السودان في مواجهة المشكلات المعقدة

عاصم السيد

1/6/1429هـ الموافق له 5/06/2008م

ما يكاد السودان يخرج من مشكلة حتى يدخل في الثانية والثالثة دون توقف أو انقطاع، والأخطر من ذلك أن كل مشاكله من النوع الكبير والمعقد الذي تم نسجه بخبث وبطء.

فما كاد السودان يضع حدّاً للصراع مع الحركة الشعبية في الجنوب من خلال اتفاقية "نيفاشا" للسلام عام 2005م؛ تلك الحركة المدعومة من الغرب وإسرائيل؛ حتى برزت مشكلة دارفور التي كانت أحداث أم درمان الأخيرة انعكاساً لها.

وآخر مشكلات السودان هو تجدد الصراع والاشتباكات بين الحكومة والحركة الشعبية حول منطقة "أبيي" الغنية بالبترول، والتي تشكل الحدود بين الشمال والجنوب، الخلاف بين الشماليين والجنوبيين حول أبيي مرجعه إلى البروتوكول الذي وضعه الأمريكان، والذي اعتمد على فكرة تحديد حدود "أبيي" أولاً، وعلى أن هذه الحدود ترجع لعام 1905م، ثم إعطاء السكان داخل الحدود حقّ تقرير مصيرهم في الانضمام للدولة القومية في الشمال، أو الانفصال وتأسيس دولة للجنوبيين.

قبل البروتوكول الذي وضعه الأمريكان كان الحديث يدور في الأوساط السياسية عن حدود منطقة "أبيي" في عام 1956م، ولكنَّ الطرفَيْنِ فشلا في تحديد حدود 1905م، ويبدو أن الأمريكان خَطَّطُوا لذلك جيداً، وكانوا حريصين على التسبب في هذه المشكلة لتأكدهم من عدم وجود خرائط قديمة تُعِين على تحديد تلك الحدود حسب ما كانت عليه عام 1905م، ولذلك فَشِلَتْ لجنة الخبراء في الوصول إلى أي حل، وبدلاً منْ أنْ تُقِرَّ اللجنة التي تشكلت لحل مشكلة الحدود بالفشل في مهمتها؛ قامت باقتراح حدودٍ من عندها، وهذه الحدود تفوق ما كان يحلم به الجنوبيون أنفسهم، وتضر بمصالح الشماليين.

ومن هنا نشأت الأزمة فحزب المؤتمر الوطني يرفض تقرير الخبراء بحجة أنه تجاوز الصلاحية الممنوحة بالاتفاق، أما الحركة الشعبية لتحرير السودان فتتمسك بتقرير الخبراء، وتقول: إنه ملزم، ووقف الطرفان عند هذه النقطة، ولا بد أن يتم حل هذه الأزمة عبر توافق سياسي بين الطرفين؛ لأنها يمكن أن تؤدي إلى نشوب الحرب مرة أخرى.

ومن أجل تعقيد الأمور، وكسب نقاط تفاوضية عَيَّن الجنوبيون إدارياً لأبيي في وقت سابق من العام الجاري - في خطوةٍ انتقدها الحزب الحاكم - الذي له مسئوله في أبيي، وبعد اقتراح لجنة الخبراء اقترحت الحكومة السودانية إدارةً مشتركة بين الشمال والجنوب لمنطقة أبيي، ولكنّ مسئولي الحركة الشعبية رفضوا الاقتراح.

ويأتي تصاعد أحداث أبيي في وقت لم تتعافى البلاد من أحداث أم درمان الأخيرة التي قامت بها حركة العدل والمساواة المتمردة بمساعدة تشاد؛ حيث تأكد الجميع أن هذه الأحداث ما هي إلا حلقةٌ جديدة من حلقات المشكلات الكثيرة والمتعددة التي كُتِبَ على الحكم الحالي أنْ يواجهها بشكل منتظم ومستمر.

فهذه الأحداث - من ناحيةٍ - تعبيرٌ عن أزمة دارفور وانعكاس لها، ومن ناحيةٍ أخرى انعكاسٌ لتوتر في العلاقات مع إحدى دول الجوار الكثيرة والمتعددة، وكانت أزمة دارفور قد بدأت في الظهور في النصف الأول منذ عام 2003م، وتطورت لأسباب عديدة، وتدخلت فيها أجندات إقليمية ودولية، واتسع نطاقها إلى الوضع الحالي الذي يتميز بكثير من التعقيد، فضلاً عن تشرذم الحركات المسلحة بها، وإدخال القوات الدولية إلى الإقليم.

 

مرحلة تحولات مفصلية:

اتفاقية نيفاشا للسلام التي تم التوقيع عليها في يناير 2005م بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان كانت تأسيساً لواقع جديد ومغاير للواقع القائم والذي كان قائماً، فالاتفاقية لم تقتصر على إنهاء الحرب الأهلية في الجنوب فقط؛ ولكنها وضعت أسساً جديدة لتقسيم السلطة والثروة في البلاد عبر البرتوكولات الستة التي تتكون منها الاتفاقية، بالإضافة إلى أنّ الاتفاقية نصَّتْ على أن جنوب السودان من حقه تقرير مصيره في الاستفتاء عام 2011م أي في نهاية الفترة الانتقالية.

الواقع الجديد الذي أسست له اتفاقية نيفاشا هو تقسيم السودان إلى إقليمين: إقليم الشمال ويتكون من 16 ولاية، وإقليم الجنوب ويتكون من عشر ولايات، والإقليم الجنوبي تديره حكومة إقليمية خاضعة للحركة الشعبية لتحرير السودان، وبصلاحياتٍ شبهِ مُطْلَقَةٍ في المجالات الأمنية والسياسية، كما أصبح للجنوب الحق في الانفصال أو البقاء في إطار السودان الجديد، أما الحكومة القومية فهي تحتفظ بوضع السياسات العامة للبلاد، والتمثيل الخارجي.

وهكذا فإن ما يحدث الآن ما هو إلا محاولاتٌ مستميتة من أقاليم معينة للحصول على نصيبها من الثروة والسلطة، وقد جاءتْ تلك المطالبات بالتحريض الغربي من جهة، وبأخطاء حكومة الإنقاذ من جهة ثانية.

 

معارضة والمصالح الوطنية:

الأحداث الخطيرة والجسيمة تتوالى بينما المعارضة غارقة في صراعها مع السلطة، مرددةً لخطابها التقليدي المعهود، مُصِرَّةً على مصالحها الضيقة.

وما يثير الاستياء والاشمئزاز أنّ هناك قطاعاً من المعارضة مسلحاً خائناً، متحالفاً مع الخارج، فما قامت به حركة العدل والمساواة من حركة انقلاب وتمرد فاشلة يُعَدُّ أحد الانعكاسات، أو ردود الفعل المتأخرة للانقسام الذي وقع في صفوف نظام الإنقاذ عامي 1999م و2000م، ويمثل انعكاساً للضغائن التي صاحبتْ هذا الانقسام، فخليل إبراهيم الذي كان قياديّاً نشطاً في التنظيم الإسلامي، ومسئولاً عن قطاع دارفور؛ انحاز إلى الترابي عند وقوع الانشقاق، وبقي فاعلاً في صفوف المؤتمر الشعبي إلى أن أعلن خروجه إلى العمل المسلح، والأمر نفسه ينطبق على عددٍ كبير من قيادات الحركة، وهذا ما يفسر رغبتهم الشديدة في الانتقام من رفاقهم السابقين، ونظرتهم للحكم على أنه مغانم يجب ألّا يضيعوها.

وهكذا فإن القطاع الأكبر من المعارضة لا يقيم الأمور على أسس وطنية واستراتيجية ولكنه يتحرك بدافع انتقامي، ولا يرى الخطر الذي يهدد وجود كل السودان، ولا يُمْكِنُ أن نُغْفِلَ أنّ هناك أطرافاً ضعيفة الصلة بالدولة المركزية، وتضم بينها عملاء للغرب ممن درسوا وتربوا في الخارج.

 

تواطؤ غربي صهيوني:

المخططات الغربية المتواصلة ضد السودان تريد ضرب الْهُوُيَّة العربية الإسلامية للسودان، وتشجيع النعرات الإفريقية لبعض الأقاليم حتى يتم توفير المناخ الملائم لحركاتِ انفصالٍ مستمرة تنتهي بانشطارِ وتشظي السودان إلى أقاليم صغيرة منفصلة ضعيفة.

والمخططات الأمريكية والغربية حاضرة بقوة في السودان على غرار ما حدث في العراق من إسقاط للدولة، ثم إعادة تأسيس العراق على أساس عِرْقي ومذهبي (سنة، وشيعة، وأكراد).

فالغَرْبُ يُزْعِجُه أن يكون السودان أكبر دولة عربية وإسلامية من حيث المساحة، بما فيه من موارد اقتصادية متعددة ومتنوعة، فالسودان بما يملكه من موارِدَ وثروات غير مستغلة يمكنه أن يخرج العالم العربي من التبعية الاقتصادية للغرب، ويحقق له الاكتفاء الذاتي من المواد الغذائية.

وقد كانت الاستراتيجية الأمريكية في السودان تقضي بإزاحة نظام الرئيس البشير بسبب توجهاته السياسية المعادية للولايات المتحدة، ومن هنا اعتمدت السياسة الأمريكية آلياتِ الضغط على نظام البشير، وحصاره من الخارج، وتشجيع المعارضة الداخلية، ولكنّ هذه الاستراتيجية لم تنجح، فتم تغييرها إلى إقرار التسوية مع الحركة الشعبية في الجنوب، على أن تتضمن هذه التسوية بعض الأسس التي تؤدى إلى إحداث تحولاتٍ ينتج عنها بالتدرج إزاحة نظام البشير من الحكم.

أما الدور الإسرائيلي في أزمة جنوب السودان فهو معروف للجميع؛ حيث دعم الصهاينة حركة التمرد في الجنوب تنفيذاً لاستراتيجيتهم التي وضعوها في الخمسينات، وأطلقوا عليها استراتيجية "شد الأطراف وبترها".

 

الدور المصري المعزول أمريكياً:

كان يمكن لمصر أن تلعب دوراً أكثر فاعلية في الملف السوداني بالتعاون مع بعض الأطراف العربية والإفريقية، إلا أن الولايات المتحدة أصَرَّت على عَزْلِ الدور المصري، وإبعاد مصر عن الملف السوداني.

والموقف المصري الذي تريد الولايات المتحدة عزله عن الشأن السوداني تَبَلْوَرَ في شكل دعمٍ واضحٍ مادي ومعنوي لحكومة الخرطوم، ظهر جَلِيّاً في التصدي لأحداث أم درمان الأخيرة، وهذا الدعم نابعٌ من إدراك مصر أن ما يحدث في السودان ليس شأناً داخلياً وإنما هو أَمْرٌ يَخُصُّ الأمن القومي المصري؛ لأن عدم الاستقرار السياسي في السودان قد تكون له آثارٌ اقتصادية وسياسية سيئةٌ على مصر، ففي حالة حدوث قلاقل في الخرطوم مثلاً كتلك التي حدثت مؤخراً فإنه سيترتب على ذلك حدوث نزوح جماعي للاجئين الفارين من الحرب تجاه دول الجوار ومن بينها مصر، كما أن خروج الوضع في السودان عن حدود السيطرة قد يؤثر على مساعي مصر لزيادة حصتها من مياه النيل مُسْتَقْبَلاً، خاصةً وأن مصر تشهد حالياً حالةً من الندرة المائية أدى إليها تزايد عدد السكان، مع ثبات كمية المياه الواردة إليها منذ اتفاقية عام 1959م.

وتقوم رؤية الدولة المصرية لدورها في السودان على أساس إبقاء السودان مُوَحَّداً، مع إعادة توزيع السلطة والثروة بشكل متساوٍ على أساس مبدأ المواطنة، وهذه الرؤية كان يمكن أن تنجح لولا اصطدامها بمبادرة "الإيغاد" المدعومة من الولايات المتحدة، وبعض الدول الأوروبية، وهي المبادرة التي تُخير الفرقاء السودانيين بين أمرين: فإما السودان الموحد العلماني الذي لا يوجد فيه مكانٌ للشريعة الإسلامية، وإما حق تقرير المصير للجنوب.

http://islamtoday.net/albasheer/show-articles-content.cfm?id=72&catid=76&artid=12881