الثبات
أولاً: دلالة المصطلح:
أ. لغة:
قال ابن فارس رحمه -: (والثناء والباء والتاء كلمة واحدة، وهي دوام الشيء يقال: ثبت ثباتاً وثبوتاً) قال ابن منظور: ورجل ثبت أي ثابت الثلب. قال العجاج يمدح عمر بن عبد الله بن معمر: بكل أخلاق الرجال قد مهر ثبت إذا ما صيح بالقوام وقر
وقول ثابت صحيح وفي التنزيل العزيز: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ} وكله من الثبات.
قال الشرباصي: فمادة (الثبات) تدل على الاستقرار والرسوخ، وعلى ضد التزلزل والاضطراب ".
ب. اصطلاحاً:
الثبات في الدعوة هو أن يظل الداعية مجاهداً في سبيل غايته، مضحياً في نشر دعواته، ملتزماً بمدائه، مستقيماً على منهجه حتى يلقى ربه:{مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً} .
مفهوم الثبات:
1- إن طريق العبادة والطاعة والدعوة شاقة ومحفوظة بالمحن والابتلاءات وطويلة لا تنتهي إلا بنهاية الحياة: { وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} لذلك لابد من الثبات على الطريق والاستمرار فيها مهما طالب، ومقاومة المعوقات وتخطي العقبات مهما كثرت.
2- إن العبرة عند الله بالخواتيم، فلا يكفي أن يستقيم الإنسان فترة
من الزمن ثم ينكص على عقبيه ن لذلك جاء التوجيه الرباني للمؤمنين بالثبات على الإسلام حتى الممات قال - تعالى -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} .
3- تذبذب بعض دعاة الإسلام أو تراجعهم عن طريق الدعوة
للإسلام بعد كان بعضهم في يوم من الأيام شعلة تتوقد حماساً للالتزام بالإسلام والدعوة إليه، وفجأة أنطفأت تلك الشمعة واختفت تلك الجذوة وهو ما ينبيك عن سر تكرار ذلك الدعاء النبوي الذي لهج به قلب رسولنا -صلى الله عليه وسلم -وهو: ((اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك)).
من ثمرات الثبات:
1- النصر على الأعداء:
قال الله - تعالى -:{أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} .
وعند تثبت القلوب على مثل هذه المحنة المزلزلة..عندئذ تتم كلمة الله ويجيء النصر من الله: {أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} .
إنه مدخر لمن يستحقونه، ولن يستحقه إلا الذين يثبتون إلى النهاية، الذين يثبتون على البأساء والضراء، الذين يصدمون للزلزلة، الذين لا يحنون رؤوسهم للعاصفة الذين ستقنون أن لا نصر الله، وعندما يشاء الله.
2- دخول الجنة:
ويا لها من ثمرة شمر لها المشمرون، وسعى إلهيا العاملون، وهي مدخلة لأصحاب الثبات، الذين ثبتوا على عقيدتهم ودعوتهم لم تزعزعهم شدة، ولم تغرهم شهوة، ولم يهنوا لمحنة أو لفتنة.. مضوا على الدرب مجاهدين، وعلى عيباته ومصاعبه صابرين، باعوا أنفسهم - عز وجل - ففازوا بوعده لهم: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} .
فالثبات شرط لابد من التحقق منه قبل دخول الجنة، كما قال - تعالى -: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ}. قال القرطبي - رحمه الله -: " والمعنى: أونسبتم يا من أنهزم يوم أحد أن تدخلوا الجنة كما دخل الذين قتلوا وصبروا على ألم الجرح والقتل من غير أن تسلكوا طريقهم وتصبروا صبرهم؟
لا حتى] وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ} أ يعلم شهادة حتى يقع عليه الجزاء.
مما يعين على الثبات:
الثبات على الحق مطلب كل مؤمن، وهم كل داعية، لاسيما في هذا الزمن الذي كثرت فيه الابتلاءات والفتن، وتنوعت وسائل الإضلال والمحن حتى أصبح " القابض على دينه كالقابض الجمر لهذا لابد من بذل أسباب الثبات، وفعل ما يقويه في القلوب ويرسخه في النفوس، ولعنا نذكر بعض ما يعين على ذلك.
ثقة الداعية بدعوته:
ثقة الداعية فيما يدعو إليه، وإيمانه بصدق دعوته، سمو عقيدته، وأصالة مبادئه من أكبر العوامل التي تزيده ثباتاً على دعواته مهما أعرض عنها الغافلون، أو افترى عليها الأفاكون، فلا يزيده ذلك إلا رسوخاً وشموخاً، فلا ييأس لقة المستجيبين له، فله أسوة حسنة في بعض أنبياء الله الذين أخبرنا الله عنهم في كتابه، ومنهم نوح - عليه السلام - الذي قال الله في شأنه: ]وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ[.
الارتباط بالقرآن الكريم
الارتباط بكتاب الله تلاوة وحفظاً، تدبراً وعملاً، من أعظم أساب الثبات، فهذا غراس الإيمان يثبت الله به الأقدام، ويربط على القلوب ويذهب به رجز الشيطان.
أسباب أخرى
· تعلم العلم الشرعي.
· التزام السنة والبعد عن البدعة.
· معرفة حقيقة الباطل وعدم الاغترار به.
· التأمل في نعيم الجنة وعذاب النار.
· تذكر الموت والخوف من سوء الخاتمة.
· الصبر.
عوائق في طريق الثابتين:
طريق الثابتين ملي بالمعوقات، كثير العقبات، ولكنه طريق ينتهي إلى الجنة، وقد قال -صلى الله عليه وسلم -مخبراً عن تلك العوائق: (حجبت النار بالشهوات، وحجبت الجنة بالمكاره) وفي رواية لمسلم (حفت) قال الإمام الننوي - رحمه الله - في شرح الحديث: قال العلماء هذا من بديع الكلام وفصيحة وجوامعه التي أوتيها -صلى الله عليه وسلم -من التمثيل الحسن، ومعناه لا يوصل الجنة إلا بارتكاب المكاره.
والنار بالشهوات، وكذلك هما محجوبتان بهما، فمن هتك الحجاب وصل إلى المحجوب، فهتك حجاب الجنة باقتحام المكاره هتك حجاب النار بارتكاب الشهوات، فأما المكاره فيدخل فيها الاجتهاد في العبادات والمواظبة عليها والصبر على مشاقها وكظم الغيظ.
حب الدنيا والإغراق في مباحاتها:
إن التثاقل إلى الأرض بالركون إلى ما بها والإكثار من شهواتها وشغل القلب بهم الدنيا والعب ملذاتها أكبر أسباب النفور من الطاعة، والنكوص عن الهدى وإيثار العاجلة على الآجلة ولهذا جاءت النصوص الكثيرة في التحذير من هذا العائق ومن ذلك: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ} .
وعوائق أخرى:
·كثرة المحن.
·بعض وسائل الإعلام وما تحمله من خبث في الكثير من برامجها.
·التبرع وكثرة الفساد في المجتمع.
·الزواج بالمرأة الطالحة أو زواج المرأة بالرجل الفاجر.
من صور الثبات:
المسلم الذي رضي الله ربا وبالإسلام ديناً وبمحمد -صلى الله عليه وسلم -نبياً قد جعل الإسلام حياته ومنطلق أحكامه وتصوراته، لا يحيد عنه ولا يبغي سواءه، مهما ادلهت الخطوب أو اشتدت الكروب.
الثبات عند مواجهة جند الباطل.
المسلم لا يرهبه الباطل بكثرة جنوده، ولا يخيفه بشدة بطشه واثق بالله يستشعره معينه وتأييده، لسان حاله ومقاله يلهج بقول المثبتين من قلبه: {إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ}. {إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} أسوته في ثباته بعد أنبياء الله عليهم صلوات الله وسلامه.
26/7/1425 هـ