جريمة حرب لا لعبة أرقام

 نقولا ناصر

 

عندما نشرت مجلة "لانسيت" الطبية عام 2006م تقريرا عن سقوط أكثر من (600) ألف مدني عراقي، نتيجة الاحتلال الأميركي، سارعت واشنطن وبغداد إلى رفض نتائج التقرير، والتشكيك في مصداقيته أرقامه ومنهجيته، متجاهلين أن جوهر قضيته هو جريمة حرب لا لعبة أرقام، ليقول الرئيس بوش: "إنني لا أعتبره تقريرا ذا مصداقية"، وليتناغم معه من العاصمة العراقية المنكوبة، المتحدث باسم المنطقة الخضراء علي الدباغ، قائلا: "إن التقرير يتخطى الواقع بطريقة غير معقولة"، بلغة مشتركة كانت وما زالت منفصمة عن العلاقة تماما بالجريمة ضد الإنسانية الجارية في العراق منذ خمس سنوات، وكأنما إزهاق أرواح (600) ألف مدني عراقي جريمة حرب جديرة بالنفي والتشكيك، لكن إزهاق أرواح عدد أقل بهذا القدر أو ذاك، ليس جريمة تقتضي المساءلة.

وتنشر بين وقت وآخر دراسة جديدة عن الكارثة الإنسانية المستمرة في العراق، وكل هذه الدراسات تتحول بسرعة إلى "لعبة أرقام"، تطمس حجم جريمة الحرب ضد الإنسانية التي ترتكبها الولايات المتحدة بدل أن تسلط الأضواء عليها. وكان "الإحصاء" الأحدث عبارة عن مشروع مشترك بين الحكومة العراقية تحت الاحتلال ومنظمة الصحة العالمية مولته الأمم المتحدة بمبلغ يزيد على مليون ونصف المليون دولار، بعد أن تحول دور المنظمة الدولية من الحفاظ على السلم العالمي، ومنع الحرب حسب ميثاقها إلى "عداد" لضحايا الحرب من المدنيين، دون أن يتم تغيير هذا الميثاق.

ومن الملاحظ أن نتائج الدراسة العراقية — الأممية الجديدة يوم الأربعاء الماضي، نُشرت في مجلة "نيو انجلاند جورنال اوف ميديسن"، وليس عبر وسيلة إعلام تابعة لأي من شركاء الدراسة، إيغالا في تضليل الرأي العام العالمي من أجل تعزيز مصداقية وحيادية للدراسة يفتقدهما من قاموا بها.

كما أن توقيت نشر هذه الدراسة، يثير استفهاما حول زامنه مع الذكرى السنوية الأولى لخطاب الرئيس الأميركي بوش الذي ألقاه في العاشر من يناير عام 2007م، وأعلن فيه عن إستراتيجيته الجديدة، آنذاك، لتأمين الحماية للمدنيين العراقيين انطلاقا من العاصمة بغداد عن طريق زيادة عديد قوات الاحتلال الأميركي في العراق.

وخلص "الإحصاء العراقي الأممي"، إلى أن (151000) مدني عراقي قتلوا في الفترة من الشهر الثالث عام 2003 إلى الشهر السادس من عام 2006م، وكان متوقعا أن يثني وزير الصحة العراقي صالح مهدي الحسناوي على الدراسة باعتبارها "مسحا موثوقا جدا"، لكنه لم يقنع زميله في وزارة "حقوق الإنسان" العراقية، التي قالت في تقرير لها في الرابع من الشهر الجاري، إن ما لا يقل عن مليون ونصف المليون أرملة عراقية مسجلة لدى الحكومة، معظمهن فقدن أزواجهن في الحرب الأمريكية على العرق منذ الغزو عام 2003م.

وربما يكون محبطا لوعود بوش بالأمن للعراقيين، أن يُقتل الشريك العراقي في إعداد المسح، لؤي حقي رشيد، وهو في طريقه إلى العمل في الشهر الثامن من العام المنصرم، قبل مقتل زميل آخر له بعد فترة وجيزة، وعلى هذا، لم تتمكن الدراسة "لأسباب أمنية" من تغطية "مائة" منطقة في بغداد والانبهار، أو كما قالت النيويورك تايمز حوالي (11) في المائة من المناطق التي كان من المقرر أن يزورها موظفو "الإحصاء الموثوق جدا".

ولا بد أن يكون محبطا لبوش أيضا، أن بغداد ما زالت دون أمن أو أمان، بعد مضي أكثر من عام على إعلان "إستراتيجيته الجديدة"، إذ إن أكثر من نصف الوفيات سُجلت في بغداد، على ذمة الاسوشيتدبرس في التاسع من الشهر الماضي، وإن زيادة عدد قواته المحتلة بموجب هذه الإستراتيجية، قد تحول إلى سبب إضافي لقتل المزيد من المدنيين العراقيين، بدلا من توفير الأمان لهم، كما ادعى، إذ قال الدكتور "تايز بويرما"، مدير الإحصاءات بمنظمة الصحة العالمية، إن "الوفيات" التي ذكرتها الدراسة "العراقية الأممية" "لا تشمل حوادث السيارات ولا تشمل الإصابات غير المقصودة...إن الوفيات الناجمة عن الصراع المسلح تزيد على ثمانين بالمائة من الوفيات الواردة في التقرير".

أما صحيفة "الكريستيان ساينس مونيتور"، فقد اقتبست من التقرير إياه أن "العمليات العسكرية الأميركية" مسؤولة عن "تسعة من كل عشر وفيات تقريبا" وردت في التقرير.

وكان تقرير منفصل لمنظمة "اراك بودي كاونت — آي بي سي"، التي تعمل مع مجموعة أبحاث اوكسفورد، قد حمل قوات الاحتلال الأميركي المسؤولية عن "37 في المائة من عمليات القتل"، بينما "قتلت القوات المعارضة للاحتلال تسعة في المائة من الضحايا المدنيين". ولم يكن البيان الذي أصدرته قوات الاحتلال يوم الاثنين الماضي، واعترفت فيه بقتل المدنيين في الإسكندرية جنوبي بغداد يوم السبت قبل الماضي، إلا توكيدا نادرا لمسؤولية قوات الاحتلال عن مقتل المدنيين العراقيين.

كما قد يخيب أمل بوش، مما أعلنه قائده العسكري في العراق، الجنرال ديفيد بترايوس، الشهر الماضي، بأن حوالي أربعين ألف مدني عراقي "ماتوا" بين الشهر الأول من عام 2006م إلى الشهر الأخير من عام 2007م، بينما أوردت وكالة الاسوشيتدبرس في التاسع من الشهر الماضي رقما أقل (37547) قتيلا، بسبب الحرب طبقا لتعداد قالت الوكالة إنها بدأته مع تسلم رئيس الوزراء نوري المالكي لمهام عمله في 28 ابريل 2005م، لتدحض بذلك تصريحات المالكي عن الأمن المزعوم، الذي تحقق في عهده، بعد أن أعلن تأييده لإستراتيجية بوش الجديدة لإحلال الأمن في العراق، هذا الأمن الموعود الذي تبددت أوهامه مع تمزيق جثث (99) مدنيا عراقيا سقطوا ضحية تفجيري بغداد يوم الجمعة قبل الماضي في أكثر أيام عاصمة الرشيد دموية منذ 18 إبريل السابق، الذي سقط فيه 191 مدنيا.

لكن بوش لا يرعوي ولا يردعه الفشل الثابت لإستراتيجيته الجديدة، وهو مصر على المكابرة في الجرم حتى نهاية ولايته كما يبدو. فقد أسقطت طائراته الحربية على ضواحي بغداد عشرات الآلاف من القنابل منذ أعلن إستراتيجيته الجديدة أوائل العام الماضي لإخضاع العاصمة العراقية، فمنذ عام 2006م حتى نهاية عام 2007م "يرى المرء قفزة من حوالي عشرين ألف باوند من القنابل، التي أُسقطت شهريا، إلى حوالي ثمانين ألفا، ثم إلى مائة ألف قنبلة"، كما قال مارك غارلاسكو من منظمة "هيومن رايتس ووتش" للواشنطن بوست في الخامس من فبراير الجاري.

وأوضحت الصحيفة الأميركية ذاتها أنه "في عام 2006م، أسقطت القوات الأميركية في غارات جوية (62) باوند من القنابل، وفي أوائل عام 2007، كانت الولايات المتحدة تسقط ما بين (10) آلاف و(15) ألف باوند شهريا، وفي النصف الثاني من العام نفسه كانت الولايات المتحدة تقصف العراق بـ(71) ألف باوند من المتفجرات شهريا"، أي بعد عام من إعلان بوش خطته لإحلال الأمن في العراق بدءا من بغداد.

ويمعن بوش في إستراتيجية الفشل بدل أن يرعوي، ففي ميزانيته الجديدة التي قدمها للكونغرس يوم الاثنين الماضي، طلب زيادة الإنفاق العسكري الضخم فعلا، دون الحاجة إلى أي زيادة، حيث الإنفاق العسكري الأميركي أكبر من الإنفاق العسكري للعالم أجمع، بمبلغ يزيد على (515) مليار دولار، أي بزيادة قدرها أقل من أربعين مليار دولار أو سبعة ونصف بالمائة فوق الاعتماد المقرر لعام 2008م.

وكتب جيري وايت في الموقع الالكتروني لـ"الاشتراكي العالمي — وورلد سوشاليست" في الخامس من الشهر الجاري، يقول "إن الإنفاق الأميركي على الحربين (العراقية والأفغانية)، من المتوقع أن يبلغ هذا العام (180) مليار دولار، وكان الكونغرس قد اعتمد فعلا (691) مليار دولار للإنفاق الحربي منذ عام 2001م، والتقديرات أن تكاليف الحربين يمكن أن ترتفع إلى أقل من (900) مليار دولار في الربيع المقبل، ويمكنها أن تقترب من حاجز الترليون دولار بنهاية عام 2009".

أي أن بوش يعد الشعب العراقي بالتصعيد العسكري وبالمزيد من قتل المدنيين والمقاومين في حرب تجهل الأغلبية الساحقة من شعبه، أن إدارته تزج بجيشها الأقوى في التاريخ، منذ خمس سنوات، في حرب ضد شعب، يكاد يكون أعزلا، بلا دولة ولا جيش، بعد أن دمر الغزو الأميركي دولته وجيشه.

وإذا كان البنتاغون فقط هو الذي يتحمل المسؤولية "المراقبة" عن نشر الخسائر الأميركية العسكرية في الأرواح، فإن إحصاء الخسائر العراقية المدنية في الأرواح، لا مرجع لها يوثقها سوى مجموعات متنوعة خارجية، لها توجهاتها الخاصة، بالرغم من صفة "التطوع" الغالبة عليها، والتي يستغلها الغازي الأميركي وأجهزة في حربه النفسية والإعلامية ضمن "لعبة أرقام"، تخدم حربه على الشعب العراقي.

كتب مايكل ذيرين في "اوبن ديموكراسي" في الحادي عشر من يناير الماضي: "إن لعبة الأرقام في العراق قد لا تنتهي، لكن ما تنطوي عليه من حقيقة إنسانية راسخة تظل تتحدث عن نفسها، بصفة مستقلة، وبعيدا عن الجدل العلمي، أن أرواحا كثيرة تزهق في العراق دون سبب، وبحلول عام 2009، ربما يشير الرئيس الأميركي المنتخب الخامس والخمسين إلى تلك الحقيقة الإنسانية ـ ربما بمساعدة بعض الأرقام عن الوفيات ـ ليستنتج بأن غزو العراق لم يكن تلك الفكرة العظيمة، وأنه يمكن بناء الدول وتصدير الديمقراطية دون تدخل عسكري".

إن أي إحصاء رسمي "موثوق جدا" عن خسائر العراقيين في الأرواح، وغالبيتهم الساحقة من المدنيين، لم يتوفر بعد، وربما لن يتوفر أبدا، لأن كثيرا من المسوح والدراسات والإحصاءات لم يتسن لها "لأسباب أمنية" تغطية العراق كافة، ولأن وفيات كثيرة لا يُبلغ عنها، خشية "المضاعفات الأمنية"، أو لأن الوقت لا يتسنى للإبلاغ عنها، لأن الثقافة العربية الإسلامية ترى أن إكرام الميت في سرعة دفنه، غير أن حصيلة جريمة الحرب ضد الإنسانية، هي حصيلة هائلة ومرعبة بكل المقاييس، و"ضخمة"، كما قال الخبيران في الإحصاء بجامعتي ييل وهارفارد كاثرين وجون برانشتاين للاسوشيتدبرس في التاسع من الشهر الماضي.

واللغو الذي تردده إدارة بوش والبنتاغون والببغاوات التي تقلدهما في بغداد عن الحرب على "الإرهاب والقاعدة"، لم ولن ينجح في حجب هول وضخامة الحقيقة الدموية الحمراء، التي تحصد أرواح العراقيين في طول الوطن وعرضه: فكل الضحايا عراقيون، سواء نسبوا للقاعدة أم للبعث أو لجيش المهدي أو لجند السماء أو للعرب أو للأكراد أو للتركمان أو للشيعة أو للسنة أو للنصارى، وكل القتلة أميركيون، يجرمون تحت العلم الأميركي، أو يستظلون به، لكن تحت أعلام طائفية وحزبية وعرقية، خاطها الأميركي لهم، بعد أن صنع من قتلتهم إمعات سياسية، كان يأمل ـ دون أن ينجح حتى الآن ـ في أن تحجب صغائرهم السياسية، الوجه الأميركي القاتل في العراق.

إن استعراض بعض الأرقام التي أوردتها مصادر غير الإحصاء "العراقي — الأممي" الأخير، الذي لم يستطع التعتيم على تفوقها عليه في المصداقية، ليس الهدف منه، كما قال ريتشارد برينان من لجنة الإنقاذ الدولية في نيويورك: "إعطاء رقم مطلق دقيق للوفيات"، بل الهدف هو "إعطاء إحساس بحجم" جريمة الحرب الجارية منذ خمس سنوات، بينما وسائل الإعلام العربية بخاصة، متورطة في تسليط الأضواء على "العملية السياسية" الدائرة في "المنطقة الخضراء" المحاصرة ببحر الدماء العراقية خارجها.

فعلى سبيل المثال، يجدر التذكير هنا، للمقارنة على الأقل، بالدراسة التي أجرتها جامعة جون هوبكنز الأميركية في بلتيمور وجامعة المستنصرية في بغداد، ونشرتها مجلة "لانسيت جورنال" عام 2006م، وقدرت عدد الضحايا العراقيين بأكثر من (655) ألفا.

وفي السابع من الشهر الجاري، استغرب الأستاذ بجامعة كولومبيا الدكتور ليس روبرتس، الذي كان كبير الباحثين الذين أشرفوا على تلك الدراسة، أن دراسته "لم تحظ بأي تغطية تقريبا" في الولايات المتحدة. وفي اليوم نفسه، علق مارك لونغ، مدير دراسات الشرق الأوسط في الجامعة ذاتها، على نتائجها بالقول إنها "تمثل أزمة للسياسة الخارجية الأميركية... وأزمة إنسانية ذات أبعاد ضخمة في بلد يتراوح سكانه بين 25 و26 مليون نسمة، وهي تمثل أيضا أزمة أخلاقية فيما يتعلق بمبادئ الحرب العادلة".

ومن المثير للفضول التساؤل عما كان سيكون تعليق "مارك لونغ" على الدراسة التي نشرتها الهيئة البريطانية "اوبنيون ريسيرتش بزنس — او آر بي" مع شريك عراقي لها هو "المعهد المستقل للإدارة ودراسات المجتمع المدني" في 28 الشهر الماضي، وأكدت فيها تقديراتها السابقة، بأن أكثر من مليون مدني عراقي قتلوا نتيجة الغزو والاحتلال.

وكانت الهيئة في سبتمبر 2007م، قدرت عدد الوفيات بحوالي (1. 2) مليون شهيد، علما بأن هذه الهيئة أسسها الرئيس السابق لعمليات معهد "غالوب" المشهور في المملكة المتحدة، وقد أجرت مسوحات ودراسات لصالح حزب المحافظين البريطاني وهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، مع ملاحظة أن معدي هذه الدراسة لم يستطيعوا الوصول إلى محافظتي كربلاء والانبار "لأسباب أمنية"، بينما "منعوا" من العمل في اربيل العراقية الكردية.

يوم الجمعة الماضي، نقلت السي ان ان في تقرير لها عن العنف ضد المرأة العراقية، اقتبست فيه من منظمة العفو الدولية "امنستي" قلقها من تزايد عمليات خطف واغتصاب وقتل العراقيات، عن فنانة وأستاذة جامعة عراقية، قولها إنه "الخوف، الخوف دائما موجود". وبيئة الخوف والقتل هذه، هي كل ما يحرص المحتل الأميركي على أن يظل سائدا، لإنجاح مشروع احتلاله، ولكي يوفر لأكثر من مائة ألف مرتزق أميركي وغير أميركي، يعملون في "الشركات الأمنية"، بيئة تزيد الطلب على "التعاقد" معهم.

لكن هذه البيئة غير الإنسانية في العراق، لا يبدو أنها تثير أي أزمات إنسانية أو سياسية أو أخلاقية لدى المحيط العربي والإسلامي، وكان جريمة الحرب ضد الإنسانية الجارية هناك تجري في المريخ، وكأنما على عيون هذا المحيط غشاوة تذكرني بوعيد سفير عراقي سابق في دولة عربية: "ويل للعرب أن تمكن العراقيون من فك الحصار عنهم دون مساعدتهم"، وكان يشير إلى الحصار الذي ضرب على العراق عام 1991م، حقا ويل للعرب من عرب العراق، إن خرج العراقيون من محنتهم الراهنة بينما أشقاؤهم يتفرجون، وبعضهم يتعمد حتى أن لا يتفرج، لأن حساسيته ضد العنف مفرطة، إنها ليست لعبة أرقام على الإطلاق، بل هي معركة حياة أو موت!.

 

11-2-2008م

 

http://www.alasr.ws                  المصدر: