من الذي يهدد الوجود الأردني؟

عمر عياصرة

19- 6- 2008

يعيش الكيان الأردني واحداً من أصعب توتراته منذ تأسيس إمارة شرقي الأردن عام (1921م)، ومبررات هذا القلق ليست ضرباً من الخيال أو الميتافيزيقيا، بل هي برامج سياسية بدأت بالظهور على سطح الأحداث تتناول ضرورة إنهاء ملف الصراع الفلسطيني الإسرائيلي على حساب الأردن وكيانه وتكويناته.

ولعل ما جاء في برنامج المرشح الجمهوري الأميركي ماكين كان بمثابة جرس إنذار على بدء عمليات فكرية، ومخططات سياسية؛ لاستحداث حلول لمسألة الشرق الأوسط الرئيسية والمتمثلة بالصراع العربي الإسرائيلي، سيما بعد أفول مشروع حل الدولتين واقعياً ونظرياً من حسابات صانعي القرار الرئيسيين في هذا الملف الشائك.

الأردنيون - ربما - لا يشعرون بهلامية دولتهم، ولكنهم لا يستخفون بقدرات الغرب المهيمن، حيث إن صانعي سايكس وبيكو قادرون على إجراء عمليات إعادة صياغة للخرائط في المنطقة برمتها، فموازين القوى تظل الفاعل الحاسم في إدارة الملفات، وتحريك الحدود، واجتراح الآلام، وافتعال الأزمات.

ولكنَ الأردنيين بذات الوقت يتساءلون عن أطراف القابلية لمثل هذا الحل الذي يمكن أن يكون على حساب الأردن، وعلى حساب ملف اللاجئين، ويتساءلون كذلك عن العوامل الداخلية والخارجية (الذاتية والموضوعية) التي تعمل على إعادة تشكيل الدولة بما يتناسب مع مشروع الغدر القادم للدولة الأردنية وهويتها، وثقافتها وأمنها واستقرارها.

طرف القابلية الأول هم "الكمبردور" العابر للوطن الأردني الذين يعملون على إفقار الشعب، وإنزاله منزل الخضوع والخنوع، ويعملون بسياساتهم الاقتصادية على إعادة تشكيل موازين القوى المجتمعية، وتوسيع شقة الفوارق الاجتماعية؛ لمصلحة نخبة لا يعنيها مفاهيم الهوية والتقاليد والرموز، وإنما جل اهتمامها جيوب متخمة بعرق الفقراء، وهؤلاء هم الطرف الأول في تشكيل قابلية أردنية ليكون الحل على حسابها، فلنسقط هؤلاء من مواقع التأثير، ولنعد إلى هوية الوطن الأردن الملتحم بفلسطين على أسس التحرير والمقاومة لا على أسس البيع والمهادنة، وهذا العامل الذاتي يشكل الفاعل الأخطر في مشروع تفكيك الأردن، وذلك لأنه الأقدر على النيل من التماسك الداخلي والوعي بمدخلات الأزمة، وهذا العامل يشكل العائق الأكبر الذي يحول دون صعود النخب الوطنية الصادقة لتمارس دورها في الحفاظ على الأردن الوطن.

طرف القابلية الثاني هم نخبة أوسلو الفلسطينية، وأزلام عباس ومن هم على شاكلته، الذين لا تعنيهم الثوابت بقدر رغبتهم بوطن مشوه يحمل معه ثرائهم ونفوذهم، وامتدادات علاقاتهم بالصهيونية المأزومة في يومها التاريخي، وهؤلاء يا سادة هم بيئة خصبة للنخبة الفلسطينية القابلة بالأردن بديلاً لفلسطين، وهم على أهبة الاستعداد لتنفيذ المؤامرة والغدر بالقضية، فلنلفظهم جانباً، ولنتحالف مع اليمين الفلسطيني المجاهد المقاوم الذي لا يرضى إلا فلسطين الحقيقية التاريخية المعطرة بدم الشهداء.

طرف القابلية الثالث: هم المأزومون في البيت الأبيض من محافظين جدد تستعر في عقولهم عقد الدين والتاريخ والكراهية لاجتراح حلول تخدم يهودية إسرائيل، وتؤازرهم في ذلك فلسفة الصهاينة الممثلة بمدرسة بنيامين نتنياهو، الزعيم القادم للقرار الإسرائيلي، فهؤلاء سيدفعون بالمشروع لأقصى درجاته نحو التحقق، وسيعملون على شراء ذمم الكثيرين رغبة في تنفيذ المأمول.

والمطلوب من الوطنية الأردنية والوطنية الفلسطينية أن تقف أمام مثلث الذل هذا، وتشكل ممانعة حقيقية له، فالأردن إرادة شعب، والتحام مصير، وإذا ما وقف أبناؤه أمام المشروع، وأتيح لهم ذلك؛ فهم سيكونون على الوعد لأجل فلسطين والأردن، ولعرقلة مشاريع الهيمنة والوعيد المأزوم.

http://www.alasr.ws/index.cfm?method=home.con&contentid=10147