حزب العدالة التركي والمقصلة الدستورية
عاصم السيد
22/6/1429هـ الموافق له 26/06/2008م
يواجه حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم مأزقاً سياسيّاً كبيراً بعد الاتهامات الموجهة إليه بانتهاك دستور تركيا العلماني من خلال دعمه لأنشطة إسلامية، حيث قبلت المحكمة الدستورية في مارس الماضي دعوى رفعها كبير ممثلي الادعاء في محكمة الاستئناف يسعى من خلالها لإغلاق الحزب، الدعوى التي رفعها كبير ممثلي الادعاء تهدف أيضاً إلى حظر عمل 71 من أعضاء الحزب في السياسة منهم الرئيس عبد الله جول، ورئيس الوزراء رجب طيب أردوغان.
الجلسة الأولى في إطار محاكمة حزب العدالة والتنمية ستتم في الأول من يوليو المقبل، وسيكون المدعي العام في محكمة التمييز عبد الرحمن يلتشينكايا الذي تقدم بدعوى لحظر الحزب أول من يمْثل أمام قضاة المحكمة الدستورية لتبرير أسباب طلبه حظر الحزب، كما سيقدم ممثلون عن حزب العدالة والتنمية مرافعتهم شفهيّاً أمام المحكمة في الثالث من يوليو، وفي ختام الجلستين ستعين المحكمة مقرراً لإعداد تقرير غير ملزم حول القرار الذي يجب على القضاة اتخاذه، وتحدد المحكمة على ضوء التقرير موعداً للمداولات وصدور الحكم.
قادة الحزب بدورهم يتوقعون أن تصدر المحكمة الدستورية حكماً بإغلاق الحزب خلال الأشهر القليلة المقبلة، وأن يشمل الحكم منع رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان، وعدد من قادة وأعضاء الحزب من ممارسة العمل السياسي، بل ويتوقعون أيضاً منع الرئيس عبد الله جول الذي انتخبه البرلمان العام الماضي رئيساً من الانضمام لأي حزب سياسي لمدة خمسة أعوام، على أن يطبق الحظر بعد انتهاء ولايته.
وكان الكثير من الخبراء والمراقبين يتوقعون أن يسعى حزب العدالة للمواجهة القانونية مع المحكمة الدستورية عبر الإعلان عن الإسراع بدفع رزمة التعديلات الدستورية التي تهدف إلى هيكلة القضاء بشكل عام، والمحكمة الدستورية بشكل خاص؛ خلال الأسابيع القليلة القادمة، وعدم انتظار التعديلات الموسعة للدستور المقررة العام المقبل، وذلك من أجل التقليل من صلاحيات المحكمة في التدخل في العملية السياسية؛ خاصة ما يتعلق منها بغلق الأحزاب السياسية.
وتتضمن تلك التعديلات زيادة نفوذ البرلمان في اختيار أعضاء المحكمة الدستورية، وتقييد سلطة المدعي العام والمحكمة بشأن حل الأحزاب، وذلك عبر رفع عدد أعضاء المحكمة الدستورية من 11 عضواً حالياً إلى 17 عضواً، وأن يتم اختيار القسم الأكبر منهم من قبل البرلمان التركي وليس من قبل رئيس الجمهورية، أي 8 من قبل البرلمان التركي، و4 من مجلس قضاء الدولة، و4 من مجلس شورى الدولة، وعضو من قبل المجلس المحاسبي العام، ثم أن لا يُحظر أي حزب إلا بموافقة البرلمان.
لكن يبدو أن رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان استبعد هذا السيناريو، وجمد خطط الحزب الخاصة بإعداد تعديلات للدستور تمنع المحكمة الدستورية من إغلاق الحزب، واستحداث جوانب جديدة من الحريات؛ خوفاً من أن تؤدي مثل هذه التعديلات إلى إثارة المزيد من التوتر السياسي في تركيا.
مواجهة الواقع الجديد:
وفي حال صدور حكم بإغلاق الحزب سيفقد أردوغان منصبه كرئيس للوزراء، وسيواجه الاتجاه الإسلامي المنفتح الذي يمثله قادة الحزب واقعاً جديداً قد يدفعه للعمل من الصفر مرة أخرى، وتأسيس حزب جديد.
وتتشابه هذه الأزمة مع ما سبق أن واجهه الإسلاميون الأتراك في عهد رئيس الوزراء الأسبق نجم الدين أربكان الذي كان رئيساً لحزب الرفاه الإسلامي؛ عندما صدر حكم بإغلاق الحزب، ومنع أربكان من ممارسة العمل السياسي لمدة خمس سنوات، مما دفع أتباعه إلى تأسيس حزب الفضيلة لممارسة السياسة من خلاله.
الوضع المتأزم الذي يواجهه الحزب يتعدى قضية الحجاب التي لا تعدو كونها إحدى عناصر الأزمة، فمذكرة الدعوى التي قدمها المدعي العام عبارة عن 171 صفحة لا تركز فقط على قضية الحجاب، وإنما تتهم الحزب وقادته بالعديد من الانتهاكات، وممارسة الفساد، والعديد من التهم الخاصة بالأنشطة الاقتصادية، وبتهم رعاية وتشجيع الأنظمة الإسلامية المخالفة لقواعد العلمانية الكمالية المتطرفة التي تُحكم قبضتها على البلاد.
سيناريوهات واحتمالات:
وأمام حزب العدالة والتنمية وقادته عدد من الاحتمالات إذا جاء قرار المحكمة ضدهم.
أول هذه الاحتمالات: تأسيس حزب بديل عن حزب العدالة والتنمية يترأسه أردوغان، ويضم نواب الحزب الذين لم يشملهم الحظر، وهم يشكلون أكثر من نصف عدد نواب البرلمان، وبالتالي يستطيعون تشكيل حكومة جديدة برئاسة أحدهم، فيما يُدير أردوغان الحزب والحكومة من وراء الستار؛ على غرار ما فعله نجم الدين أربكان الذي أسس عدة أحزاب إسلامية حظرها القضاء بعد ذلك.
وثاني هذه الاحتمالات: أنه إذا فرض حظر على أردوغان وعدد كبير من أعضاء الحزب في البرلمان؛ فإنه سيتم على الأرجح إجراء انتخابات برلمانية جديدة، وفي هذه الحالة فإن النواب - ومنهم أردوغان - سيخوضون حينئذ الانتخابات كمرشحين مستقلين، وبمجرد انتخابهم سيشكلون حزباً جديداً يحمل اسماً آخر، وربما يتمكن أردوغان من أن يصبح رئيساً للوزراء في ظل الحزب الجديد، وإذا لم يستطع تحقيق ذلك فسوف يدير الحزب من وراء الكواليس دون أن يظهر بوضوح في الصورة، إلا أن الخبراء في حزب العدالة يتوقعون - في حالة عدم تمكن أردوغان من قيادة الحزب الجديد رسميّاً - أن يكون الحزب في خطر؛ لافتقاده رجلاً في كاريزما وقوة شخصية أردوغان.
وثالث الاحتمالات: أن تسعى الحكومة المقبلة إلى إقرار تعديلات دستورية تبطل أو توقف استمرار الأحكام القانونية بحق أردوغان والقادة الآخرين، ويعود أردوغان رئيساً للحزب الذي سيخلف حزب العدالة والتنمية ولو بعد فترة.
رابع الاحتمالات: أن ينجح رهان حزب العدالة على الضغوط الخارجية؛ سواء كانت من الاتحاد الأوروبي، أو من الولايات المتحدة، والتي سوف تبدأ من الآن وإلى صدور قرار المحكمة المتوقع منع حظر الحزب؛ نظراً لتداعياته الكارثية على الاستقرار في تركيا، وعلى وضعها الاقتصادي، ويتم التراجع عن حل الحزب والنجاة من مقصلة المحكمة الدستورية خاصة وأنه من خلال السوابق المسجلة في تركيا لم ينج أي حزب إسلامي من أية دعوى قضائية رُفعت عليه لحظره.
وقد جاءت بشائر هذه الضغوط حيث حذر الاتحاد الأوروبي من قيام المحكمة الدستورية بحظر حزب العدالة، وقال المفوض الأوروبي لشئون التوسيع "أولي رين" أثناء مناقشة عقدت في البرلمان الأوروبي في ستراسبورج عن تركيا: "إن إغلاق الأحزاب السياسية لا يمكن الاستخفاف به في أوروبا"، وأضاف رين أن الحكم الصادر عن المحكمة الدستورية في تركيا ينبغي أن يكون موافقاً لمبادئ الديمقراطية وسيادة القانون، بما في ذلك مبادئ لجنة البندقية التابعة لمجلس أوروبا.
أما تقرير مؤسسة راند الأمريكية عن الأوضاع في تركيا فقد تعرض لأربعة احتمالات لتطور هذه الأوضاع مستقبلاً:
الأول: استمرار حزب العدالة والتنمية في السلطة لكن بتوجه أكثر اعتدالاً، دون الوصول إلى مرحلة التشريع على الطريقة الإسلامية، ومواصلة الطريق الأوروبي.
الثاني: مجيء حزب بديل عن العدالة والتنمية يتبع سياسات أكثر تشدداً.
الثالث: إغلاق حزب العدالة والتنمية، واستبداله بحزب آخر معتدل.
الرابع: الإطاحة بحزب العدالة والتنمية بانقلاب غير مباشر أو مباشر.
موقف عبد الله جول:
موقف الرئيس عبد الله جول مختلف بعض الشيء؛ فرئيس الجمهورية لا يحاكَم، ولا يُمنع من العمل السياسي إلا بموجب تهمة الخيانة العظمى، لذا فمهما يكن قرار المحكمة الدستورية بحقه فإن جول سيستمر رئيساً إلى حين انتهاء ولايته المحددة بسبع سنوات، لكن بعض المتابعين يرون أنه رغم هذا الوضع فإن مجرد صدور حكم بحق جول سيشكل عامل ضغط أخلاقي عليه لكونه عضواً سابقاً في حزب العدالة والتنمية، وبالتالي قد تشتد الضغوط عليه للتنحي عن منصبه.
استنفار علماني:
لم تكن العلمانية الكمالية المتطرفة ومؤسساتها لتقف مكتوفة الأيدي وهي ترى حزب العدالة والتنمية الإسلامي منذ وصوله إلى سدة الحكم في البلاد يسيطر على مؤسسات البلاد السيادية كالبرلمان ورئاسة الحكومة ورئاسة الجمهورية، وسعيه لتحرير البلاد من سيطرة قبضة العلمانيين المتطرفين عبر إقرار تعديلات قانونية ودستورية مختلفة، آخرها تخفيف القيود المفروضة على حجاب طالبات الجامعات.
ولم يرض العلمانيون أن يكون ردهم على أردوغان وأعوانه هو فقط السعي لدى المحكمة الدستورية لإبطال التعديلات الدستورية الخاصة بالحجاب، وإنما كانت خطواتهم استباقية قاصدة حظر حزب الأغلبية الحاكم نفسه.
العلمانيون يعلمون أن حزب العدالة مدعوم شعبيّاً، وله قاعدة جماهيرية كبيرة، ولذلك فهم يحاولون ألا يحتكموا للشارع، ويفضلون الاحتكام للمؤسسات العلمانية التي شكلوها بأنفسهم، ولذلك فإن كثيراً من الأحزاب العلمانية حذرت حزب العدالة من اللجوء إلى طرح التعديلات الدستورية التي كان ينوي دفعها إلى البرلمان على الاستفتاء الشعبي إذا لم يتم تمريرها في البرلمان؛ شرط الحصول على النسبة المقررة دستوريّاً لتمرير التعديلات الدستورية وهي ثلثا الأعضاء باعتبار أن ذلك سيشكل في نظر كثيرين من العلمانيين استفتاءً على علمانية تركيا، وهو أمر سيمنعه العلمانيون بكل قوة حتى لو كانت قوة الجيش.
وفي هذا الصدد فإن المحكمة الدستورية قد تتعمد تأخير صدور قرارها إلى ما قبل الانتخابات البلدية بوقت قصير جداً؛ بحيث يدخل أي حزب جديد يحل محل حزب العدالة والتنمية الانتخابات البلدية والفرعية النيابية وسط ارتباك وعدم استعدادات، وتحت هول الصدمة، مما يؤثر سلباً على شعبيته، ومهما يكن التراجع حينها ضئيلاً سيفسر على أنه بدء سحب ثقة الرأي العام ممن كانوا سابقاً يمثلون حزب العدالة والتنمية.