق المالية موضوع الصفقة، ولا يمكنهم الرجوع عن تنفيذ العملية، إلا أنه للمتعاملين في العمليات الباتة تأجيل موعد التسوية النهائية حتى موعد تسوية لاحق، ويؤدي تنفيذ البيع البات، إلى خسارة أحد الطرفين المتعاملين ـ البائع أو المشتري ـ إلا إذا كان السعر يوم التصفية معادلاً لسعر البيع نفسه.
ويمكن أن يتضمن البيع البات ما يُسمَّى بشرط خيار التنازل عن الأجل، ويتمتع المشتري وحده بهذا الخيار، ويلجأ المشتري إلى استعمال هذا الخيار لإيقاف حركة هبوط السعر، فعندما يلاحظ اتجاه الأسعار نحو الهبوط، يُطلب من البائع تسليمه الأوراق المالية موضوع الصفقة قبل الموعد المتفق عليه، فيشتري البائع هذه الأوراق من السوق بالسعر العاجل، فيزيد من الطلب عليها، وبالتالي ترتفع أسعارها مرة أخرى، أو على الأقل تقف حركة الهبوط في سعر الورقة المالية المعينة، ولا يلزم مشتري الأوراق بالبيع، بل يمكنه تكليف وسيط، ببيع هذه الأوراق، ويسجل رصيد العملية إذا اقترنت بربح في رصيد دائن.
2 - العمليات الآجلة بشرط التعويض:
وهي العمليات التي يلتزم كل من البائع والمشتري بتصفيتها في تاريخ معين، على أنه يحق لأحد الطرفين عدم تنفيذ العملية، وذلك مقابل تخليه عن مبلغ من المال متفق عليه مسبقًا، كتعويض، أو يتنازل عن تنفيذ الصفقة، فيقال: إنه تنازل عن التعويض، وتنقسم العمليات الآجلة بشرط التعويض إلى:
(أ) العمليات الشرطية للمشتري:
ويكون الخيار فيها للمشتري بين استلام الصكوك وبين التخلي عن التعويض ويكون البائع ملزمًا بالقرار النهائي للمشتري، ويجب أن تتضمن أوامر السوق المتعلقة بالعمليات الآجلة شرط التعويض عناصر ثلاثة مهمة، وهي: السعر، ومقدار التعويض، وأجل التصفية.
(ب) العمليات الشرطية للبائع:
في هذا النوع من العمليات، يحق للبائع في يوم جواب الشرط تنفيذ الصفقة أو التنازع عن تنفيذها، مقابل دفع تعويض متفق عليه مسبقاً.
(جـ) البيع مع خيار الزيادة:
في هذا النوع من العمليات يحق لواحد من المتعاملين الاستزادة من (البيع والشراء) عند حلول الأجل المتفق عليه، ويتخذ شكلين:
1 - خيار الزيادة للمشتري.
2 - خيار الزيادة للبائع.
إذا كان حق الزيادة للمشتري (للبائع) فيمكنه طلب تسلم (تسليم) ضعف الأوراق المشتراة (المبيعة) أو أكثر، ويعتبر الشراء (البيع) باتًا في الكمية المتفق عليها مسبقًا، واختياريًا بالنسبة للكميات الزائدة، وتكون أسعار الأوراق المالية في هذه الحال أعلى (أدنى) من أسعارها في السوق الباتة.
والمشترى (البائع) يوازن بين الأسعار الباتة، والأسعار الآجلة بشرط الزيادة، وأسعار السوق في موعد التصفية، محاولاً معرفة إمكانات الربح والخسارة.
