كشمير: الملف الضائع بين الهند وباكستان

سمير حسين

24/6/1429هـ الموافق له 28/06/2008م

خمس سنوات من المباحثات المتبادلة بين الهند وباكستان، جولة في نيودلهي وأخرى في إسلام أباد، وقبل هذه السنوات الخمس - ولاسيما بعد انقلاب الجنرال مشرف العسكري في 12 أكتوبر عام 1999م - تراجعت باكستان عن التزامها تجاه كشمير تحت الضغوط الأميركية؛ فقامت بفرض الحظر على المجموعات الجهادية التي كانت تناضل القوات الهندية في كشمير المحتلة، ثم أعلنت الهدنة الأحادية على خط وقف إطلاق النار في كشمير مما منح الهند فرصة لـ"تسييج" الحدود، وتركيب أجهزة مراقبة حديثة عليها (جدار عازل على غرار الجدار الصهيوني).

المهم أنه جرت أربعة أدوار للمفاوضات الشاملة التي تعني حل أهم القضايا بين البلدين ومنها قضية كشمير، وقضية جليد سياتشين، وحدود منطقة سركريك الساحلية، وغيرها، وعقب ذلك قام الجنرال مشرف بتقديم مبادرة جديدة حول قضية كشمير بعد التنازل عن موقف باكستان الثابت.

لكن بعد تقديم كل تلك التنازلات، وإضاعة كل تلك الفترة لم تعد تلك المفاوضات بأي ثمرة، وفي الدورة الرابعة للمفاوضات الشاملة بين باكستان والهند في العاصمة الباكستانية في مايو الماضي؛ اتفق الجانبان من خلالها على "مواصلة عملية الحوار"، والقيام بـ"إجراءات إنشاء الثقة"، مع اعتراف وزير الخارجية الباكستانية شاه محمود قريشي أن تلك المفاوضات الطويلة لم تُثْمِر شيئاً يُذْكَر.

وهكذا تمر السنوات، وتتراجع قضية كشمير من أجندة المفاوضات رغم أنها توضع بالفعل على جدول أعمال كل المباحاثات التي تجري بين نيودلهي وإسلام أباد، ورغم ذلك يضيع الملف إذا ما جلس المتباحثون على طاولة المباحثات، وكأن هناك "جنيّاً هنديّاً" يُخْفِي الملف؛ لتحل مكانه الملفات الأخرى كتسيير الحافلات بين البلدين، أو قضايا المياه، وغيرها من القضايا على الرغم من أن ملف كشمير يُعتبر من الملفات الاستراتيجية بالنسبة لباكستان، والتنازل عن هذا الملف يمثل تنازلاً عن الوجود الفعلي لباكستان التي قامت كدولة للمسلمين، وكان من شروط التقسيم أن تنضم الولايات ذات الأغلبية المسلمة لباكستان، والولايات ذات الأغلبية الهندوسية للهند.

إلا أن هذا الشرط لم تنفذه الهند، واستولت على إمارة حيدر أباد - دكن - المسلمة وهي ليست إمارةً بل كانت إمبراطورية؛ إذ كان ينضوي تحت سلطانها عدد من الإمارات الصغيرة، ويبلغ عدد سكانها نحواً من ثلاثين مليون نسمة، وكانت من أغنى إمارات الهند، وكان أميرها من أغنى أغنياء العالم، ومن أصدق خُدَّام الإسلام، فلما أرادت هذه الولاية الاستقلال اقتحمتها الجيوش الهندوكية فاستولت عليها عَنوةً، ونهبت أموال الأمير المسلم الخاصة، ومثل ذلك فعلت مع ولاية جوناكده التي كان من حقها الانضمام لباكستان فقط دون سواها؛ لأنها قطعة منها، وأهلها مسلمون، ويرغبون في الانضمام إلى باكستان، فاعتدت عليها القوات الهندوكية، وانتزعتها من بين أيدي مسلمي باكستان، ثم اعتدت على كشمير واحتلت ثلثيها، وبقيت صحيفة كشمير مفتوحة، وتصر الهند على إغلاقها من خلال التجاهل التام في مباحثات السلام الجارية بينها وبين باكستان، وحسب ما تم في جولة المباحثات الرابعة تم إرجاء التباحث حول كشمير إلى جولة المباحثات التي تجري في شهر يوليو المقبل.

 

مشاركة الكشميريين:

وتسعى الحكومة الباكستانية حالياً للتشاور مع الزعماء الكشميريين في شطري إقليم جاموا وكشمير قبل بدء الجولة المقبلة للحوار الشامل مع الهند، في محاولةٍ لإيجاد حل عادل لنزاع كشمير، ويرضي في نفس الوقت جميع الأطراف، ودعا وزير الخارجية الباكستاني شاه محمود قريشي زعماء جميع أطياف مؤتمر الحرية الكشميري لزيارة باكستان لتبادل وجهات النظر معهم حول القضية الكشميرية، وذلك قبل زيارته التي يقوم بها للعاصمة الهندية نيودلهي نهاية شهر يونيو الجاري لبدء الجولة الجديدة من الحوار الشامل مع نظيره الهندي برناب موكهرجي.

وأشار قريشي في تصريحات نشرتها صحيفة "أوصاف" الباكستانية إلى أنه سيأخذ رأي جميع الزعماء الكشميريين سواء في الشطر المحتل أو الشطر الحر.

تجدر الإشارة إلى أن هناك ممثلين عن الكشميريين - على جانبي خط السيطرة الفاصل بين شطري كشمير - شاركوا في مؤتمر وزراء خارجية دول منظمة المؤتمر الإسلامي الذي عُقِدَ في العاصمة الأوغندية كمبالا في يونيو الجاري.

كما أوضح قريشي الذي شارك في اجتماعات الدورة الخامسة والثلاثين لوزراء خارجية منظمة المؤتمر الإسلامي أن أعضاء المنظمة أكدوا التزامهم بدعم الحل السلمي والعادل للصراع الكشميري، وذلك تأكيداً على الحقوق العادلة للشعب الكشميري وتطلعاته، والتأكيد في الوقت نفسه على حق شعب جامو وكشمير المشروع في تقرير المصير وفقاً لقرارات الأمم المتحدة.

ورغم هذه الدعوات فإنه من غير المتوقع أن تجد قضية كشمير مُتَّسَعاً للنقاش في مباحثات الجولة المقبلة، وقد وَضَح ذلك جليّاً عندما سئل وزير الخارجية الهندي برناب موكهرجي عن كشمير في مؤتمر صحفي عُقِد على هامش الجولة الرابعة، وبحضور وزير الخارجية الباكستاني شاه محمود قريشي؛ حيث طالب موكهرجي ضمنيّاً بتنحية هذه القضية جانباً مقابلَ تعزيز التبادل التجاري والتعاون الاقتصادي بين البلدين - حجم التجارة الثنائية بين باكستان والهند ارتفع إلى ملياري دولار -، وقبل هذا وذاك مكافحة ما تسميه نيودلهي "الإرهاب عبر الحدود"؛ حيث عرّج موكهرجي على القفزة الاقتصادية بين بلاده والصين رغم وجود خلاف على الحدود بينهما.

 

مكافحة الإرهاب:

دائما تعرّج الهند على قضية الساعة التي يتغنى بها الجميع وهي محاربة "الإرهاب"، والهند تسميه "الإرهاب عبر الحدود"، والمقصود به دعم المقاومة الإسلامية التي تدفع الهند لحشد 800 ألف جندي هندوسي في كشمير المحتلة؛ حيث ترى الهند أن عملية الحوار الحالية قائمة على ثلاثة مرتكزات تهدف إلى تأمين جَوٍّ خال من الإرهاب والعنف - على حد تعبير وزير الخارجية الهندي -، حيث اتفق البلدان على مكافحة الإرهاب، ووصفتاه بأنه خطر مشترك، وأكدتا التزامهما بالحفاظ على وقف إطلاق النار في خط المراقبة الفاصل بين شطري كشمير،. والتقى مسئولو البلدين منذ أيام قلائل في إسلام أباد لإجراء محادثات جديدة حول مكافحة الإرهاب، وشملت المحادثات تقاسم المعلومات والاستخبارات المتعلقة بالهجمات الإرهابية التي ضربت الهند في السنوات الأخيرة.

والمحادثات حول مكافحة الإرهاب - والتي يأتي هذا الاجتماع الثالث في إطارها - بدأت في نهاية 2006م بهدف تشجيع استئناف حوار سلمي بين الدولتين، وقد كان مُعَلَّقاً إثر الاعتداءات التي وقعت في بومباي في يوليو 2006م، وأسفرت عن مقتل 186 شخصاً.

وتشتبه الهند في أن أجهزة الاستخبارات الباكستانية لعبت دوراً في هذه الهجمات، وهو ما تنفيه إسلام أباد، ولم تعط الوزارة تفاصيل حول مضمون المباحثات، وفي كل جولةٍ من مفاوضات السلام مع باكستان تُرَكِّز الهند على مسألة مكافحة الإرهاب - تقصد المقاومة في كشمير -، والسبب في ذلك هو حجم الخسائر التي مُنِي بها الهندوس في كشمير، فمنذ بدء المقاومة الإسلامية في كشمير في العام 1990م حتى بدء مسيرة السلام بين نيودلهي وإسلام أباد سقط على يد المقاومة أكثر من 26 ألفاً من الجنود الهندوس، من بينهم أربعة جنرالات، إضافةً إلى تدمير العديد من المعدات العسكرية الهامة كالدبابات والسيارات العسكرية، وذخائر الأسلحة، فيما تبتلع مواجهة المقاومة الكشميرية 20% من الميزانية العسكرية للهندوس، وهذا الأمر يُزْعِج الهنود أيّما إزعاج، وبالتالي فإنهم دائماً يركزون على بند مكافحة الإرهاب، ويتخذونه سبيلاً لوأد المقاومة في الولاية المسلمة، ووَقْفِ أي دعم باكستاني لها سواء كان دعماً إعلاميّاً أو دبلوماسيّاً، أو أي دعم بأي شكل، بل تريد الهند أن تضرب المقاومة بسلاح باكستاني، وهذا هدف هندي لتطبيع العلاقات الهندية الباكستانية.

رغم أن الهند التي تتحدث عن الإرهاب هي التي تمارسه على أرض الواقع، فقد قتلت خلال الأسبوع الأخير أكثر من عشرة كشميريين، وحصيلة القتلى على أيدي القوات الهندوسية منذ بدء الانتفاضة الإسلامية في كشمير وصل إلى مئة ألف قتيل، هذا غير عشرات الآلاف الذين أخفتهم الهند في سجونها، أو المقابر الجماعية التي تم اكتشافها منذ أشهر قليلة!

 

خمس سنوات والمحصلة صفر:

وقد استطاعت الهند - بدهاءٍ - استغلال خمس سنوات وأربع جولات في عملية السلام الجارية بينها وبين باكستان منذ يناير 2004م دون تقديم أي شيء يُذكر لقضية كشمير، ففي كل مرة يتم إدراجها على جدول الأعمال، وفي كل مرة يتم تجاهلها، وعدم التطرق لها بوصفها شأناً سياسيّاً يمكن التفاوض عليه، وبقيت نيودلهي ثابتة على موقفها من اعتبار كشمير جزءاً لا يتجزأ من أرضها الوطنية، في حين راحت باكستان تُبْدِي مرونةً، وتقدم مقترحاتٍ بعيدةً عن موقفها السابق المتبني لقرارات الأمم المتحدة كوسيلة للحل، وانتهى الأمر بتحويل القضية إلى شأن إنساني، وهو ما يراه الخبير في شئون العلاقات الهندية الباكستانية سيد محمد طارق؛ فيقول: إن قضية كشمير بدأت بالتحول عَبْرَ عملية السلام بين البلدين من قضية سياسية إلى قضية إنسانية، بدليل عدم وجود أي تقدم على المحور السياسي بشأنها.

ويضيف طارق في حديثه لـ" الجزيرة نت ": إن نيودلهي غير مستعدة لحل قضية كشمير، وكل ما تريده من عملية السلام هو تعزيز التعاون الاقتصادي والتبادل التجاري، "وقد نجحت في ذلك إلى حد بعيد".

وهذا واضح من تصريحات المسئولين الهنود أنفسهم، فقد اختزلت عضو البرلمان الهندي نجمة هبة الله - في حديثها لصحيفة الرياض السعودية في عددها الصادر يوم الاثنين 26 مايو 2008م - قضية كشمير في أنها قضية حدودية لا أكثر، مدعيةً أن الهند تقبل بحل مسألة كشمير على أساس قرارات الأمم المتحدة، مشيرةً إلى أن بلادها تريد تسوية القضايا الثنائية مع باكستان بدون تدخل خارجي أو طرف ثالث.

وتضيف هبة الله: لسوء الحظ هناك انطباع في المنطقة بأن قضية كشمير قضية إسلامية، ولكن هذا الانطباع خاطئ؛ فالمسألة مسألة حدود؛ لأن باكستان تحتل ثلث أراضي كشمير، فهي أرض محتلة، ولم ولن تكون قضية إسلامية، ففي الهند ما بين 150 إلى 200 مليون مسلم يعيشون في بقية أنحاء الهند، وفي كشمير ليس هناك أكثر من ثلاثة ملايين مسلم، فأين هي القضية الإسلامية؟ باكستان تحاول أن تصور في منظمة المؤتمر الإسلامي وفي العالم الإسلامي بأن قضية كشمير قضية إسلامية، ولكني أقول: إنها مشكلة حدودية، وليست قضية إسلامية كما تريد أن تصورها باكستان.

كلام عضو البرلمان الهندي نجمة هبة الله - المسلمة كما هو واضح من اسمها - فيه تناقض ومغالطات تاريخية، وحتى مغالطات في تعداد سكان الولاية، ونسبة المسلمين فيها؛ حيث ادعت هبة الله أن الولاية ليست قضية إسلامية تخص كافة المسلمين، ولكنها قضية حدود، وأن تعداد المسلمين في الولاية ثلاثة ملايين مسلم، مع أن التعداد الهندي للولاية يؤكد أن عدد سكان الولاية حوالي 15 مليون نسمة، 80% منهم مسلمون، أي أن المسلمين في الولاية يزيدون عن عشرة ملايين نسمة، وتجاهلت قرار التقسيم الذي ينص على أن الولايات ذات الأغلبية المسلمة تنضم لباكستان أي أن التقسيم كان بناءً على عنصر الدين، ولم يكن مقياس التقسيم من عندي أو من عند المسلمين، بل كان قراراً أمميّاً.

وأمام هذا الادعاء الهندي والتراجع الباكستاني يرى السيد فاروق رحماني - أحد زعماء مؤتمر جميع الأحزاب للتحرير (مجموعة كيلاني) قائد الرابطة الشعبية للتحرير بجامو وكشمير - أن كشمير لم تحظ بأي أهمية في مباحثات السلام الجارية بين الهند وباكستان؛ وإذا كانت لها أي أهمية فهي من أجل القضاء عليها ولا غير، وعندما بدءوا عملية التفاوض جاءوا بقضايا عديدة إحداها قضية كشمير، رغم أن قضية المياه وقضايا أخرى ذات صلة مع نفس قضية كشمير، مشيراً إلى أن تنازل باكستان عن موقفها المبدئي قد أثّر على قضية كشمير سلبيّاً؛ إذ لم تتنحّى الهند عن موقفها قيد أنملة.

وشدد رحماني على ضرورة مواصلة العالم الإسلامي وباكستان التأييد والدعم لقضية كشمير العادلة، مشيراً إلى أن الوضع يشي بأن باكستان قد قبلت بهزيمتهما المعنوية في كشمير، ويعترف رحماني بأن مرونة الجنرال مشرف إزاء تلك القضية قد أصابتها بضعف؛ لكنّ الأشد منها وقعاً استعداد بعض الكشميريين للتفاوض مع الهند نابذين جميع ما اقترفت الهند من الجرائم البشعة ضد الشعب الكشميري المضطهد.

فقد أصابت باكستان بتنازلاتها المفرطة خلال الأعوام الأخيرة قضيةَ كشمير بضعف شديد؛ في حين لم تَقُمِ الهند إلا بالموافقة على خدمة الحافلات بين مظفر آباد (عاصمة كشمير الحرة) وسرينجار (عاصمة كشمير المحتلة)، والآن ترى الهند أن باكستان مضطرة للمفاوضات، وليس لديها أي حاجة إليها، كما أن مجموعة من الكشميريين أيضاً مستعدون للتفاوض معها، بينما الهند كانت تلهث وراءهم للمحادثات في الماضي.

الموازين قد انقلبت خلال السنوات الأخيرة، وهكذا تم إبعاد كشمير من حق تقرير المصير، وبناء عليه لا يلوح في الأفق ما يشير إلى أن الهند ستقوم باتخاذ إجراء يذكر، أضف إلى ذلك أن الولايات المتحدة أيضاً لا تريد سوى إجراءات إنشاء الثقة بين البلدين لا أكثر، وكانت ترغب في تلك المفاوضات، فكانت ولكن بلا ثمرة.

والواضح - خلال السنوات الخمس الماضية - أن ملف كشمير قد تاه أو ضاع في زحمة الملفات التي تفرضها الهند، بينما أصبح موقف باكستان - كما يقول رحماني - لا وزن له في الوضع الراهن، وبناء عليه فإن الهند لن تقبل بأي اقتراح من قِبَلِ باكستان، فباكستان تعاني هذه الأيام من مشاكل جمة على الصعيدين؛ السياسي والاقتصادي، والهند لا تجد نفسها مضطرة إلى القبول بأي شيء في صالح باكستان، وبالتالي فإن أي حوار بين الجانبين لن يُكَلَّل بالنجاح.

فالمفاوضات - كما يقول رحماني - لم تكن سوى "جلوس وحديث فنهوض"، ولذلك سيظل ملف كشمير في مباحثات السلام بين الهند وباكستان ضائعاً، وعلى الكشميريين أن يقرروا مصيرهم من خلال المقاومة، فهي الطريق الوحيد لإجبار الهندوس على الخروج من كشمير كما قال سيد صلاح القائد العام لمنظمة حزب المجاهدين، ورئيس مجلس الجهاد الموحد في كشمير.

http://islamtoday.net/albasheer/show-articles-content.cfm?id=72&catid=76&artid=13120