صور من العجلة المذمومة
يقول الله جل جلاله في كتابه العزيز: {خُلِقَ الإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُوْرِيكُمْ ءايَـاتِى فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ} [الأنبياء: 37]، وقال أيضاً جل جلاله: {وَيَدْعُ الإِنْسَـانُ بِالشَّرّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنْسَـانُ عَجُولاً} [الإسراء: 11].
أيها الإخوة وصف الله الإنسانَ بأنه عجول، أي: بأن فيه عجلةً في أموره، وتسرُّعاً في أحواله كلِّها؛ لقصور علمه وقلة إدراكه كانت تلك العجلة فيه، وهذا لَفْت نظرٍ له ليتحلى بالصبر والأناة، ويكبح جماحَ النفس المائلة إلى العجلة في الأحوال كلِّها، ولذا النبي يقول: ((من حُرم الرفقَ حُرم الخيرَ كله))رواه مسلم، ويقول: ((ما وُضع الرفق في شيء إلا زانه، ولا نُزع الرفق من شيء إلا شانه) رواه مسلم، فالرفق في الأمور كلِّها مصلحة للعبد في دينه ودنياه، فيدرك برفقه وحكمته وأناءته ما لا يدركه في طيشه وعجلته وتسرُّعه.
فكم يفوت عليه بالعجلة أمور يندم على فواتها، وكم تعود العجلة عليه بأمور يندم على فعلها. ولذا شرع النبي للمسلم صلاةَ الاستخارة قبل أن يُقدم على أمرٍ ما من الأمور، ليسأل الله: إنْ يكن هذا الأمر خيراً له في الدين والدنيا وعاقب الأمور أن ييسره الله له ويعينه عليه، وإن يكن شرا له في دينه ودنياه وعاقبة أمره أن يصرفه الله عنه، وما ندم من استخار.
أيها المسلم: وإذا تأمَّل المسلم كتابَ الله وسنة محمد حقَّ التأمل رأى أن العجلةَ مذمومة، وأنه لا خير فيها، أعني العجلة في غير ما أُمرت به من الأوامر الشرعية، فالعجلة في الأمور والتصرفات تعود على الشخص بالندامة شاء أم أبى، جاء في الحديث الحسن (التأني من الله والعجلة من الشيطان)
فمن ذلكم ـ يا عباد الله ـ نقلُ الأخبار وإشاعتها، يكون عند بعض الناس عجلة في ذلك فإذا سمع الخبر نشر ذلك الخبر وأشاعه من غير تثبت، أهذا الخبرُ حق أم باطل؟ أصدقٌ أم كذب؟ ومع انتشار التقنية في هذه الأيام بات أمر الإشاعة من الأمور الظاهرة فرسائل الجوال أو منتديات الانترنت قد تحمل إليك كثيراً من هذه الأخبار الغير متثبتاً منها.
ومن العجلة المذمومة الحكمُ على الأشخاص، وإصدار الحكم على فلان وفلان، بأن فلاناً فاسق، وبأن فلاناً مجروح العدالة، وبأن فلاناً كافر، وبأن فلاناً ذا رأي مخالف للشرع، أو مبتدع ونحو ذلك مما قد يستعجل فيه البعض من غير خوف من الله وورع وتأكُّد.
أيها المسلم: لتعلم أن الله محاسبك على كل ما تقول، فإذا حكمتَ على أيٍّ كان بحكم فاعلم أن الله سائلك عنه، تحكمُ عليه بالبدعة اللهُ سائلك عن ذلك، تحكمُ بالفسق أو تحكم بالكفر أو تحكم عليه بالعلمانية أو تحكم عليه بأي وصف كان، فاتق الله في حكمك قبل أن تُصدره، ومن قال لأخيه: يا عدو الله، وليس كذلك إلا حار عليه، أي: رجع عليه. هكذا يقول النبي كما في الصحيحين.
أيها المسلم: إن الله أمرك بالعدل في قولك مع العدوِّ والصديق: {وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8]، مع العدوِّ والصديق، أحكم بالعدل لا بالهوى والظنون الباطلة، ولهذا الله - جل وعلا - قال للمؤمنين: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ إِن جَاءكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُواْ أَن تُصِيببُواْ قَوْمَا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُواْ عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَـادِمِينَ} [الحجرات: 6].
ومن صور العجلة المذمومة، بل من أشدها ما يقوم به أصحاب الفكر المنحرف من قتل وإرهاب وتكفير وتخريب بداعي نصرة الدين والدين منهم برئ ولو أنهم سألوا أهل العلم المعتبرين وتفقهوا في الدين وضبطوا عاطفتهم بذلك الميزان لما استعجلوا فوقعوا في الحرام والجرم الكبير.
أيها المسلم: وتذمُّ العجلة في تسرُّع بعض الناس في الطلاق، واستعجال بعض الرجال في إطلاق لفظ الطلاق على امرأته من غير أناءة في الأمور، مجرَّد خصام، مجرَّد نزاع، اختلافُ وجهة نظر، عدمُ قيام المرأة بشيء من الواجبات، تقصيرها في بعض الأمور، يؤدِّي بالبعض أن يتسرَّع فيطلِّق المرأة لأتفه الأسباب وأحقرها، ولسبب لا يستحق شيئاً من ذلك، يهدم بيته، يفرِّق أسرته، يشتِّت أولادَه، لماذا؟ لبعض الأمور التي يمكن تلافيها والصبر عليها: ((فإن المرأة خلقت من ضلع وإن أعوج ما في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج)) أخرجه البخاري ومسلم. و((لا يفرك مؤمنٌ مؤمنة إن سخط منها خلقاً رضي منها آخر) رواه مسلم.
