مسرحية عنوانها المفاوضات بين المالكي وقوات الاحتلال
عبد الله المجالي
21- 6- 2008م
لا يجب الانتظار حتى نتبين تفاصيل أو حقيقة الاتفاقية الأمنية التي يجري التفاوض حيالها بين حكومة نوري المالكي وقوات الاحتلال الأمريكي في العراق، ذلك أنها شر محض، وإنما يجب المباشرة في تجميع القوى الرافضة لها، وصناعة رأي عام عراقي وعربي وإسلامي مناوئ لها.
واضح أن رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي قد رهن مستقبله بالتوقيع على الاتفاقية، وبما أن الأمريكان لن يعدموا إيجاد شخص آخر يمكن أن يصلوا معه إلى اتفاقية تشرعن وجود الاحتلال الأمريكي؛ فإن المالكي مضطر إلى مواصلة توجيه الرسائل إلى الطرف الأمريكي بأنه الأقدر على تنظيم وتوقيع اتفاقية "شرعنة" الاحتلال الأمريكي لبلاده، ولذلك فقد جاب المالكي في الفترة الأخيرة الدول المجاورة للعراق لطرح ما لديه حول الاتفاقية، ولاستكشاف ما لدى الأطراف الأخرى حولها كذلك، ويحاول المالكي رصّ الصفوف حوله وإلى جانبه داخل العراق وخارجه لصالح اتفاقية، يقول عنها: إنها لن تنتقص من سيادة العراق.
ومن هذه النقطة يحاول المالكي وأنصار الاتفاقية التي يتفاوضون عليها تمريرها على العراقيين في الداخل، وعلى الرأي العام العربي والإسلامي المناهض لاحتلال العراق، ويدعي هؤلاء أن الاتفاقية لا تختلف عن أي اتفاقية أمنية عقدتها واشنطن مع دول أخرى كدول الخليج، وأنها لن تنتقص من السيادة العراقية، وأنها لن توفر تسهيلات للقيام بإجراءات عسكرية ضد دول أخرى، وهي فقط ستنظم وجود القوات الأمريكية داخل العراق.
إن الحوار والنقاش مع أنصار الاتفاقية لا يمكن أن يبدأ من نقطة إيجابيات أو سلبيات الاتفاقية، ذلك أن البدء من هنا هو جرّنا للحوار من نقطة يراد منها الوصول إلى نتيجة واحدة، والأصل أن ينطلق النقاش من نقطة هل يجوز للمالكي أو غيره التفاوض مع قوة الاحتلال لـ"شرعنة" وديمومة الاحتلال.
العراق بلد محتل باعتراف الأمم المتحدة، والقوات الأمريكية قوات احتلال باعتراف الأمم المتحدة، وينطبق على العراق وعلى قوات الاحتلال الأمريكي قوانين اتفاقية جنيف الخاصة بالحروب، وحكومة المالكي ليست قادرة على اتخاذ أي قرار سيادي يتعلق بمستقبل العراق فهي تحت الاحتلال، وكل ما يمكنها فعله هو إدارة الحياة اليومية للعراقيين الواقعين تحت الاحتلال الأمريكي.
وكل ما نراه في العراق من حكومة وبرلمان ورئيس وحتى جيش يأتمر بإمرة تلك المؤسسات هي مجرد دمى لا تغير من الواقع القانوني للعراق شيئاً، وما حكومة فيشي في فرنسا إبان الحرب العالمية الثانية عنا ببعيد، حيث نصب الألمان حكومة موالية لهم عبر الجمعية الوطنية الفرنسية بقيادة المارشال فيليب بيتان بعد أن احتلوا فرنسا، وأسقطوا حكومتها الشرعية، ولم تعترف الدول الغربية آنذاك وعلى رأسها الولايات المتحدة وبريطانيا بتلك الحكومة التي اعتبروها حكومة احتلال، ولم يعترفوا بأي من قراراتها أو اتفاقياتها، ولم يعترفوا بأي أثر قانوني لقرارات حكومة الاحتلال رغم أن حكومة فيشي حكمت فرنسا أربعة أعوام (1940م - 1944م)، ووضعت دستوراً جديداً، وأقامت مؤسسات حكم وبرلمان وجيش وشرطة.
العراق بلد محتل، والاحتلال هو الذي أشرف على كتابة الدستور العراقي بعد الاحتلال، وهو الذي أشرف على الانتخابات، وهو الذي أشرف على اختيار المالكي لرئاسة الوزراء - ومن قبله الجعفري وعلاوي -، وهو الذي يحمي حكومته من الانهيار، بل وهو الذي يحمي مقرات الحكومة والبرلمان، فكيف يجوز لمن عينه الاحتلال أن يفاوض الاحتلال، ويوقع معهم اتفاقية طويلة الأمد، لا يجوز أن نقفز على هذه الحقائق لدى مناقشتنا قضية مهمة كقضية الاتفاقية الأمنية المزمع توقيعها بين العراق المحتَل ودولة الاحتلال.
وحتى لو اضطررنا للقفز على هذه الحقائق فإنه لا يمكننا أن نتخيل أن هناك تفاوضاً بين المالكي وقوات الاحتلال حول الاتفاقية بالمعنى الحقيقي للتفاوض، فالمالكي لا يملك من أمره شيئاً حتى يجلس ويفاوض من عينه وسلمه هذا المنصب؛ وكيف له أن يفاوض أو يعاند وليّ نعمته، ومن يملك حياته وحياة عائلته، وهذه حقيقة لا تخص المالكي وحده بل تنطبق على كل مسؤول عراقي انخرط في العملية السياسية، أن يأتي من يعتبر الأمريكان محررين، وأصحاب فضل عليه؛ ليفاوضهم على اتفاقية أمنية؛ فهذا أمر يصعب فهمه أو إدراكه.
فضلاً عن ذلك هناك الكثير لنقوله في موضوع مخاطر وسلبيات تلك الاتفاقية الأمنية التي يجري التفاوض عليها، لكن الأساس الذي يجب أن ننطلق منه هو عدم أهلية المالكي وحكومته ونظام بريمر في التفاوض مع قوات الاحتلال على أي أمر من أمور العراق.