أسباب التأخر عن المواعيد

د. أبو بكر محمد عثمان  *

 

أصبح معلوما لدى الكافة، أن من أهم سمات أهل البلاد النامية هو التأخر في الحضور عن الموعد، ولا أدري إلى متى سيظلون ينمون، وقد مضت عليهم قرون وهم على حالهم. وهذه محاولة مني لحصر أسباب هذا السلوك، ومن ثم معالجته، ولا شك أن العلاج يحتاج إلى مكابدة مع النفس ومعاناة حتى تخرج مما ألفته وهي تقاوم التيار السائر والعرف السائد، وتتحمل ما قد تتعرض له من سخرية واستهزاء، ألم يقل سيدنا لوط - عليه السلام - عمن آمنوا معه: (أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون)؟.

عدم تقدير خطورة هذا السلوك حيث يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيه: (آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان) فهو بذلك يعتبر ثلث النفاق، فعلى المرء أن لا يستهين بهذا التصرف وأن يجتهد أن يكف عنه حتى لا تزل قدمه من آية إلى أخرى فيصبح منافقا خالصا.

سبب آخر، هو تأخر التبليغ عن الموعد حيث يفترض من كلف بالتبليغ أنه سيجد المبلّغ جاهزا دائما يجلس هكذا ينتظر إشارته بحيث وقتما قال له هلمّ أتاه فيسوّف في التبليغ حتى آخر لحظة، ثم يذهب ليبلغه فلا يجده أصلا أو يجده مرتبطا بموعد سابق لا يستطيع تأجيله، أو على حال لا تسمح له الذهاب فورا وهذا يحدث كثيرا في الإعلانات عن مواعيد المحاضرات واللقاءات في الجرائد، فيقول الإعلان ستعقد ندوة أو محاضرة في مكان كذا الساعة العاشرة من صباح اليوم الاثنين، فهل يستطيع الحضور كل من يرغبون؟ أو يمنع بعضهم أو أكثرهم سبق ذكره؟ وأحيانا يصر عليك المبلّغ أن تلغي موعدك السابق وتذهب معه وبدلا أن يلوم نفسه عن التأخير في التبليغ يقول هو الذي امتنع عن إلغاء موعد غير مهم مع أنه ليس هو الذي يقرر الأهمية من عدمها، ولو كان يعتبر الموعد الذي يبلغك عنه مهما لبادر لإبلاغك.

يعتبر البعض التأخير عن الموعد ضربة لازب، وأن ليس بالإمكان أحسن مما كان، وأن الحضور في الموعد ضرب من المستحيل في هذه البلاد، مع أن الواقع غير ذلك فكثيرون يسكنون في نفس موقعك ويستقلون نفس المواصلات ولا يجدون صعوبة في الحضور في الموعد، ولم نسمع أن أحدا من هؤلاء المتأخرين فاته قطار أو طائرة فهو موقن أنها لن تنتظره كما سيفقد ثمن التذكرة، إذا المسألة ليست مسألة استحالة بل عدم قناعة وعزم على الالتزام.

البعض يتحجج بأن الناس كلهم يفعلون ذلك ولكن حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (لا يكن أحدكم إمعة يقول إن أحسن الناس أحسنت وإن أساءوا أسأت، لكن ليوطن نفسه إن أحسن الناس أن يحسن وأن أسأؤوا أن يتجنب إساءتهم) أو كما قال.. فماذا يفيد التلميذ أن يرسب مثله كل التلاميذ، بل عليه أن يتطلع إلى المعالي وأن يتشبه بأهلها وأن يقتبس منهم حسن التصرف يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق الناس بها).

مجاملة زائر مفاجئ، والجواب أن من فاجأك بزيارة فمن حقك أن تفاجئه بقطعها، ليس طبعا بفظاظة، لكن أعلمه بأنك على موعد سابق وأنه يمكنكما اللقاء في موعد لاحق، وإن رأيت منه استنكارا، فقل له هل تحب أن يكون لي موعد معك فأتأخر وأتركك تنتظر. البعض يحاول تجنب هذا الموقف ويخرج مبكرا ربع ساعة مثلا بحيث إن قابله زائر عند الباب استطاع أن يجامله ولكن ماذا إن وجد زائرا ثانيا وهو خارج مع الأول، قال أحدهم لصاحبه وهو يحاوره: إنني أصاب بأرق شديد ليلة السفر فبماذا تشير عليّ فقال له: سافر قبلها بيوم.

عدم تقدير الزمن اللازم للوصول، فعلى المرء أن يحسب تأخره لتعطل سيارته أو ازدحام الطريق بسبب مظاهرة أو حادث أو أي أسباب أخرى لا يمكن التنبؤ بها، أو إذا كان ينوي قضاء مصلحة على الطريق كشراء سلعة أو اصطحاب صديق، ثم ماذا يضرك أن تصل قبل الموعد بقليل: (أن ترد الماء بماء أكيس) أي خير لك أن يكون معك بعض الماء وأنت متوجه للبئر.

تغيير الاتفاق من طرف واحد، ففي أثناء توجهك إلى موعدك يقابلك شخص فيطلب منك أن توصله إلى مكان كذا لأنه على موعد هام فتستجيب وتتأخر عن موعدك، والصحيح أن تعتذر له وأن تحل مشكلته على حسابه وليس على حساب الآخرين، وهذا لا يتنافى مع المروءة، بل من المروءة أن لا تخلف وعدك، ولو كان موعد ذلك الشخص مهما كما زعم لما وضع نفسه في ذلك المأزق.

أن يضن المرء بوقته أن يضيع في المواصلات، فإذا كانت المواصلات تحتاج إلى ساعة خرج من منزله قبل نصف ساعة من الموعد وهذا خطأ من جهتين، فإنه أناني يضن بوقته ولا يضن بوقت المنتظرين على الجمر، ومن الجهة الأخرى يخدع نفسه كمن يقدم ساعته عشر دقائق بدعوى أنه إذا قام من نومه انزعج وظن أنه تأخر عن موعد عمله وارتدى ثيابه بسرعة وخرج مهرولا، بينما العكس هو الذي يحدث فهو يعلم يقينا أنه لا زالت لديه عشر دقائق فائضة وربما تسببت في خروجه متأخرا.

البعض يظن أن وصوله مبكرا خفض من مكانته وعلى الآخرين أن ينتظروا وربما تأخر متعمدا من باب: خالف تعرف، ولو تكرر منه ذلك أوغر صدورهم عليه والحكمة تقول من تواضع لله رفعه.

انعدام القدوة، فالطفل ينشأ في بيت لا يحترم المواعيد فهو يرى أباه يخرج إلى عمله أو إلى موعد مضروب متأخرا، وكذلك أمه وإخوانه. والمدرسة تجلده إذا تأخر خمس دقائق صباحا ثم تصرفه إلى المنزل قبل الموعد بساعة لعدم وجود مدرسين أو لانقطاع الماء وفراغ الصهريج والأغلب دون أن تحترم حقه في أن يعرف لماذا؟ أو تصرفه متأخرا ساعة بحجة حصة إضافية قفزت إلى ذهن المدرس فجأة أو ليعوض حصة في اليوم التالي سيتعذر عليه حضورها لمثوله أمام لجنة المعاينات للاغتراب.

وقد يجلس التلميذ في الفصل بعد أن يجلد صباحا لتأخره ست حصص لا يدخل إليه مدرس واحد فالمدرسة تغفر لنفسها ست ساعات وتعاقب الطفل على خمس دقائق فتأمل!.

وكذلك يكتشف الطفل من سن مبكرة أن جدول الحصص لا قيمة له فلا أحد من المدرسين يلتزم بالجدول فيضطر أن يحمل حوالي 5 كيلوجرامات من الكتب والكراسات والمذكرات يوميا على كتفه ذهابا وإيابا تحسبا للمفاجآت المؤكدة.

قرأت قبل سنتين في الجريدة قائمة بأسماء ووظائف ثمانية عشر وكيل وزارة اتحادية تخلفوا عن حضور اجتماع دعاهم إليه رئيسهم ومن شدة غيظه وحنقه نشر تلك القائمة والأغرب أن بعض الناس انتقد ذلك التصرف واعتبره تشهيرا وإشانة سمعة (شيل حال) ونشرا للغسيل القذر بينما الحق إنه لا يمكنك إصلاح الخلل ما لم تعترف به وتسائل فاعله وألا تساوي المخطئ بالمصيب قال - تعالى -: (أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين *  في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار) [سورة ص آية 28].

وكيف يكون نشرا للغسيل القذر، وقد قال سيدنا لوط: (أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر) [سورة العنكبوت آية 29] فهل هناك غسيل أوسخ من هذا؟

وأخيرا لا يتقدم شعب لا يحترم الزمن .. ثم ما هو رمز بريطانيا الأعظم؟ ساعة بق بن..

 

 2008-03-20 م

 

http://www.meshkat.net/new/contents.php?catid=6&artid=8237                المصدر: