الثبات على الإسلام (2)
الشيخ. أحمد العتيق
الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونتعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً.
أما بعد:
عباد الله: اتقوا الله - تعالى -، واستعدوا قبل الموت لما بعد الموت.
لقد تكلمنا في الخطبة الماضية عن الثبات على الإسلام وبعض الأسباب المعينة عليه.
ومن أسباب الثبات على الإسلام: الاعتقاد الجازم بأن المستقبل للإسلام؛ قال - تعالى -: " هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون" فيجب على المسلمين عموماً حكاماً ومحكومين أن يعتقدوا ذلك إن كانوا صادقين في انتمائهم لدينهم.
خصوصاً في هذا الزمن الذي ظهرت شوكة الكفار وقويت وسبب ذلك ضعفاً في نفوس المسلمين بل يأساً عند كثير من المسلمين مع الأسف الشديد وكأنهم يشكّون في وعد الله بإظهار هذا الدين. وهذا والعياذ بالله خلل في العقيدة. فإن من تدبر كتاب الله عرف أن من المواقف التي يظهر فيها الفرق بين المؤمنين والمنافقين، موقف الفريقين عند ظهور الكفار وضعف المسلمين. فالمنافقون يُسيؤون الظن بالله وبرسوله ويشكّون في وعد الله، ويعتقدون في قرارة أنفسهم أنه لن يظهر للمسلمين شوكة وأن الأعداء قد هيمنوا على العالم وأنه لا سبيل لهم إلا في إتباعهم ومجاراتهم وأن التفكير في نصرة الدين وظهور السنة تفكير رجعي. ولا شك أن هذا هو ظن المنافقين الذين ذكرهم الله في سورة آل عمران والفتح، قال - تعالى -: " يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل من الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله ".
وقال - تعالى -: " بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن السوء وكنتم قوماً بوراً ".
وأما المؤمنون الكمَّل فإنهم يقولون مهما ظهر الكفار ومهما حصل منهم من مضايقة للمؤمنين وتسلط عليهم إلا أن العاقبة للمؤمنين، ونهاية المطاف للمؤمنين.
لأنهم يؤمنون بقول الله - تعالى -: " هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ".
وبقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله الإسلام بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر ".
ويؤمنون ببشرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أن المؤمنين يفتحون بيت المقدس حتى أن الشجر والحجر ينطقان: " يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي تعال فاقتله ".
ومن أسباب الثبات على الإسلام: الحب في الله والبغض في الله؛ روى أبو داود عن أبي أمامة الباهلي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان ".
ومن المعلوم أن الرجل على دين خليله وصاحبه كما أخبر بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: " الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم منْ يخالل ".
ومن أجل ذلك أوصى العالم ذلك الرجل الذي قتل مائة نفس عندما جاءه يستفتيه في أمر التوبة، فقال: " إني قتلت مائة نفس فهل لي من توبة؟ فقال العالم: ومنْ يحول بينك وبين التوبة؟ ولكنك بأرض سوء اذهب إلى أرض يطاع الله فيها ". لعلمه أن التائب لا يثبت على توبته إلا في أرض الطاعة مع أهل الطاعة.
نسأل الله الثبات على الإيمان والسلامة من كيد الشيطان، وأن يغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين. إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله.
أما بعد:
ومن أسباب الثبات على الإسلام: كراهية الكفر والعودة إليه؛ فقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن العبد لا يذوق حلاوة الإيمان إلا بذلك، فقال: " ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان. وذكر منها: وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف النار ".
وهذا الشعور لا يوجد إلا عند من كمل الإيمان في قلبه وتعلق بربه واعتز بدينه. ويستحيل أن يوجد عند منْ يمجّد الكفار ويمدحهم. ويستصغر المسلمين عندهم. وإن صلى مع المسلمين وصام معهم.
ومن أسباب الثبات على الإسلام: كثرة ذكر الله؛ وحسبكم بذلك إخبار مقلب القلوب وعلام الغيوب: " الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر تطمئن القلوب ".
وإذا اطمئن القلب ثبتت الأقدام ولم تعرف التردد والإحجام ولذلك أمرنا الله - عز وجل - بذكره عند الالتقاء بالأعداء فقال: " يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون "، وفي هذا بيان أن ذكر الله عند ملاقاة العدو يطهر القلب ويذهب رجز الشيطان ويثبت الأقدام.
ومن أسباب الثبات على الإسلام: نصرة دين الله؛ الجهاد في سبيل الله.. الدعوة.. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. الحكم بما أنزل الله .. تطبيق الحدود الشرعية، قال الله - عز وجل -: " ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز". وقال - تعالى -: " إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ".