الثبات على دين الله
أحبتي في الله في هذا اللقاء الطيب، في هذه الليلة الطيبة - إن شاء الله - ، يكون حديث هذا اليوم هو "الثبات على دين الله" وبداية أشكر مركز الدعوة والإرشاد لتنظيمه هذه المحاضرة، وأشكر الذين جهدوا ونسقوا وعملوا من أجل إعداد هذه المحاضرة - جزاهم الله خيراً -.
وحديث هذه الليلة يمتد بإذن الله - عز وجل - لمدة أقصاها خمسون دقيقة، أعرض فيها لوقفات ست:
الأولى: مثلث الهلكة.
الثانية: هؤلاء أعلام الثبات.
الثالثة: صور معاصرة.
الرابعة: معوقات الثبات في النفس.
الخامسة: معوقات الثبات في البيئة.
السادسة: طريقنا إلى الثبات.
أخي ومحبي في الله - عز وجل -، هل رأيت رقة هذا القلب وسرعة تقلبه، هل رأيته تؤثر فيه العوائق والانفعالات، وتعصف به الأهواء يمنة ويسرة، فحيناً تعصف عليه شبهة فيتحيرُ زمناً ويُشرف على هلكة - نسأل الله السلامة والعافية -، وحيناً تواجهه شهوةٌ طاغيةٌ ولو عابرة، فتذهب عقله وحنكته ورزانته بل ودينه، وحيناً تواجهه فتنة ضراء في سبيل دينه كالقتل والسجن والتهجير والتعذيب وذهاب المال فيبيع دينه بعرضٍ من الدنيا قليل: "يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرضٍ من الدنيا".
الوقفة الأولى: مثلث الهلكة:
يظل المسلم يواجه رياح الفتن التي تحرك شجرته من جهات ثلاث:
الجهة الأولى: جهة الشبهات التي تعرض للمرء فينسى لأجلها الثوابت والمسلمات والقواطع والمحكمات.
الجهة الثانية: هي جهة الشهوات، الجاه والمال، وشهوة الفرج، وشهوة الفم، والولد والزوجة، وحب الدّعة والراحة.
والمطلوب في كل ذلك هو الثبات عن معصية الله - عز وجل - فيها، والثبات أيضاً فيما يخالف هذه المحبوبات.
الجهة الثالثة: جهة الأذى النفسي والجسدي في سبيل الله - عز وجل -، كالأذية في النفس والأقارب، والسجن والتهجير وسلب المال وغيرها.
فهذا مثلث الهلكة وعلى جرف هاويته يتساقط المتساقطون - نسأل الله السلامة والعافية -.
فلأجل هذه العواصف الهوج التي تحيط بالقلب من كل مكان، وبسبب ضعف القلب ورقته قال عنه النبي -صلى الله عليه وسلم- : "إن هذا القلب كريشة بفلاةٍ من الأرض، تقيمها الريح ظهراً لبطن".
الوقفة الثانية: هؤلاء أعلام الثبات:
الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - هم جبال الثبات وأعلام الصمود، عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم، لذلك كانت قصصهم في القرآن من أسباب تثبيت قلب النبي - صلى الله عليه وسلم-: (وكلاً نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك).
هذا نوحٌ - عليه السلام - ثبت وصبر المدة الطويلة تسعمائة وخمسين سنة، وهو صابرٌ مرابطٌ ثابتٌ على دعوة الله - عز وجل - ودينه، وهاهو قد ثبت حين صنع سفينة بأمر الله - عز وجل - في بريّة بعيدة عن الماء، قال له قومه مستهزئين صرت نجاراً بعد أن كنت نبياً، فكان من ثباته أنه قال: (إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون * سوف تعلمون من يأتيه عليه عذاب ويخزيه ومن يأتيه عذابٌ مقيم).
وهذا إبراهيم - عليه السلام - ثبت عند تكسير الأصنام وهي التي يعبدها المشركون من دون الله ويوجهون لها القرابين والعبادة من دون الله - عز وجل -، ومع ذلك ثبت قلبه، صمد فؤاده حتى حطم هذه الأصنام، وثبت على النار حتى يقذف فيها حين ساومه الطغاة على دينه ودعوته، أن يرجع عنها أو أن يقذف في هذه النار، فثبت لأمر الله - عز وجل - وعلى دينه، فما كان منه إلا أن قال: حسبنا الله فهو نعم الوكيل، فأوحى الله - عز وجل -: (كوني برداً وسلاماً على إبراهيم).
وقد ثبت حين أمره الله - عز وجل - أن يذبح فلذة كبده إسماعيل - عليه السلام -، الذي جاءه على كبرٍ وشيخوخةٍ وعقمٍ ممتد طويل، فما كان منه إلا أن أسلم لأمر الله وثبت فأراد أن يذبحه كما تُذبح الشياه، ففداه الله - عز وجل - بذبحٍ عظيم.
وهذا يوسف - عليه السلام - اجتمعت عليه أسباب الفتن، امرأة ذات منصبٍ تسطو به على من يخالفها، وتغريه بمكاسب هذا المنصب، امرأة ذات جمال تضج فتنة، وإغراءً في حالٍ تستعر فيه الشهوة ويتأجج الغرام، كان مع ذلك شاباً مكتمل الفتوة، ناضج التكون، سوي الخلقة- عليه الصلاة والسلام -، وهو مع ذلك لم يكن له أقارب أو أصدقاء أو عشيرة، بل كان في غربة عن بلده وأهله ودياره وعشيرته، ومن المعلوم أن كثيراً من الناس يمنعه من ارتكاب الرذيلة حياؤه ممن يعرفه، فإذا تغرب فعل ما يشتهيه - نسأل الله السلامة والعافية -، فرأى برهان ربه: (ولقد همت به وهمّ بها لولا أن رأى برهان ربه)، فكانت عاطفة الثبات هي قوله - تعالى - على لسان يوسف - عليه السلام -: (إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين).
وهذا محمد -صلى الله عليه وسلم- كانت دعوته من فجرها الأول إلى أن توفي بأبي هو وأمي - صلى الله عليه وسلم- ، كانت تضحيةً وصبراً وفداءً - عليه صلوات الله وتسليمه -، فهاهو قد جهر بالدعوة عند قومٍ أميين، لم يُبعث فيهم نبي، وكان هذا ضغط نفسي غير عادي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ليقوم بدين الله - عز وجل - ويجهر بدعوته، وأصابه الأذى النفسي والجسدي فخنقه عقبة بن أبي معيط، ووضعوا سلى الجزور على رقبته وظهره الطاهرة - صلى الله عليه وسلم- ، واتهم بالسحر والجنون، وحوصر مع قومه بني هاشم في الشعب مدةً حتى يرجع عن دينه، وهدد بالقتل، وحورب - صلى الله عليه وسلم- وأُديرت من أجل دعوته المعارك الطاحنة، وسخر به وغُدر، وخُذل وأُقيمت له الشبهات، وأرجف به الكفار والمنافقون، فثبت بأبي هو وأمي - صلى الله عليه وسلم- مع الكوكبة المؤمنة من أصحابه - رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم -.
وهذا أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - كانت حياته مثالاً للثبات على دين الله - عز وجل -، صبر على أذى قريش وصبر حتى كاد أن يهاجر إلى الحبشة، وهاجر مع النبي - صلى الله عليه وسلم- في حالٍ من الخطر ثبت فيها على دين الله، وثبت - رضي الله تعالى عنه وأرضاه - حين توفي النبي - صلى الله عليه وسلم - وصُدم الناس صدمة عظيمة، حتى ظن بعض أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يُمت، فثبت لدين الله وكانت ثمرة العلم حين قام خطيباً وبيّن أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قد مات، وثبت لأمر الله ودينه بتبليغ العلم الشرعي حين ثبت في وقت ردة المرتدين ومانعي الزكاة، وخالفه جماهير من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- أو كثرة من أصحابه - رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم-، ولكنه ثبت على دين الله - عز وجل - وكان على يده ما كان.
وهذا مصعب بن عمير - رضي الله عنه - كان شاباً مترفاً مدللاً تدلـله أمه الثرية الغنية، فلقي الابتلاء بترك التنعم، ومقاطعة والدته، والهجرة من بلده وتركه دياره حين هاجر وكان السفير الأول والداعية الأسبق في مدينة النبي - صلى عليه وآله وصحبه وسلم -.
وهذا كعب بن مالك - رضي الله عنه - صبر وثبت حين صدق مع النبي - صلى الله عليه وسلم - حين كان مع المُخلفين، فلم يكذب كما كذب المنافقون، وثبت مرة أخرى على أمر الله - عز وجل - في منع الناس عن حديث ومكالمته، وثبت على أمر الله - عز وجل - حين أرسل إليه بعض ملوك الكفار أرسل إليه ورقة يقول فيها: بلغنا أن صاحبك قد قلاك، أي هجرك، فالحق بنا نواسك، قال: فعلمت أن هذه من الفتن فسجرتها في التنور.
وثبت صاحب الصخرة هؤلاء الذين آووا إلى جبل من الجبال فسقطت على فتحة هذا الغار صخرة عظيمة سدت عليهم مخرجه فكان من أمر أحدهم أن قال: اللهم إن كنت تعلم أنه كانت لي ابنة عم من أحب الناس إلي، وإني راودتها عن نفسها فأبت علي إلا أن آتيها بمائة دينار، فطلبتها حتى قدرت عليها، فجئته بها فدفعته إليها فأمكنتي من نفسها، فلما قعدت بين رجليها، وفي رواية: فلما قعدت منها مقعد الرجل من امرأته، قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فقمت عنها وتركت لها المائة دينار، فإن كنت تعلم أني تركت ذلك من خشيتك، فافرج عنا ما نحن فيه، ففرج الله عنهم، وخرجوا يمشون.
ولا زالت صور الثبات تترى وهذا سعيد بن جبير وأبو حنيفة ومالك، وأحمد وأئمة الدين وأعلام الهدى لا زالوا يُسامون في سبيل دين الله - عز وجل - ودعوته سوء العذاب، ومع ذلك ثبتوا على دين الله - عز وجل -.
الوقفة الثالثة: صور معاصرة:
إذا تأملت في أحوالنا المعاصرة رأيت صاحب الثبات على دين الله - عز وجل - شمعة مضيئة في طريق مظلم لا يتغير مع تغير الناس ولا يتبدل بتبدل الأحوال، بل كل حياته عطاءٌ لا ينقطع وحماسةٌ لا تفتر، فتراه فتىً متحمساً فشاباً متوقداً فكهلاً متحفزاً، فشيخاً يسارع في الخيرات ويسابق في أبواب البر والمعروف، في كل مراحل عمره عطاءٌ لا يقف ومعين لا ينضب، لعلك أن تراه في وقتٍ من الأوقات تراه على حماسة وحرص على دين الله - عز وجل - دعوةً وحسبةً وجهاداً والقيام بأمر الله - عز وجل -، ثم تلقاه بعد عقد من الزمن أو عقدين فتراه صاحبك كما هو في حرصه وتوثبه وعنايته بدين الله - عز وجل -، ترى صاحب الثبات إذا كان في بلاد المسلمين رأيته حريصاً على الخير والدعوة، متفانياً في نفع الناس وبذل المعروف، فإذا احتاج إلى سكنى ديار الكفار رأيته أشد حرصاً وثباتاً وتوقداً وحماساً فلم تؤثر فيه هذه البيئة، تراه رجلاً آخر من أهل الثبات فقيراً معدماً يرحم أمثاله من المساكين، ويبذل من وقته وجهده الكثير، فلما اغتنى رأيته أكثر شفقة وأكثر شفقة وإحساناً فلم يطغه الغنى لقد كان ثابتاً، وتراه مغموراً ذا نفسٍ مطمئنة يُوقر الكبير ويحترم النظير، ويتواضع للصغير، فلما صار مشهوراً يشار إليه بالأصابع زاد تواضعاً واطمئناناً، فلم يبهره بريق الجاه والمنصب.