(د) العمليات الآجلة بشرط الانتقاء:
للمتعاملين في سوق الأوراق المالية بموجب هذا الشرط الخيار في إبرام الصفقة في موعدها بصفتهم من المشترين أو البائعين لقيمة معينة من الأوراق المالية المتفق عليها مسبقًا. ولهذه العمليات سعران، وللمتعامل الخيار في الشراء بالسعر الأعلى، أو البيع بالسعر الأدنى. فالمتعاملون بهذه العمليات يعتقدون أنه سيحدث تغير كبير في أسعار الأوراق المالية ارتفاعًا أو هبوطًا، بينما يعتقد بائعو الأوراق المالية أن الأسعار لن يطرأ عليها تغير كبير، بل إن السوق ستبقى هادئة.
(هـ) المرابحة والوضيعة:
تتطلب تسوية صفقات سوق الأوراق المالية الناجمة عن إبرام العمليات الباتة، وجود أموال نقدية كبيرة في متناول يد المشتري، تخصص لإيفاء الدين المترتب على عقد الصفقة، كما يتطلب مجموعة من الأوراق المالية، وعدم التصرف فيها انتظارًا لتنفيذ العقد. ولأن هذا فيه إرهاق كبير للمتعاملين ـ من وجهة نظر سوق الأوراق المالية - فقد تضمنت أنظمة التعامل بالسوق نوعًا من العمليات الآجلة، فيه بعض التسهيلات حسب ما تتطلبه عمليات المضاربة، وأهم هذه العمليات عمليات المرابحة والوضيعة.
وبمقتضى هذه العمليات يجوز للمتعاملين في سوق الأوراق المالية، تأجيل موعد تسوية الصفقة حتى موعد التصفية اللاحق. ويحدث ذلك عندما يشعر المتعاملون في السوق بأنهم لن يستطيعوا تنفيذ الصفقة التي عقدوها، نظرًا لتطور الأسعار خلافًا لتقديراتهم.
(و) العمليات المركبة:
يلجأ المضاربون في سوق الأوراق المالية، إلى القيام بعمليات مركبة من العمليات التي سبق ذكرها، ولا حصر للعمليات المركبة نظريًا، ولكن أكثر العمليات المركبة تعاملاً بها هي العمليات الأربع:
شراء عاجل مقابل بيع بشرط التعويض (الخيار للمشتري).
شراء بات مقابل بيع بشرط التعويض.
شراء بشرط التعويض مقابل بيع بات.
شراء بشرط التعويض مقابل بيع بشرط التعويض.
الحكم الشرعي لهذه العمليات:
(أ) العمليات العاجلة:
وهي بصفة عامة - عملية بيع وشراء شرعيين، وينطبق عليها من حيث التفصيل الكلام المتقدم في بيع وشراء السندات والأسهم وحصص التأسيس.
(ب) العمليات الآجلة:
* في الغالب تتم العمليات الآجلة على سلع وهمية ـ غير موجودة عند البائع ـ وتكون عمليتا البيع والشراء صوريتين، حيث تباع الأوراق المالية، وتنتقل من يد إلى يد على الورق فقط، دون أن يكون لها وجود فعلي. فإن كان الأمر كذلك، فهذه المعاملة لا تجوز؛ لأنها من أنواع بيوع الغرر: أي أنها بيع معدوم. قال النووي: بيع المعدوم باطل بالإجماع، ونقل ابن المنذر، وغيره إجماع المسلمين على بطلان بيع الثمرة سنتين ونحو ذلك. ودليلهم نهي الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الغرر، ونهى الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الإنسان ما ليس عنده.
* كما أنه في الغالب أن يبيع المشتري لمشتر آخر أوراقه المالية قبل قبضها من البائع، وهذا الأمر وإن لم يجزه جمهور الفقهاء، فقد أجازه المالكية في غير الطعام، ومنعوه في الطعام بشروط.
فإن سلمت العمليات الآجلة من بيع المعدوم فإنها تحتاج إلى تفصيل كما يلي:
أ. العمليات الباتة القطعية:
وهي ـ كما بينا ـ تلك العمليات التي يحدد موعد تنفيذها بموعد ثابت، يُسمّى موعد التصفية، يلتزم المتعاقدون فيه بدفع الثمن وتسلم الأوراق المالية، إلا أن للمتعاقدين تأجيل موعد التصفية النهائية حتى موعد تصفية لاحق.
والبيع في هذه الصورة صحيح، إن كان التعامل يجري على أوراق مالية يجوز التعامل فيها ـ كما بينَّا سابقاً، ويملك المشتري المبيع، ويملك البائع الثمن، ويتم ملك المشتري للمبيع بمجرد عقد البيع الصحيح، ولا يتوقف على التقابض، وإن كان للتقابض أثره في الضمان.
وقد جاء في الموسوعة الفقهية: "ولا يمنع من انتقال الملك في المبيع أو الثمن كونهما ديونًا ثابتة في الذمة، إذا لم يكونا من الأعيان؛ لأن الديون تملك في الذمم، ولو لم تتعين، فإن التعيين أمر زائد عن أصل الملك. فقد يحصل مقارنًا له، وقد يتأخر عنه إلى أن يتم التسليم، كما لو اشترى مقدارًا معلومًا من كمية معينة من الأرز، فإن حصته من تلك الكمية لا تتعين إلا بعد التسليم، وكذلك الثمن في الذمة.
ويرى المالكية والحنابلة وغيرهما أنه يجوز أن يشترط تأجيل تسليم المعين إلى المدة التي يحددها المتعاقدان، واستدلوا بحديث جابر - رضي الله عنه - "أنه كان يسير على جمل قد أعيى، فضربه النبي - صلى الله عليه وسلم - فسار سيرًا لم يسر مثله، فقال: "أتعنيه".. فبعته، واستثنيت حملانه إلى أهلي.
أما الدين فلا خلاف في جواز تأجيله.
وهذه الأوراق عبارة عن ديون؛ لأنها لا تتعين بالتعيين، ولكن تحدد بالجنس والنوع ـ كأسهم من الشركة الفلانية… إلخ.
وفي حالة رغبة المتعاقدين في تأجيل موعد التصفية، يجب أن يكون ذلك مجانًا، فإن كان التأجيل في مقابلة زيادة من أحد الطرفين، فإنه لا يجوز، لأنه ربا، والله أعلم.
ب. العمليات الآجلة بشرط التعويض:
وهي ـ كما بينّا ـ العمليات التي يلتزم فيها المتعاقدون بتصفيتها في تاريخ محدد على أنه يحق لأحد الطرفين عدم تنفيذ العملية، وذلك مقابل تخليه عن بيع مبلغ من المال متفق عليه مسبقًا.
وهذه العملية إن كان الخيار فيها للمشتري فهي أشبه ما تكون ببيع العربون، وجمهور الفقهاء يرون عدم صحته للنهي الوارد فيه؛ ولأنه من أكل أموال الناس بالباطل، لأنه المشتري شرط للبائع شيئًا بغير عوض، فلم يصح، كما لو شرطه لأجنبي، وفيه غرر، لأنه بمنزله الخيار المجهول.
وذهب الحنابلة إلى صحة هذا النوع من البيوع، لما روي عن نافع بن الحارث أنه اشترى لعمر دار السجن من صفوان بن أمية، قال: فإن عمر رضي، وإلا فله كذا وكذا. قال الأثرم: قلت لأحمد: تذهب إليه؟ قال: أي شيء أقول.. هذا عمر - رضي الله عنه -، فهذا البيع تم تعليقه على موافقة عمر بن الخطاب على الشروط التي توصل إليها في مفاوضات الشراء.
أما إذا كان الخيار للبائع، فإذا لم يرغب في البيع دفع مبلغًا من المال للمشتري، فهو أشبه ما يكون باشتراط عقد هبة في عقد البيع، لأن المشتري لا حق له في مبلغ المال إلا إذا كان على وجه الهبة.
واشتراط عقد في عقد آخر لا يصح، لما ورد من حديث ابن مسعود قال: "نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صفقتين في صفقة".
ج. البيع مع خيار الزيادة:
وهو بيع يحق لكل من البائع والمشتري الاستزادة من البيع أو الشراء عند حلول الأجل، على سبيل التخيير للطرف الآخر. وهذه العملية مركبة من بيع، ووعد بالبيع (أو الشراء) عند إتمام الصفقة الأولى، مع علم الطرف الثاني بعدم إلزام هذا الوعد، فتكون عملية البيع صحيحة، وتكون الصفقة الأخرى إذا تمت عقد بيع جديد، لا علاقة له بالعقد الأول.
د. العمليات الآجلة بشرط الانتقاء:
يعطي فيها الخيار للمتعاقدين، بأن يختار كل منها في موعد التصفية أن يكون إما بائعًا أو مشتريًا، إنما هو نوع من المساومة، ثم إن تم في الموعد المحدد عقد البيع بين الطرفين على سعر معلوم وكمية معلومة، فتعتبر عملية البيع عملية شرعية ـ إذا كانت الأوراق المادية من النوع المباح التعامل بها.
هـ. المرابحة والوضيعة:
ويمكن توضيح الكلام النظري الذي سبق عن هذا النوع من المعاملة، بالمثال التالي: متعامل في سوق الأوراق المالية اشترى في 3 إبريل 50 سهمًا من شركة ما، بسعر 50 وحدة نقدية للسهم الواحد، مضاربًا على ارتفاع الأسعار حتى موعد التصفية القادم، فعندما يحين موعد التصفية هناك احتمالان:
الأول: ارتفاع الأسعار حسب تقديرات المشتري، كأن يبلغ سعر الورقة المالية 60 وحدة نقدية، وهنا سوف يعمد المشتري إلى تنفيذ الصفقة، ويكون ربحه من العملية 50× (60 50) = 500 وحدة نقدية.
الثاني: انخفاض الأسعار خلافًا لتقديرات المشتري، كأن يبلغ سعر الورقة المالية موضوع الصفقة 45 وحدة نقدية، فإذا نفذ المشتري العملية ستكون هناك خسارة محققة تبلغ 50 × (50 45) = 250 وحدة نقدية. فسيقرر المشتري تأجيل موعد التصفية حتى موعد التصفية اللاحق، في انتظار تحسن سعر الورقة المالية المعنية؛ لكي يتمكن المشتري من تأجيل وضيعته، فهو يبحث عن ممول يقبل بشراء الأسهم شراء باتًا في موعد التصفية، ويبيعها له ثانية بيعًا مؤجلاً حتى موعد التصفية المقبل، وذلك لقاء فائدة يدفعها المشتري للممول تُسمّضى فائدة التأجيل أو المراجعة، وتتم هذه العملية بناء على سعر للأوراق المالية تقدره لجنة السوق.
ويتضح من المثال السابق أن هذه العملية مركبة من عمليتين مستقلتين بعضهما عن بعض. هاتان العمليتان هما:
الأولى عملية بيع شرعي، اشترط فيه تأجيل تسليم السلعة والثمن إلى موعد محدد، وقد سبق الكلام عنها.
أما العملية الثانية منهما؛ فهي عكس بيع العينة.
قال في كشاف القناع: وعكس مسألة العينة، وهو أن يبيع السلعة أولاً بنقد يقبضه، ثم يشتريها من مشتريها بأكثر من الأول من جنسه نسيئة، وهي مثل العينة في الحكم. وذهب جمهور العلماء إلى حرمة العينة، لما ورد من النهي فيها، ولأنها ذريعة إلى الربا، والذريعة معتبرة في الشرع، بدليل منع القاتل من الإرث. وأجازها الشافعي، مع الكراهة.
أما العمليات المركبة فكلها لا تجوز؛ لأنها عبارة عن اشتراط صفقة في صفقة أخرى، وقد مر الكلام عنها، والله أعلم.