أما التسرُّع في الطلاق وعدم المبالاة به فذاك خطأ من بعض الناس وعجلة مذمومة، والطلاق إذا تلفظتَ به وقع: ((ثلاث جدُّهنَّ جدّ وهزلهنّ جدٌّ: الطلاق والنكاح والرجعة)) رواه أبو داود بسند حسن.
ومن العجلة المذمومة سرعةُ الانفعال في أدنى خصومة مع الأولاد أو مع الآخرين، والغضب لأتفه الأسباب وقد كانت وصية النبي - صلى الله عليه وسلم-: (لا تغضب).
من العجلة المذمومة ما يسلكه بعضُ قائدي السيارات في استعجالهم في سيرهم ومخالفتهم أنظمةَ المرور، وتجاوزهم الحدَّ في قيادة السيارة حتى يؤدِّي بنفسه إلى الهلكة ويضرَّ الآخرين، ويحدث من المصائب ما الله به عليم. فكم من قائدٍ لسيارته لا يبالي وقتَ قيادته، فربما أهلك نفسه أو غيره فليتق المسلم ربَّه وهو يقود سيارته، وليراعِ الأنظمةَ المعتبرة، وليروِّض نفسه على الأناءة حتى يسلمَ من تلكم العجلة المذمومة، انصرف النبي منصرفَه من عرفة إلى مزدلفة وكأن الناس أسرعوا واستعجلوا فخاطبهم النبي - صلى الله عليه وسلم- : ((السكينةَ السكينة)) رواه مسلم.
وكان في سيره متأنياً مع زحمة الناس في تلك الحجة، إن رأى سعةً أسرع، وإن رأى ضيقا وزحاماً تأنى، عجبت كما عجب غيري حين ذكر تقرير إدارة المرور أن حوادث السير خلفت أكثر من خمسة آلآف قتيل، وأكثر من ستة وثلاثين ألف مصاب.
أيها المسلمون: ومن العجلة المذمومة استعجالُ الداعي في دعائه، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم- أمرنا بالدعاء، ونهانا عن العجلة في طلب الإجابة، وقال: ((يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوتُ دعوت فلم يستجَب لي، فيستحسر ويدع الدعاء)) رواه البخاري ومسلم.
والمسلم يعلم أنه يدعو ربًّا كريماً قريباً مجيباً، لكن له - تعالى - حكمةٌ في تأخير إجابة دعائك، فربما كان في التأخير خيراً لك، وأن في إجابة دعائك ضررًا عليك، وربما أُخِّرت إجابةُ دعوتك لتقوى رغبتُك إلى ربك، ويعظم في قلبك تعظيم ربك وكمالُ الافتقار والاحتياج إليه، وذاك أعظم فضلاً لك من أن تقضَى حاجتك.
أيها المسلم: ومن العجلة المذمومة تسرُّع بعض الرجال عندما تُخطَب منه الفتاة بنتاً كانت أو أختاً دون أن يتروَّى في الأمر وينظر: هل هذا الخطيب الذي تقدَّم لابنته مؤهَّل لها أم لا؟ ليبحث عن أحواله، عن صفاته وأخلاقه، ويوضح للفتاة كلَّ أمر، حتى يكون الإقدام مبنياً على تروٍّ وبصيرة، من غير أن يندم الأب أو الزوج بعد ذلك، فالتأني في الخطبة ونظر حال المخطوب وتأمُّل الخاطب أيضاً لمن خطبها، كلُّ التأني في هذه الأمور يعود على الإنسان بالخير في الحاضر والمستقبل.
ومن العجلة المذمومة العجلةُ في الصلاة، فإننا مأمورون في الصلاة بأن نقتدي بإمامنا، وأن لا نسابقه في كل الحركات: ((إنما جُعل الإمام ليؤتَمَّ به، فإذا كبَّر فكبِّروا، ولا تكبِّروا حتى يكبِّر، وإذا ركع فاركعوا، ولا تركعوا حتى يركع)) رواه أحمد بسند صحيح، ويقول أيضاً: ((إني إمامُكم؛ فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالانصراف) رواه مسلم. وقال بعض السلف لمأموم سابقَ إمامه: "لا وحدك صليتَ، ولا بإمامك اقتديت".
ومن العجلة المذمومة العجلةُ في أداء الصلاة، والإسراع في أداء أركانها، وفقدان الطمأنينة في أدائها، والنبي - صلى الله عليه وسلم- أمر من أساء في صلاته أن يعيدها، وقال له: ((صلِّ فإنك لم تصلِّ)).
فواجب المسلم الطمأنينة في صلاته، وأن لا يؤديَها بعجلة بل بتأنٍّ، مستكملاً كلَّ ركن وأذكارَ كلِّ ركن، حتى يؤديَها الأداء المطلوب شرعاً، وأنا أؤكد على عدم العجلة وخاصة في قضاء الفائت من الصلاة فأني ألحظ شيئاً من العجلة في ذلك.
أيها المسلم: وأما أوامر الله لك من صلاة وزكاة وصوم وحج فالواجب المبادرة، [كما قال موسى - عليه السلام -: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبّ لِتَرْضَى} [طه: 84]، فالصلوات الخمس شُرع لنا أداؤها في أول الوقت، ولهذا النبي - صلى الله عليه وسلم- يقول لما سئل: أي الأعمال أحبُّ إلى الله؟ قال: ((الصلاة على وقتها)) أخرجه البخاري ومسلم.
ووجب على المسلم أن يبادر بأداء زكاة المال إذا مضى الحول، فإن أداءها على الفور واجب.وأداء الصيام والحج كل ذلك مما يجب المبادرة [فيه]، بأداء أركان الإسلام والمسابقة على الأعمال الصالحة: {سَابِقُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الحديد:21].