وتراها فتاةً قانتةً صالحة حريصة على باب كل معروف، فتتزوج برجلٍ مقصر، فلا يثنيها ذلك عن صلاحها واستقامتها، بل لعلك أن ترى زوجها بعد ذلك قد صلحت حاله، واستقام أمره فلله - تعالى - درها، من صابرة مصابرة.
وتراه شاباً في بيئة فاسدة ثبت على استقامته، واختار دينه على شهوات هذه البيئة، فأخذ يكافحها بقلبه وبما أوتي من قوة، حتى ثبته الله وهداه وهدى به.
وتراه رجلاً أسلم حديثاً فلقي العنفة من مقاطعة قومه له، فأخذ بأسباب الثبات حتى ثبته الله.
وترى من أهل الثبات قافلةً من المحتسبين سواءً كانوا في هيئة الأمر بالمعروف أو خارجها، بذلوا أنفسهم وأخذوا من راحتهم وراحة بيوتهم وأخذوا من أموالهم، واضطروا مع ذلك لغشيان أماكن الفتن، فبقوا ثابتين نسأل الله لهم المزيد من ذلك.
وتراها كوكبةً من الشباب طلقوا الدنيا ثلاثاً، لم يسمعوا بموقعٍ يُجاهد لله - عز وجل - فيه، إلا انطلقوا إليه كالذي أثنى عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - حين ذكر خير الناس فقال: "ورجلٌ ممسكٌ عنان فرسه في سبيل الله يطير على متنه كلما سمع هيعة أو فزعةٍ طار عليه يبتغي القتل والموت مظانه"، هذا على سبيل العموم.
أما على سبيل الخصوص فقد رأيناهم مجاهدين حريصين على طاعة الله - عز وجل -، حدثني أحدهم فقال: ذهبت إلى إحدى المقابر في مدينة الرياض وكانت مقبرةً ذات سورٍ طويل، فرأيت حولها شاباً كأنني أعرفه، فإذا هو يهرول حول هذه المقبرة، قال: فوقفت وحييته فقلت: لم تفعل ذلك يا فلان؟ قال: نستعد لطاعة الله - عز وجل - والجهاد في سبيل الله، فأخذت هذه الكلمة مأخذاً عادياً، فما أخذت أشهراً قليلة إلا وقد سمعت أنه قد استشهد في الشيشان، فلله دره من رجل.
وكم من شابٍ أيضاً أغرته فتاةٌ لعوب، فقال: (معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي).
وكم من فتاةٍ حاول ذئبٌ بشري أن يوقع بها بنزوة فثبتها الله - عز وجل - على دينه.
وكم من موظفٍ أُغري برشوةٍ تساوي مدة مرتباته ثلاثين سنة، فآثر الآخرة على الدنيا.
معوقات الثبات في النفس:
إخوتي في الله: معوقات الثبات في النفس هي قضايا من خصائص النفوس والقلوب يشترك فيها الصغير والكبير، الذكر والأنثى، البعيد والقريب، المسلم و النصراني، وجميع أصناف الناس يشتركون فيها، لذلك كان الأهمية لتأسيس قضية الثبات في القلوب، هي همُّ كل إنسان، لماذا يثبت اليهودي على يهوديته، ويثبت النصراني على نصرانيته؟ ويثبت المزارع على زراعته، ويثبت التاجر على تجارته؟ هناك قواعد مشتركة بين الناس أخلاق النفوس يشترك فيها الخلق، تقول ما برهان ذلك؟ برهانه قول النبي - صلى الله عليه وسلم- : "الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا".
ومعوقات الثبات في النفس هي معوقات مشتركة، لذلك يظن بعض الناس أن هناك وصفات سريعة يسمونها سحرية، وهذه يعني عبارة خاطئة، أن هناك وصفات سريعة في الثبات على دين الله - عز وجل - والاستقامة على هداه مجرد ما يأخذها مجردة من معانيها الشرعية، فيأخذها مجردة من الكتاب والسنة فيظن أن الثبات يأتيه فوراً، وما علم أن هناك مجاهدة للنفس، تقع في قلب كل إنسان مهما كانت ملته، ومهما كان جنسه إذا حرص على تثبيتها في قلبه كانت له عوناً بإذن الله على الثبات على دين الله - عز وجل -.
وليس معنى ذلك أن هذه الأشياء النفسية أنها تعويد للنفس على العناد، كعناد النصراني على عقيدته، المقصود هو أن نهيئ أنفسنا من معوقات الثبات ثم نترك الحق بعد ذلك يوجهها كيف شاء.
خذ على ذلك مثالاً: لو أن إنساناً جاء يرتق سفينة من خرق كان فيها، أو يرقع شراعها، هل تقول لهذا الرجل بأنك بعنادك أو بتصرفك توجه هذه السفينة برغبتك، أو يقول تصلحها حتى تكون صالحة للعمل ثم توجهها بعد ذلك كيف شاءت، وكذلك أيضاً قضية المعوقات هي تربية للنفس مثل قضية العجب والغرور والأوهام والوساوس وغيرها من ما يشترك فيها الخلق إذا أصلحت فيه نفسك كان سفينةً لقلبك بإذن الله - عز وجل - توجهها رياح الحق كيف شاءت.
هناك منظومة من المسالك وهي مسالك سيئة إذا أصابت امرأً اختل ثبات قلبه:
المعوق الأول: العجب والغرور وما يورثه العجب من كبر:
يا ترى ما هي علاقة العجب بثبات القلب؟
الجواب: أن العجب يغري الإنسان في الاسترخاء عن مراقبة أعداء القلب، فالعجب سبب من أسباب الغفلة، وسبب من أسباب ضعف الحذر عن مراقبة أولئك الأعداء، فلو تأملت في حالة الاسترخاء التي خلفها الإعجاب بالنفس والإعجاب بالقوة في غزوة حنين لرأيت أن هذه الحالة كانت سبباً من أسباب هزيمة المسلمين: (ويوم حنينٍ إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين).
تأمل أيضاً إذا كان المرء يردد في نفسه أو أمام الناس أنه لا يتأثر بشبهة، ولا تغلبه شهوة ولا تغيره مصيبة، كلما كان المرء كذلك كان أبعد عن الحذر من أسباب هذه الفتن، أو ترك معالجتها إذا ابتلي بها، وكلما كان يوطن نفسه أنه عرضة للخطأ، لا يعجب بنفسه، أنه عرضة للخطر في أي وقت، إذا كان كذلك كان أبعد عن الانحراف والزيغ، وهذا ما يسمى عند الناس بالتناسب العكسي، أو كما يقولون.
وهذه هي نتيجة العجب والغرور، وأخطر ثمار العجب هي عدم قبول الحق قال الله - عز وجل -: (سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها). وقال - تعالى -: (كذلك يطبع الله على كل قلب متكبرٍ جبار).
مظاهر العجب:
عدم المحاسبة، رفض النصيحة، كراهية الناصحين، عدم الاستعانة بالصديق الصالح، ترك المشاورة، التساهل عند غشيان أماكن البلايا وبلدان الفتن.
لذلك ولعظيم خطر العجب ذكره النبي -صلى الله عليه وسلم- في المهلكات حين قال: "وثلاث مهلكات، شحٌ مُطاع، وهوى مُتبع، وإعجابُ كل ذي رأيٍ برأيه".
وكانت سيرة الأنبياء والسلف الصالح ملأى بالخوف من الزيغ والإزدراء على النفس وتحقيرها، قال الله - تعالى - في ذكر حاجة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - إلى الثبات قال: (وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذاً لاتخذوك خليلاً * ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً).
ويقول الله - عز وجل -: (ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك)، فهي فضل الله ورحمته، أما الإنسان فيعجب بنفسه وأنه قادر على مواجهة الفتن، وأنواع المصائب من غير عونٍ من الله - عز وجل - بهذا الرجل فهذا هو أول سبيل الهلاك.
وفي الصحيحين قال - صلى الله عليه وسلم- : "لن ينجي أحدٌ منكم عمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته".
وهذا إبراهيم- عليه السلام - وهو جبل الدنيا في الثبات وإمام أهل التوحيد - عليه الصلاة والسلام - يقول: (واجنبني وبني أن نعبد الأصنام)، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - كما سيأتي في آخر هذا اللقاء إن شاء الله- كان يكثر من دعاء التثبيت.
المعوق الثاني: الأوهام والوساوس:
والأوهام والوساوس إذا استبدت بإنسان منعته من الوصول إلى الغايات الشرعية وكانت سبباً من أسباب عدم ثباته.
أوهام ووساوس الخطأ، أوهام ووساوس الفشل، أوهام الخوف من البطش والتنكيل، إن توهم الضرر في النفس والأهل والمال، هو سببٌ من أسباب تغير طرائق التفكير، فالأوهام قد تمنع كلمة الحق أن تقال، والوساوس قد تقطع المرء من الانتفاع من إخوانه وبإخوانه، والخوف قد يمنع إقامة المشاريع الخيرة التي تحفظ للمسلم دينه وثباته، وعلاج الأوهام والوساوس يكون:
1- بالاعتصام بالله وحده ذكراً ودعاءً وصلاةً، وإخباتاً وصلة، فالأنس بالله - عز وجل - طارد لكل هم ووسوسة.
2- أن يتحلى المرء بشيء من الواقعية، فيعرض عن المبالغة وتهويل الأمور.
3- أن يدرس التاريخ القديم والحديث ففي معرفة السنن التاريخية ما تقاس عليها الأحوال.
4- أن يُقارن بين الأحوال المتماثلة، فالمقدمات المتماثلة تؤدي إلى نتائج متماثلة أيضاً، فإذا توهمت الضرر من شيء فانظر إلى مثيله، وسوف ترى بإذن الله - عز وجل - أن عواقب الشجاعة والإقدام، أفضل من ثمرة التردد والإحجام.
5- أن يستشير ذوي الحكمة والواقعية والشجاعة في آن واحد.
6- أن يعلم أن الذي يعمل لا بد أن يخطئ، وأن الخطأ ليس نهاية العالم، وليس أيضاً نهاية هذا الشخص نفسه، بل هي- أي هذه الأخطاء - مدرسة لصقل النفس وإعدادها.
7- لطرد الأوهام أن يستخير ربه ثم يقدم معرضاً عن أوهامه ووساوسه.
لا زلنا أحبتي في الحديث عن المعوقات النفسية في الثبات.
المعوق الثالث: اليأس وقلة الصبر:
اليأس سواء كان من هداية النفس، بعض الناس تحيط به الفتن من كل جانب فييأس أن يهديه الله - عز وجل -، أو أن ييأس من هداية الناس ورجوعهم إلى الله - عز وجل -، وهذا سبب من أسباب القنوط المفضية إلى ترك العمل الاحتسابي والدعوي والجهادي، فيقع الإنسان في الزيغ، إذا ترك الدعوة زاغ، إذا ترك الجهاد زاغ، ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر زاغ، ترك أمر الله - عز وجل - زاغ، وكل هذه بلا ريب أنها من مضادات الثبات.
ولا ثمرة لليأس- أحبتي في الله- إلا الهمّ والغم وقلة العمل فقط..
ولا ثمرة للفأل الحسن إلا راحة النفس واستشراق المستقبل واستثمار المتاح مما في يد الإنسان مما يحصل به ثباتاً في الدين أو راحة في النفس أو أجراً عند الله - عز وجل - يوم الدين، قال الله - تعالى -: (ولا تيئسوا من روح الله إنه لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون).
وقال الشاعر:
إذا اشتملت على اليأس القلوب *** وضاق لما به الصدر الرحيب
وأطأت المكاره واطمأنت *** وأرست في أماكنها الخطوب
ولم تر لانكشاف الضر وجهاً *** ولا أغنى بحيلته الأريب
أتاك على قنوط منك غوث *** يمن به اللطيف المستجيب
وكل الحادثات إذا تناءت *** فموصول بها الفرج القريب
والبديل عن اليأس هو الصبر فهو خلقٌ حميد يحمل على مواصلة السير نحو تحقيق المقاصد الشرعية والأهداف النبوية.
ومن قل صبره لم يصل إلى مراداته، وما من طريقٍ إلا وسالكها يحتاج إلى صبر، بل إن الكفار تذرعوا بالصبر للاحتفاظ بآلهتهم، قال الله - عز وجل -: (إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها).
والإمامة في الدين ثمرة من ثمرات استقرار القلب وثبات الفؤاد، قال الله - عز وجل -: (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون).
وقد ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - أيام الفتن، الفتن التي تموج موج البحر، ثم ذكر حاجتنا إلى الصبر فيهن، روى الترمذي بسندٍ صحيح عن أبي ثعلبة الخشني - رضي الله عنه - أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في الحديث: "حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوى متبعاً، ودنياً مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأيٍ برأيه، فعليك بخاصة نفسك ودع عنك العوام، فإن من ورائكم أيام الصبر، الصابر فيهن مثل القابض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عملكم".
المعوق الرابع: ضعف الهمة:
فتجد ضعيف الهمة يعنى بتوافه الأمور، ويترك معاليها، تراه ينشغل بالمحقرات ويدع أسباب هدايته وتوفيقه، فمرة ينشغل بجمع المال على حساب أسباب هداية قلبه، ومرة ينشغل بالنزه التي لا يخلو منها أسبوع إلا ويتنزه مرة واحدة، في الوقت الذي يبخل على نفسه بحجة أو عمرة تُزكي نفسه وتعظم أجره ومثوبته، ومرة تجده يُعنى بالتحف والنوادر وربما دفع طائل الأموال لأجلها، وسافر لأجلها، وهو مع ذلك يترك الكتيب النافع والشريط المفيد وحضور مجامع الذكر والتوجيه الطيب، هذه بعض مظاهر انحطاط الهمة وضعف المقصد.
وكما قال الشاعر:
وإذا كانت النفوس كباراً *** تعبت في مرادها الأجسام
ويقول الآخر:
ومن يتهيب صعود الجبل*** يعش أبد الدهر بين الحفر
ويقول آخر:
لولا المشقة ساد الناس كلهموا *** الجود يُفقر والإقدام قتّال
المعوق الخامس: التعلق بالآخرين:
التعلق بالداعية يعجب بداعية بطالب علم، بأخ بوالد بقريب، بأي كائن من كان، فتجده يعلق هدايته بهدايته وصلاحه بصلاحه، ولو تراه فعل منكراً ربما تغير أمره إلى هذا المنكر، لو فعل خطأً ربما تغير نظره إلى هذا الخطأ، ولا شك أن هذا قد اختل ثباته بسبب غلوه وتعظيمه للآخرين.
لذلك يقول الله - عز وجل -: (ومن الناس من يتخذ أنداداً يُحبونهم كحب الله)، وجاء في الخبر: "لا يكن أحدكم إمعة مع الناس إذا أحسنوا أحسن وإن أساءوا أساء).
وروي عن بعض السلف أنه قال: لا يقلدن أحدكم دينه الرجال، إن آمن آمن، وإن كفر كفر"، ولا تنظر إلى كثرة الهالكين مهما بلغوا في علمهم أو مكانتهم أو إعجابك بهم، فالله - عز وجل - يقول: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه).
الوقفة الخامسة: معوقات الثبات في البيئة:
أولاً: الزوجة والولد: فكثيرٌ من الناس ركب بعض أمور الضلالة ولا حجة له إلا أهله وولده، فمنهم من أدخل لأجلهم الدش في بيته، ومنهم من سافر بهم السفر المحرم والسياحة الممنوعة، ومنهم من ترك لأجلهم الدعوة إلى الله - عز وجل - والاحتساب، ومنهم من ترك لأجلهم صحبة الصالحين، والله - عز وجل - يقول: (إنما أموالكم وأولادكم فتنة، والله عنده أجرٌ عظيم). والله - عز وجل - يقول: (إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم فاحذروهم).
وكان هذا إنما هو من شأن المنافقين في التخلف والزيغ والانحراف والضلالة، وترك أسباب الثبات حين قالوا: (شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا).
ثانياً: البيئة، الصديق: وحسب بالصديق تأثيراً وأثراً فهو أكثر تأثيراً من الرئيس والمرؤوس والأم والأب، يطبع الإنسان على أخلاق معينة ويسيره على طريق محددة لا يستطيع كائناً من كان أن يسيره عليه، وهذا الصديق له وقفات ووقفات.
ثالثاً: القريب والعشيرة والمجتمع: من المؤثرات على الثبات في البيئة، وهؤلاء يحملونه على عادات قبيحة وسلوكياتٍ سيئة، لماذا تفعل ذلك؟ قال: لأن الناس يفعلونه، لماذا تقول ذلك؟ لأن الناس يقولونه.
رابعاً: الملأ أو عِلية القوم: الملأ هم الذين ترتفع إليهم الأبصار، وتشرئبُ إليهم الأعناق، وقد كان لهم هذا التأثير العجيب لأنهم يملكون الدرهم والدينار، ويملكون ما هو أغلى عند كثير من الناس من الدرهم والدينار، يملكون الجاه الذي قد يتبرعون ببعض من يطيعهم، يملكون سطوة القهر، الذي تزعن لها الرقاب وتذل لها الأقلام وتلتوي لأجلها الألسن، وتحت وطأة هذه المؤثرات من الملأ، يصير الباطل حقاً والحق باطلاً، ويصير الأبيض أسود والأسود أبيض، وتتقلب القلوب والأبصار، قال الله - تعالى - عن الملأ: (وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذاً لاتخذوك خليلاً ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً).
خامساً: الجماهير أو الأتباع: والأتباع هم أتباع السلاطين وأتباع العلماء وأتباع الدعاة، وكذلك أتباع رؤساء القبائل، هؤلاء هم الجماهير، فإذا كان المتبوعون أو الملأ هم سبب من أسباب الضلال والانحراف وعدم الثبات، فإن الجماهير أنفسهم أيضاً قد يكونون سبباً من أسباب ضلال رؤسائهم ومتبوعيهم، فالجماهير كثيراً ما كانت تشكل طريقة تفكير الرؤساء والمتبوعين وإذا تأملت هذه الحال في أتباع العلماء والدعاة رأيت أن الثبات لا يتحقق للنخبة والدعاة وطلاب العلم إلا بالحذر من هذا المزلق المريع والمنحدر الخطير.
المرؤوس يصانع رئيسه ليعطيه من ما تحت يده من الدنيا، والرئيس يصانع الناس ليضمن ولا هم له، وهكذا يركض الاثنان الرئيس والمرؤوس في دائرة كبيرة يدفع كل منهما الآخر لتحقيق شهواته وملذاته في هذه الدنيا، لا تنتهي هذه الدورة إلا يوم الدين حين يدور هذا الجدل القاتم: (إذ تبرأ الذين اتُبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب * وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرةً فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار).
وأخطر من التأثير للجماهير في الملأ تأثير هؤلاء الجماهير في بعض العلماء، حتى صار بعضهم- أي بعض هؤلاء العلماء- وهم قلة بحمد الله - عز وجل -، يُلاحق شهوات الناس ورغباتهم، ويُفتي لهم بقول أي عالم مهما كان مرجوحاً مراعاةً لحال السائل، فيفتي الإنسان في أستراليا بقول أبي حنيفة، وإنسان في أوربا بقول الإمام الشافعي، وهما قولان متضادان متنافران لكل من الإمامين قوله ودليله، مهما كان هذا القول مرجوحاً وإنما هي مراعاة لحال السائل، والسائل إذا تأملت في أمره رأيته إنما سأل عن حكم الشريعة حسب ما يراه المفتي لا أن يتخير له هذا المفتي ما يناسب مراده أو يناسب حاله.
ومع الأسف أن كثيراً من هذه الجماهير - لاسيما جماهير الشوارع - أصبحت تبحث عن الشيخ الذي يفهم رغباتها لا الشيخ الذي يقول هذا دين الله - عز وجل - حسب الأدلة الظاهرة، والعلماء - رحمة الله تعالى عليهم- في كتب الأصول إنما قالوا باختيار الأيسر للمستفتي إذا تعارضت الأدلة وتكافأ في المفتي، ولا أعرف أن أحداً من أعلام هذه الأمة من قال بأن المفتي يختار للمستفتي ما شاء من الأقوال، أو ما يناسب حاله وواقعه، ولكن الإنسان إذا سألك عن مسألة دينية شرعية ويسألك أنت عن ترجيحك وقولك أنت في هذه المسألة، وإلا والله يا إخوان للزم من ذلك أن نقول للناس لا تستفتوا إذا كان كل إنسان يأخذ من الشريعة ما يوافق حاله لا أحد يسأل، الخمر محرمة هذا معلوم، الزنا محرم وهذا معلوم، القمار محرم وهذا معلوم، نأتي المحرمات ونعملها للناس وما بقي من ذلك نقول للناس افعلوا ما شئتم لأن عطاء قال، وطاووس قال، ومجاهد قال، وأبو حنيفة قال، والشافعي قال، ومالك قال، وفلان قال....وهكذا.
إذا أتيت إلى القطعيات في الدين الناس لا يحتاجون فيها إلى مفتٍ وما عداها فهي مختلف فيها فليأخذ كل إنسان ما يوافق هواه، وما يناسب مزاجه، وهذا اللازم يدل على بطلان مثل هذه الفتاوى المتشيبة التي تطلق على الناس فيلاحقها الخلق، وتجد من يتسابق إليها لاسيما فيما نسمع عن القنوات الفضائية.
فكانت أيضاً في قضية الجماهير والتابع والمتبوع من الأشياء المؤثرة في الثبات على دين الله - عز وجل - وعرض الدين كما أمر الله - عز وجل -، حين ائتمن الله - عز وجل - أهل العلم على بيان هذا الدين وإيضاحه لخلق الله - عز وجل -.
الوقفة السادسة: طريقنا إلى الثبات:
الطريق الأولى: أن نعرف حقيقة القلب: القلب حساس متحرك بالإرادة والمشاعر والعواطف، يأتيه مشهد حزين فينقبض، فيرى مشهداً مفرحاً فينقبض أيضاً، بالغ الحساسية وبالغ الرقة والشفافية، روى أحمد عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن هذا القلب كريشة بفلاة من الأرض، تقيمها الريح ظهراً لبطن"، وقال - صلى الله عليه وسلم - : "القلوب بين أُصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء"، إذا عرفنا حقيقة القلب رحمناه وأشفقنا عليه أن يكون مثل الريشة في الفلاة، تقلبها الشهوات والرغبات والملذات.
ثانياً: تحقيق الإنابة لله والافتقار إليه: وأن نعرف حاجتنا لله - عز وجل -، قال الله - عز وجل -: (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم)، الزيغ بدأ منك، وقال الله - عز وجل -: (الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب)، فجعل الإنابة سابقة للاجتباء والهداية، ولا يكون ذلك إلا بالافتقار بين يدي الله - عز وجل - وأن نعرف أن هذه القلوب بين أصابعه، وأن هذه القلوب بين يديه - عز وجل -.
ثالثاً: الحذر من صغائر الذنوب والاستغفار من ما كان: (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون)، إذا جاءت القلوب على القلب غطته، وكما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - حين ذكر الذنوب في حديث حذيفة: "لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً، إلا ما أُشرب من هواه".
والله - عز وجل - قد قال: (إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استذلهم الشيطان ببعض ما كسبوا).
فإذا كان الإنسان ينحرف ويضل ويزغ ولا يثبت على دين الله - عز وجل -، فليبحث عنها حين ترك الذنوب تتراكم على قلبه، فلا هو الذي يعمل الصالح لتكفر الذنوب، ولا هو الذي يستغفر لتكفر ذنوبه التي أذنبها في حق الله - عز وجل -، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في الحديث الصحيح: "إياكم ومُحقرات الذنوب، كقومٍ نزلوا بوادٍ فجاء ذا بعود وجاء ذا بعود حتى أشعلوا نارهم وأنضجوا خبزتهم".
رابعاً: إخلاص القصد لله - عز وجل -: فمن كانت دعوته وجهاده وحكمته أو تعلمه أو تعليمه لأجل تحصيل شيء من الدنيا فإذا لم يحصل له جزع وسقط من أول الطريق، علمه واحتسابه ليس قصداً لله - عز وجل -، فلما كان القصد الحصول على شيء من الدنيا ولم تحصل فالبديل هو الجزع، والزيغ والانحراف، وترك أسباب الثبات، قال الله - عز وجل -: (ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به)، ويقول الله - عز وجل -: (ومنهم من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله).
ويقول الله - عز وجل -: (ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خيرٌ اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين).
إذا كانت الصحبة الصالحة والثبات على الدين عن طريق هذه الصحبة، هي سواليف وسعة صدر فأنعم وأكرم، وإذا كان فيه تعب وجهد وإرهاق وذهاب وإياب لله - عز وجل -، وانطلاق هاهنا وهناك فإنه عند ذلك استحسر ويزيغ، نسأل الله أن يثبت قلوبنا.
ويقول الله - عز وجل - عن شأن أصحاب المقاصد الرديئة: (لو كان عرضاً قريباً وسفراً قاصداً لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة)، وفي ابن ماجه بسندٍ صحيح عن عبد الله بن مسعود: "من جعل الهموم هماً واحداً، هم المعاد كفاه الله هم دنياه، ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا لم يبالي الله - عز وجل - في أي أوديته هلك".
خامساً: المبادرة إلى إيصال الخير إلى الناس بالدعوة والحسبة والجهاد: وكما يقولون: أفضل وسائل الدفاع الهجوم، أنت تخشى على قلبك عليك أن تقوم بالدعوة، والاحتساب والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمبادرة إلى هذه الأمور، روى الترمذي من حديث عمرو بن عوف أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن هذا الدين بدأ غريباً ويرجع غريباً فطوبى للغرباء الذين يُصلحون ما أفسد الناس من بعدي من سنتي"، الاحتساب والقيام بأمر الله - عز وجل - فيها حفظ للمجتمع، ووقاية للمحتسب وتثبيت له، وبسببها يأوي إليك أمثالك من الغيرى، والله - عز وجل - يقول: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر).
سادساً: الحذر عند المنعطفات: إنسان معه سيارة إذا جاء منحدر أو منعطف أو ميلان أمامه يقوم بتخفيف السرعة حتى لا ينقلب، وهذا هو ما يسمى بالضلال والزيغ والانحراف.
الزواج، الإنسان قد يميل إلى حسب أو نسب أو مال أو جمال بالمرأة، فتكون سببا لزيغه وعدم ثباته على دين الله - عز وجل -.
الوظيفة، يختار وظائف معينة قد تكون أيضاً سببا من أسباب زيغه وانحرافه.
الجاه، اختيار الصديق الجديد، حصول المال فجأة لاسيما الفجأة، السفر إلى أماكن الفتن، الدخول في الوظائف التي لها علاقة بالمرأة ولا يحذر، ويكون علاج ذلك بالاستعانة بالله - عز وجل -، ومحاسبة النفس، الاستنجاد بالصديق الصالح، والاستشارة وهكذا.
سابعاً: الصديق الصالح: والله - عز وجل - يقول: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا)، والمرء على دين خليله، والصديق يشكل عقلية رفيقه، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: "المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل".
ثامناً: قصر الأمل: إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، بالله عليكم يا إخوان إنسان إذا أصبح لا ينتظر المساء وإذا أمسى لا ينتظر الصباح أتراه يزيغ إلا أن يشاء الله - عز وجل -؟ لكن الذي يزيغ هو الذي يقول عمري سيتجاوز المائة وخمسين كما عاش المعمر الياباني أو المعمر الفلاني، يطيل الأمل، فتجده يتساهل في الواجبات ويتساهل في الطاعات، ويتساهل في المحرمات، من أجل أنه كذلك وهنا يحدث الزيغ، وينعدم الثبات، نسأل الله الثبات.
تاسعاً: أن يعلم أن العبرة بالخواتيم: هب أنك عشت على هذا، لحظة واحدة قبل الموت فيزيغ الإنسان، فلذلك المجاهدة على الثبات ويعلم أن الأمور إنما هي بالخواتيم، المجاهدة على الثبات هذا من سبل الثبات على دين الله - عز وجل -، فإذا استيقن أن العبرة بالخواتيم، لم يغتر بعد ذلك بظاهر صلاح حاله، روى أحمد عن أنس - رضي الله عنه - أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا عليكم أن لا تعجبوا بأحدٍ حتى تنظروا بما يختم له، فإن العامل يعمل زماناً من عمره أو برهة من دهره، بعمل صالح لو مات عليه دخل الجنة ثم يتحول فيعمل عملاً سيئاً، وإن العبد ليعمل البرهة من دهره، بعمل سيئ لو مات عليه دخل النار، يتحول فيعمل عملاً صالحاً، وإذا أراد الله بعبدٍ خيراً استعمله قبل موته، قالوا: يا رسول الله كيف يستعمله؟ قال: "يوفقه لعملٍ صالحٍ ثم يقبضه عليه".
عاشراً: التناصح: والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: "الدين النصيحة" قالها ثلاثاً، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المؤمنين وعامتهم".
وهذا الإمام أحمد- رحمه الله - أخذ النصيحة من عالم مثله؟ لا من أعرابي، لقيه وكان مكبلاً بالسلاسل في أيام محنته- رحمة الله - تعالى -عليه- فقال: ما سمعت كلمة منذ وقعت في المحنة أقوى من كلمة أعرابي كلمني بها، في رحبة الكوفة، قال: يا أحمد إن يقتلك الحق مت شهيداً، وإن عشت عشت حميداً، قال أحمد: فقوي قلبي.
الحادي عشر: الاعتبار بقصص الثابتين: وهذه من أعظم التثبيت فالإنسان يكون في غربة ويكون بعيداً، ويكون في خلوة، ويتذكر قصص الأنبياء، ويتذكر مدارج الرسل، ويتذكر قصص الصالحين، من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- ومن بعدهم، فتكون مقويةً لنفسه، ومثبتةً لقلبه على دين الله - عز وجل - وطاعته.
وأخيراً من أسباب الثبات: الدعاء: دعاء الله - عز وجل - أن يثبت القلوب، روى أحمد عن عائشة - رضي الله عنها -، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يكثر أن يقول: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك وطاعتك"، وروى الترمذي عن أم سلمة أنها سئلت ما كان أكثر دعاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ؟ قالت: كان أكثر دعائه: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك"قالت فقلت: يا رسول الله ما أكثر دعائك يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك؟ قال: "يا أم سلمة إنه ليس آدمي إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الله ومن شاء أقام ومن شاء أزاغ"، فتلا معاذ هذه الآية: (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب).
من الذي يقول هذه الآية؟ الراسخون في العلم، وفي مسند أحمد عن النواس بن سمعان الكلابي - رضي الله عنه - أنه قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "ما من قلبٍ إلا وهو بين أصبعين من أصابع رب العالمين، إن شاء أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه"، وكان يقول: "يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، والميزان بيد الرحمن - عز وجل -، يخفضه ويرفعه، وفي حديث عائشة - رضي الله عنها - أيضاً في سنن أبي داود بسندٍ صحيح: "اللهم زدني علماً ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني"، وفي مسند أحمد أيضاً بسندٍ صحيح "اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين"، وروى أحمد والترمذي والنسائي من حديث شداد بن أوس - رضي الله عنه - أنه كان من دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - : "اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، وأسألك شكر نعمتك، وأسألك حسن عبادتك، وأسألك قلباً سليماً، وأسألك لساناً صادقاً، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم إنك أنت علام الغيوب"، والدعاء الأخير في الترمذي عن عبد الله بن سرجس كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول في سفره: "اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب، ومن الحور بعد الكون، ومن دعوة المظلوم، ومن سوء المنظر في الأهل والمال"، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح ويروى: الحور- والكلام للترمذي- ويروى الحور بعد الكور أيضاً، ومعنى قوله الحور بعد الكون أو بعد الكور، قال: وكلاهما له وجه، يقال إنما هو الرجوع من الإيمان إلى الكفر، أو من الطاعة إلى المعصية، وإنما يعني الرجوع من شيء من الخير إلى شيء من الشر. انتهى كلامه - رحمه الله -.
نسأل الله - عز وجل - أن يثبت قلوبنا وأن لا يزيغها بعد إذ هداها، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.