الجنرال بيتريوس أو إيران من سيفوز بالجولات القادمة؟

يوسف شلي

29- 4- 2008م

إن اختيار الجنرال الأمريكي ديفيد بيتريوس ليتولى منصب القائد العام الجديد للقيادة المركزية الأمريكية سيتيح لإدارة الرئيس جورج بوش إمكانية الاستمرار في السياسة الأمريكية المنتهجة حالياً، والدفاع عنها (الحرب الاستباقية)؛ خاصة ضد سياسات إيران وتدخلاتها في الشأن العراقي على الأقل حتى نهاية فترة رئاسة بوش في يناير 2009م، وربما حتى بعد ذلك.

كما يمنح هذا التعيين نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني قدراً كبيراً من حرية العمل والحراك لاستغلال خيار الهجوم الجوي ضد إيران خلال الأشهر الأخيرة للإدارة، وسيترأس الجنرال بيتريوس قيادة (Centcom) في أواخر الصيف أو أوائل الخريف وفقاً لتصريح وزير الدفاع روبرت جيتس.

وبالمناسبة كانت قدرة الإدارة الأمريكية على تهديد إيران وشن الهجوم عليها سواء في العلن أو خلف الكواليس قد تراجعت بشكل كبير في عام 2007م بعد معارضة القائد السابق لـ(Centcom) الأميرال وليام فالون لأي مغامرة جديدة ضد إيران غير محسوبة الجانب، والذي دفع دفعاً للاستقالة من منصبه تحت تأثير الضغوطات القوية من وزير الدفاع الأمريكي جيتس، وإدارة البيت الأبيض في الشهر الماضي.

وبالنسبة للبيت الأبيض أثبت الجنرال بيتريوس جدارته في قيادة الجيش الأمريكي في العراق، وخاصة بعد "النتائج الإيجابية" التي تحققت عندما فرض خطته من أجل استعادة الأمن في بغداد وضواحيها العام الماضي، وتحييد قوة وتأثير تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين في المناطق السنية وغيرها، وإعلانه الاستعداد التام للتعاون الوثيق مع البيت الأبيض بخصوص فرض المزيد من الأمن والاستقرار السياسي في العراق، ومحاصرة إيران، والتخطيط للهجوم عليها إذا سنحت الفرصة، وتسجيل معارضته تخفيض عدد القوات المسلحة، وإيقاع اللوم على إيران بسبب تحديها الوجود العسكري الأمريكي في العراق.

وفي هذا الشأن يتمتع الجنرال بيتريوس باحترام الكونغرس، ووسائل الإعلام الأمريكية؛ التي شهدت له بالكفاءة القيادية والميدانية، والمرونة في التعاطي مع مثل هذه التحديات التي تواجه أمريكا بعد كارثة الغزو، وهي الأمور التي جعلت منه الاختيار "المفضل" لدى إدارة البيت الأبيض ليحل محل الأميرال فالون، ولكن سبق للجنرال بيتريوس - وعلى نحو فعال - تولى العديد من صلاحيات القائد العام السابق في (Centcom) العام الماضي.

وبوصفه القائد الأعلى في العراق وهو ما يعني نظرياً وعسكرياً أنه تحت القيادة المباشرة لفالون في تسلسل القيادة العامة؛ غير أنه في الواقع الأمور لم تكن بهذا الوضوح، فالجنرال بيتريوس تجاهل - عن قصد - تسلسل القيادة العامة في الجيش، وتجاوز قيادة الأميرال فالون، حيث أنه تجاهل آراء فالون في قضايا الحرب والسلم، وأخذ القيادة والأوامر مباشرة من البيت الأبيض.

عملياً وواقعياً لعب الجنرال بيتريوس دور القائد في (Centcom) خصوصاً في قضايا العراق وإيران.

اشتبك الأميرال فالون مراراً وتكراراً مع توجهات الجنرال بيتريوس منذ بداية قيادته حول انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من العراق، حيث أعرب فالون عن اعتقاده أن على الولايات المتحدة أن تبدأ في سحب معظم قواتها من العراق، إلا أنه وجد معارضة شديدة من قبل الجنرال بيتريوس والبيت الأبيض، وبالتالي عدم قدرته التأثير على السياسة العسكرية الأمريكية في العراق والمنطقة على العموم.

وعكس السياسة المتبعة من طرف إدارة الرئيس بوش التصاعدية ضد إيران سعى الأميرال فالون حسب مصدر على دراية بأفكاره إلى محاولة التفاوض مع إيران من أجل التوصل إلى اتفاق بخصوص تأمين مرور آمن عبر مضيق هرمز، وهذا لتخفيف التوترات الناجمة عن الخلافات بين واشنطن وطهران، والتزامات كل واحدة منهما لتمكين السفن البحرية التجارية، وناقلات النفط العملاقة؛ من عبور المضيق بكل سهولة وأمان، ولكن هذه المفاوضات تتعارض بشكل جذري مع تركيز إدارة بوش جهودها لمواجهة إيران - مهما كان الثمن -، وفي المحصلة النهائية لم يكن البيت الأبيض مهتماً بها فتجاهلها.

وكشف الجنرال بيتريوس خلال شهادته أمام الكونغرس في 10 أبريل الماضي أنه - فعلياً - سبق له أن تولى بعض المهام التي يقوم بها عادة القائد العام في (Centcom) في علاقاته مع القادة العسكريين الكبار في المنطقة، وقال بيتريوس: "عملياً انتقلت إلى اثنين من دول الجوار في محاولة للحصول على معلومات حول الشبكات الإرهابية، والبلدان التي ينشطون ويتحركون فيها، ومصادر المقاتلين الأجانب".

وقد أفادت وكالة اسوشيتد برس (Associated Press) أن الجنرال بيتريوس قام برحلات خمس إلى دول الشرق الأوسط - الأردن، والكويت، والبحرين، وتركيا، والإمارات العربية المتحدة - منذ سبتمبر 2007م، إنها وظيفة الأميرال فالون بالدرجة الأولى، ولكن يبدو أن البيت الأبيض أراد الجنرال بيتريوس - لا فالون - للقيام بهذه البعثات "الحربية".

وقد أصبح من الواضح وبشكل متزايد أن الأميرال فالون لم يكن حقاً يسير الأمور في (centcom) كما يريد هو، وأن "فيتو" ما ضده كان يلوح به معارضيه في إدارة بوش وفقاً للمصدر، وكان شعور الأميرال فالون بالإحباط من الجنرال بيتريوس كبيراً جداً، واعتبره "السبب الرئيسي الذي دفعه للتنحي عن القيادة العسكرية مقارنة بالسياسة "الخاطئة" المنتهجة - حسبه - في الشرق الأوسط من طرف الإدارة الأمريكية.

الأميرال فالون وفي أكثر من موضع رفض القبول بخيار توجيه ضربة عسكرية إلى إيران، وأدى هذا الموقف إلى توترات خطيرة مع البيت الأبيض كما ورد ذكره في مجلة (Esquire magazine) في أوائل مارس، ومن الواضح أيضاً أن الأميرال قد أغضب نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني عندما أشار علناً وأمام الرأي العام ثلاث مرات بين سبتمبر وأواخر نوفمبر 2007م أنه تم استبعاد ضربة عسكرية ضد إيران من قبل واشنطن.

وبعد إعلان الأميرال فالون استقالته في 11 مارس أعقبه بعد أقل من أسبوع ولمدة 10 أيام رحلة لديك تشيني إلى الشرق الأوسط تحدث فيها صراحة نائب الرئيس عن الخيار العسكري ضد إيران، وهذا خلال زيارات قام بها إلى تركيا والمملكة العربية السعودية، ماذا يعني ذلك؟

أن تشيني شعر بحرية أكثر لممارسة التهديدات العسكرية ضد إيران بعد أن تم تحييد الأميرال فالون، واستبعاده من المسؤولية.

نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني، وخلال زيارته إلى منطقة الشرق الأوسط؛ طلب بقوة من الزعماء الأتراك دعماً سياسياً لا محدوداً في حالة توجيه الولايات المتحدة ضربة عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية، وهذا بعد لقائه نظرائه الأتراك في الأسابيع الماضية حسب مصدر قريب من تشيني أثناء اجتماعه في أنقرة.

وكان تشيني "عدوانياً للغاية" عندما طلب من رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، والرئيس عبد الله غول، وكذلك رئيس هيئة الأركان العامة التركية يسار بوكياكانيت؛ الوقوف بجانب واشنطن في حالة إقرار مثل هذا الهجوم.

وأشار تشيني إلى أن تركيا أضيفت في آخر لحظة إلى هذه الرحلة، مما يشير إلى أن قرار زيارة أنقرة ارتبطت باستقالة الأميرال فالون من منصبه، وبعد اجتماع بين تشيني وعبد الله بن عبد العزيز عاهل المملكة العربية السعودية خلال نفس الرحلة أطلعت مصادر سعودية وسائل الإعلام أن الملك عبد الله أبلغ تشيني أن حكومته تعارض أية ضربة عسكرية أمريكية ضد إيران، وهذا يعني أن تشيني طرح الخيار العسكري ضد إيران في الرياض أيضاً، يبدو أن واحداً من الأهداف الرئيسية لرحلة تشيني إلى المنطقة كان تمرير رسالة موجهة إلى إيران من أن خيار ضرب منشآتها النووية لا تزال حية، وقائمة في أي وقت.

وفي مقابلة مع ديك تشيني أثناء وجوده في أنقرة علقت مراسلة (اي بي سي) الإخبارية مارتا راداتز بالقول: "حيثما وجدت - أي تشيني - يفكر الناس في المنطقة أنك هنا من أجل التخطيط لعمل عسكري ما"، ويعلن ديك تشيني لمن يريد أن يسمع أن الهدف الرئيسي من رحلته في الواقع هو ضرب إيران، "حسناً أعتقد أنه الشيء المهم والوحيد الذي يجب أن نأخذه في الاعتبار لمصلحة الجميع"، مضيفاً: "إن الهدف من زيارتي هو أن هناك إجماع مع العديد من الأصدقاء والحلفاء في المنطقة على أن القنبلة النووية الإيرانية قد تزعزع جدياً استقرار المنطقة بأسرها".

وفي هذا الصدد أصبح الجنرال بيتريوس الناطق الرئيسي باسم الإدارة الأمريكية بحجة أن إيران مسؤولة بالدرجة الأولى عن المقاومة العسكرية الشيعية للاحتلال الأمريكي للعراق، وطور الجنرال بيتريوس وموظفيه فكرة في أوائل عام 2007م مفادها أن إيران كانت تستخدم ما يسمى بـ"المجموعات الخاصة" من المقاتلين التابعين لميليشيات جيش المهدي بقيادة زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر على شن حرب بالوكالة ضد القوات الأمريكية.

وفي شهادته أمام لجان الكونغرس هذا الشهر أعلن الجنرال بيتريوس أن ما يسمى بـ"المجموعات الخاصة" الشيعية الجيدة التسليح والتنظيم والمدعمة من إيران "تشكل أكبر تهديداً على المدى البعيد لبقاء العراق نموذجاً لدولة ديمقراطيه في المنطقة".

http://www.alasr.ws:المصدر